"الإسلام الفرنسي".. هل ينجح "ماكرون" فيما فشل فيه غيره ؟


١٣ فبراير ٢٠١٨ - ٠٥:٥٤ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمود سعيد

تسعى الدولة الفرنسية منذ عقود لإنشاء ما أسمته "الإسلام الفرنسي"، وهو الإسلام -الذي يحترم من وجهة نظرها- "العلمانية الفرنسية" حتى لو كانت تخالف الإسلام ومعتقداته.

ومع التزايد الكبير في أعداد المسلمين في فرنسا وأوروبا، تحاول الحكومة الفرنسية إنشاء إسلام يتناسب مع الحياة في فرنسا، وقد حاولت فعل الأمر نفسه في الجزائر سابقًا أثناء احتلالها له ولكنها فشلت، وهي تحاول أن تكرر الأمر نفسه اليوم، فهل يمكن للرئيس الفرنسي "ماكرون" أن ينجح فيما فشل فيه غيره.

ماكرون والإسلام

"ماهية الذي يريد ماكرون فعله بالنسبة للإسلام".. عنوان تصدر غلاف "لوجورنال دو ديمانش" مرفقًا بصورة للرئيس الفرنسي وهو يتناول قطعة حلوى من طبق تمسك به سيدة مغطاة الرأس وسط حشد من مسلمي مدينة مونبيلييه الذين التقاهم ماكرون عام 2016 قبيل إعلانه رسميًا عن ترشحه لرئاسة الجمهورية وكان قد أشار حينها إلى أنه يمكن لفرنسا أن تكون أقل صرامة في تطبيق قواعد العلمانية.

وماكرون كما هو معروف، له علاقة خاصة بالإيمان والروحانيات "وهو يعد" تقول "لوجورنال دو ديمانش"، "لمخطط عام من أجل إعادة تنظيم المؤسسات التمثيلية لمسلمي فرنسا من خلال إيجاد أطر جديدة لتمويلها ولتعليم الأئمة. إيمانويل ماكرون" أضافت المجلة، "يسعى للحد من تأثير الدول العربية على إسلام فرنسا لأنها تبعده عن الحداثة".

الرأي العام الفرنسي

"لوجورنال دو ديمانش" نشرت في إطار هذا الملف، استطلاعا للرأي يبين وجهة نظر الفرنسيين عن الإسلام. وتظهر الدراسة التي أجراها معهد "إيفوب" أن 56% من الفرنسيين يعتبرون أن الإسلام يتطابق مع قيم المجتمع الفرنسي مع العلم أن غالبيتهم كانت تؤمن بالعكس قبل عامين. ولكن "بالرغم من هذا التقدم يظل الإسلام موضع جدل لدى الفرنسيين المنقسمين حوله بحسب ميولهم السياسية"، تقول "لوجورنال دو ديمانش": فأكثر من 60% من مؤيدي اليمين واليمين المتطرف لا يجدون تطابقا بين الإسلام وقيم المجتمع الفرنسي فيما يرى مؤيدو الوسط واليسار العكس تماما بنسبة تتجاوز 70% لدى مناصري الحزب الاشتراكي.

المسلمون يرفضون

وقد رفض غالبية المسلمين بفرنسا تلك الدعوات المتزايدة لتكريس ما يسمى بـ"الإسلام الفرنسي" من أجل قطع الصلة مع أي امتداد إسلامي خارج الحدود. وفي تعليقه على هذه الدعوات قال عميد المركز الإسلامي في إيفري الشيخ خليل مروان: إنه يرفض مثل هذه التسميات، فليس هناك شيء اسمه الإسلام المغربي أو الجزائري أو السعودي أو الفرنسي، وهناك فقط مسمى الإسلام.

وأضاف: "نقبل بالعلمانية التي تمثل روح السياسة الفرنسية ولا نرى تعارضا بين تطبيقنا للدين وبين هذه العلمانية"، ولكننا لا نقر مثل هذه التسميات. وتابع.. إننا مع إسلام يحترم قواعد العيش والقانون في فرنسا، يساعدنا على ذلك أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان. وذكّر بأن "الثقافة اليونانية جاء بها المسلمون إلى الغرب عبر حركة ترجمة تاريخية تركت بصمتها على مسار الحياة الإنسانية، كما واصل المسلمون دورهم عندما نشروا العلم في الأندلس ومنه إلى أوروبا".

من جهته قال إمام مسجد الدعوة بباريس الشيخ العربي كشاط: إن كل جهة تريد أن تعطي هذا المصطلح المحتوى الذي يناسبه، والمسلمون بدورهم يجب أن يستخلصوا منه المدلول الذي لا يتناقض مع مبادئهم ويساعدهم على العيش بسلام في مجتمعاتهم.

واعتبر أن مطالبة المسلمين بقطع صلاتهم بالمنابع الإسلامية خارج الحدود الإسلامية أمر مبالغ فيه، وقال: نحن في هذا الإطار نطالب بالمساواة مع أصحاب الديانات الأخرى الذين لم يطلب منهم مثل الطلب. وشدد على أن المسلم في فرنسا يحترم القانون، ولذلك لا توجد مشكلة في إقامة مثل هذه الصلات، وقال: إن الجميع سواسية أمام القانون، ورغم ذلك تكون هناك بعض الانحرافات في تطبيق القانون ليس من قبل المسلمين فقط، وإنما غيرهم أيضا. وذكر الشيخ العربي أن المسلمين في فرنسا ليسوا أجانب وإنما هم مواطنون يحترمون قوانين البلاد ولديهم القدرة على التلاؤم مع المجتمع، داعيا إلى التحلل من عقدة الخوف عند الحديث عن الإسلام والمسلمين.

