"مجالس المستقبل".. العالم يستشرف الثورة الصناعية الرابعة من الإمارات


١٤ نوفمبر ٢٠١٧ - ١٢:٥٩ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

يشهد العالم في الوقت الراهن سباقًا سريعًا نحو مواكبة التغيرات المستقبلية التي سيكون عنوانها "الثورة الصناعية الرابعة"، من خلال تحقيق الريادة في الذكاء الاصطناعي الذي يعد الموجة العالمية القادمة، وكذلك تسخير التكنولوجيا الرقمية "بلوك تشين" في خدمة مجتمعات الأعمال.

مجالس عالمية لاستشراف المستقبل

احتضنت دبي، يوم السبت الموافق 11 نوفمبر الجاري، الاجتماع السنوي الثاني لمجالس المستقبل العالمية، والذي يهدف إلى صياغة رؤية مشتركة للثورة الصناعية الرابعة.

وتحت عنوان "عولمة المعرفة في عالم متصدع" اجتمع أكثر من 700 من كبار الخبراء من جميع أنحاء العالم في الاجتماع الذي يعد واحدًا من أربعة اجتماعات سنوية يعقدها المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) على مدار العام، وذلك بهدف وضع إستراتيجيات لمساعدة العالم على الاستعداد لمستقبل يحدده التغير التكنولوجي السريع، بالإضافة إلى تطوير رؤية لعالم مستدام ومتمحور حول الإنسان في المستقبل.

وركزت هذه الدورة على الحلول والأفكار التي يمكن تبنيها في الوقت الحاضر والتي من شأنها تعزيز التعاون الدولي والاستجابات المشتركة للتحديات العالمية، وتهدف إلى تسريع وتيرة التقدم في ما يخص التحديات الرئيسية التي تواجه الصناعة، وصانعي السياسات، والمجتمع.

ظهور قوى اقتصادية جديدة

على رغم التحديات المتوقعة في مرحلة الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، إلا أنها سيكون لها أثر كبير وتغييرات ملموسة في المجتمعات والاقتصادات.

التغيير غير المسبوق الذي ستحدثه الثورة الصناعية الرابعة في القطاعات ونماذج الأعمال المدعومة بالذكاء الاصطناعي وفعالية تعلم الآلات، سيضاعف حجم النمو السنوي لاقتصاد الدول ويرفع من كفاءة القوى العاملة 40% بحلول عام 2035، ومن المتوقع أن يبلغ اقتصاد التنقل الذاتي 7 تريليونات دولار، وأن تساهم إنترنت الأشياء بـ10%، أي 15 تريليون دولار، في الناتج المحلي الإجمالي العالمي على مدى السنوات الـ20 المقبلة.

كما سيساهم التغيير في زيادة كفاءة الطاقة عالمياً، وظهور قوى اقتصادية جديدة وارتفاع المنافسة التجارية العالمية التي تحددها القدرة التنافسية المبنية على التطور التكنولوجي والقدرة على الابتكار.

الإمارات نموذج يحتذى به

تعتبر دولة الإمارات الأولى في التحرك لوضع استراتيجية لتبني الثورة الصناعية الرابعة، وتشكيل مجلس لها، وتحويل الدولة إلى مختبر عالمي مفتوح وتشكيل حكومة تضم وزراء للذكاء الاصطناعي.

على المستوى الإقليمي؛ كانت الإمارات سباقة في تبني المؤسسات الحكومية لتقنيات الثورة الصناعية الرابعة، حيث أطلقت مرحلة تنموية جديدة للاعتماد على الذكاء الاصطناعي في كافة القطاعات الحكومية والخاصة، ولذلك توجد الكثير من المطالبات لسن قوانين تساهم، إما في الحد من انتشار الذكاء الاصطناعي، أو قوانين لمحاكمة الروبوتات كجسد لديه ذكاء في الاختيار، وينص محور الحوكمة الأساسي في استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي، على تشكيل مجالس الذكاء الاصطناعي في الدولة، فضلاً عن توفير فرق عمل مع الرؤساء التنفيذيين للابتكار، والأهم هو إصدار قوانين بشأن الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي.

وترتكز عوامل نجاح التحول إلى الثورة الصناعية الرابعة على عوامل عدة مهمة، من بينها إلغاء الحدود الفاصلة بين كل ما هو فيزيائي ورقمي وبيولوجي ومخرجات التعليم والبنية التحتية ودعم الابتكار، كما ستعزز هذه الثورة، توليد وتحليل وإيصال البيانات بسلاسة أكبر عن طريق التحول الرقمي الشامل لكافة الأصول المادية والتكامل في المنظومة الرقمية.

تكنولوجيا بلوك تشين.. ابتكار ثوري

بلوك تشين" -Block chain- تقنيات سوف تغير تعامل المدن العالمية في تطوير خططها وبرامجها بما يتناسب مع هذه التغيرات ويجعلها منافسة فعالة في الاقتصاد العالمي وفي استقطاب فرص الاستثمار والنمو الجديدة.

كما أنها توفر منظومة وشبكة تقنية خاصة أكثر حماية وتفاعلاً للمؤسسات والجهات التي باتت توجهًا عالميًا، لذا يعمل مكتب مدينة دبي الذكية بالشراكة مع مختصين عالميين على توفير منصة مجانية، تستطيع الجهات والمؤسسات في الإمارة تجربة استخدام هذه التقنية الجديدة من خلالها.

ولن يقتصر تطبيق تقنيات "بلوك تشين" في دبي على القطاع المالي، كما هي الحال في الدول والمدن التي بدأت في استخدامها، لكن سيشمل قطاعات أخرى عدة، أهمها الطاقة، والصحة، والتعليم، والعقارات، وقطاعات التجزئة للسلع والمنتجات الاعتيادية، والفخمة.

ومن المتوقع أن تزدهر تقنية "بلوك تشين"، وأن ترتفع قيمتها لسوقية حول العالم من 210 ملايين دولار في 2016 إلى ما يزيد على 2.3 مليار دولار بحلول عام 2021، وبمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 61.5%.

اختفاء ملايين الوظائف الروتينية

أصبحت ملايين الوظائف في مهب الريح ومهددة بالتبخر والاختفاء من سوق العمل خلال السنوات القليلة المقبلة، وتحديداً فإن تقديرات المنتدى الاقتصادي العالمي تشير إلى أن أكثر من خمسة ملايين وظيفة سوف تتلاشى بحلول العام 2020، أما السبب في ذلك فيعود إلى التطور التكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم.

ويقول المنتدى في أحدث تقديراته إن الإنسان الآلي (الروبوت) سوف يحل مكان البشر في هذه الملايين الخمسة من الوظائف خلال ثلاث سنوات فقط من الآن، وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع في نسب البطالة وأعداد العاطلين عن العمل.

وبحسب التقديرات فإن ثورة التكنولوجيا التي يشهدها العالم والتطور الهائل في علم "الذكاء الصناعي" جعل من الممكن تكليف "الروبوت" بالقيام بالعديد من المهام المعقدة التي لم يكن في السابق من الممكن أن يقوم بها.

لكن تقديرات المنتدى الاقتصادي تشير إلى أن "الروبوت" لا يزال حتى اللحظة لا يشكل تهديداً للوظائف المتوسطة، كما يعتقد البعض، مثل المحاماة والمحاسبة والخدمات المالية والخدمات المحترفة، وإنما سيتم استخدام الذكاء الاصطناعي للقيام بالأعمال والوظائف المملة والبيروقراطية وتلك التي يسميها الغرب (paper work)، أي أنها أعمال روتينية لا تحتاج لكثير من الذكاء والإبداع.

يشار إلى أن تقريراً سابقاً صدر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) كان قد حذر من تأثير انتعاش "الروبوت" على الوظائف التي لا تتطلب مهارات عالية في البلدان النامية ومن انتفاء الحاجة إلى العمالة الرخيصة، حيث قال إن "من الممكن الاستعاضة عن ثلثي مجموع فرص العمل في العالم النامي من خلال الاعتماد على النظم الاوتوماتيكية التي أصبحت أكثر انتشارا في مجال صنع السيارات والالكترونيات".

برامج لمواجهة آثار التحولات المستقبلية

أطلقت الحكومة الإماراتية عدد من البرامج للحد من الآثار السلبية المتوقعة من استخدامات التكنولوجيا، وذلك تحت مسميات مختلفة تتضمن "بروتوكول الثورة الصناعية الرابعة"، و"بروتوكول الذكاء الاصطناعي"، و"مركز الإمارات للجاهزية للمستقبل".

ويهدف "بروتوكول الثورة الصناعية الرابعة" إلى بناء إطار ناظم لآليات تبني أدوات وتقنيات هذه المرحلة المهمة من مستقبل الإنسان، وذلك بالشراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس".

ويشتمل البروتوكول على ثلاثة محاور رئيسية تقوم على توفير بيئة متكاملة وآمنة للبيانات، وصياغة سياسات وتشريعات الثورة الصناعية الرابعة، وبناء منظومة قيم وأخلاقيات الثورة الصناعية الرابعة.

فيما يهدف مركز الإمارات للجاهزية للمستقبل لتطوير البرامج والسياسات وأطر العمل الكفيلة بإعداد الجهات الحكومية لتحديات المرحلة المقبلة التي ستترتب على توسع انتشار تقنيات الثورة الصناعية الرابعة.

في حين يعزز "بروتوكول الذكاء الاصطناعي"، جهود استشراف المستقبل، وتبني أدواته انسجاما مع التحولات التقنية المتسارعة التي يشهدها العالم.


اضف تعليق