وكشف الصادق سلام، المؤرخ والخبير في الإسلام المعاصر وصاحب كتاب "فرنسا ومسلميها: قرن من السياسة المسلمة 1895- 2005"، كيف أن الرهانات الخارجية والصفقات السياسية ساهمت إلى حد كبير في استبعاد مقولة "الإسلام الفرنسي"، واستعاضت عنها بمقولة "الإسلام بفرنسا"، والذي تتحكم فيه هذه الرهانات الخارجية.

موقف زعماء فرنسا من الإسلام

مواقف عدد كبير من القادة الفرنسيين، توضح موقفهم من الإسلام، فعلى سبيل المثال أثار الوزير الأول الفرنسي السابق مانويل فالز، ضجة عارمة في الأوساط الحقوقية والسياسية الفرنسية، حين صرح لإحدى الصحف الإسبانية أن المشكلة في فرنسا هي مع الإسلام والمسلمين، حيث قال لصحيفة الباييس El pais إن "كل الدول تعاني من أزمات ثقافية وسياسية… وفي فرنسا يعاني مجتمعنا من مشكلة الإسلام والمسلمين"، فالز قال سابقا إنه "مرتبط أزليا بإسرائيل"، كما أن زوجته يهودية الديانة !!.

فيما طالب برنارد كازنوف رئيس الوزراء الفرنسي السابق بإنشاء مؤسسة للترويج لـ "الإسلام الفرنسي"، وأضاف أن هذه المؤسسة ستمول مشاريع تعليمية وثقافية وتقدم تدريبات غير دينية للأئمة، على سبيل المثال دروس في تاريخ الاديان.

واستبعد كازنوف تشريع قانون وطني يمنع البوركيني. الأمر الذي يسعى إليه بعض قادة الجناح اليميني بعد أن ردت محكمة فرنسية الأسبوع الماضي قيام بعض المناطق بمنعه.

كتاب الإسلام الفرنسي المُتخيّل

يُعدّ هذا الكتاب الذي ألفه الكاتب والصحافي الفرنسي (توماس ديلتامب) الأول من نوعه في المكتبة الفرنسية حول صورة الإسلام في الميديا (وسائل الإعلام) الفرنسية طيلة ثلاثين عاماً، تتبع خلالها المؤلف أهم المحطات التي طبعت نسج وتطور وبناء هذه الصورة في وسائل الإعلام الفرنسية المرئية والمسموعة والمكتوبة، ومن تم ثم في المتخيل الفرنسي، ليخلص إلى نتيجة ـ يسجلها منذ المقدمة ـ تقول بأن الصورة التي رسخت في العقل الفرنسي عن الإسلام والمسلمين ليست هي الصورة الحقيقية، وإنما الصورة التي أراد الإعلام أن يرسخها في أذهان الجمهور الفرنسي.

في ختام الكتاب يؤكد المؤلف أن التغطية الإعلامية للإسلام وقضايا المسلمين في فرنسا لا تزال تهيمن عليها العقلية الاستعمارية، ويشير بنوع من المرارة إلى ظاهرة لافتة في الحياة السياسية الفرنسية: لقد كان اليمين واليسار الفرنسيان دائماً في صراع وتطاحن خلال الحرب الجزائرية، حيث كان الأول مؤيداً للاستعمار الفرنسي والثاني معارضاً له، لكن هذين التيارين التقيا فيما بينهما عندما تعلق الأمر بالإسلام، ويُطلق على هذه الحالة تسمية"مأزق الجمهورية الفرنسية".


يقول الفيلسوف والمفكر الفرنسي روجيه جارودي -في كتابه "الإسلام دين المستقبل" عن شمولية الإسلام- "أظهر الإسلام شمولية كبرى في استيعابه لسائر الشعوب ذات الديانات المختلفة، فقد كان أكثر الأديان شمولية في استقباله للناس الذين يؤمنون بالتوحيد وكان في قبوله لأتباع هذه الديانات في داره منفتحا على ثقافاتهم وحضاراتهم والمثير للدهشة أنه في إطار توجهات الإسلام استطاع العرب آنذاك ليس فقط إعطاء إمكانية تعايش تماذج لهذه الحضارات، بل أيضا إعطاء زخم قوي للايمان الجديد: الإسلام، فقد تمكن المسلمون في ذلك الوقت من تقبل معظم الحضارات والثقافات الكبرى في الشرق وأفريقيا والغرب وكانت هذه قوة كبيرة وعظيمة له، وأعتقد ان هذا الانفتاح هو الذي جعل الإسلام قويا ومنيعا".

وما يقوله "جارودي" يعني أن الإسلام ليس بحاجة لخلق نسخ بريطانية أو فرنسية أو أمريكية، بل الإسلام بشموليته قادر على التوافق مع مختلف الحضارات وهذا هو الواقع منذ ظهور الإسلام.



 


اضف تعليق