صهر أردوغان.. أحدث موجات تسونامي السلطان


١١ يوليه ٢٠١٨ - ٠٩:٤٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – ولاء عدلان

محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا عام 2016، كانت أشبه بتسونامي اجتاح البلاد دون رحمة، ليقلب نظامها السياسي رأسا على عقب، لنشاهد منذ أيام أحدث موجاته تحت قبة البرلمان التركي، حيث وقف الرئيس رجب طيب أردوغان ليعلن انتهاء النظام البرلماني وبداية النظام الرئاسي التنفيذي وولايته الجديدة، لكن هذه المرة بسلطات غير مسبوقة تضمن له قبضة من حديد على مفاصل الحكم.

وقال أردوغان -عقب حلفه لليمن الدستورية الإثنين الماضي- نحن تركيا دولة وشعبا نشهد بداية جديدة نخلف بها وراء ظهورنا نظاما كلف البلاد كثيرا في الماضي ثمنا باهظا لفوضى سياسية واقتصادية كان سببا فيها، متعهدا بحماية وتمجيد مجد الجمهورية التركية وشرفها والوفاء بواجباته كرئيس بنزاهة.


بهذه الكلمات دشن أردوغان النظام الرئاسي في تركيا بعد نحو 92 عاما من النظام البرلماني، وبموجب تعديلات دستورية تم الاستفتاء عليها في أبريل 2017، مُنح صلاحيات غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث، أبرزها إلغاء منصب رئيس الوزراء ونقل صلاحياته وصلاحية مجلس الوزراء للرئيس، وتعيين أعضاء في المجلس الأعلى للقضاة.

مساء الإثنين، أعلن الرئيس التركي عن تشكيلة مثيرة للجدل لحكومته الجديدة، حيث عين نائبًا للرئيس و16 وزيرًا، بينهم ثلاثة حافظوا على مواقعهم هم وزراء الخارجية والداخلية والعدل، فيما وقع اختيار أردوغان على وزير الطاقة بيرات البيرق، ليحل محل ناجي أغبال كوزير للمالية والخزانة، وغاب اسم نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية سابقا محمد شيمشك عن هذه التشكيلة، الأمر الذي أُثار قلقا لدى المستثمرين في أسواق السندات التركية، لا سيما وأن الرجل كان مؤثرا في حركة الاقتصاد التركي منذ أن كان وزيرا للمالية في حكومة أردوغان 2009، ومعروفا بتأيده لاقتصاد السوق.

في مايو الماضي تعهد أردوغان بفرض سيطرة أكبر على الاقتصاد، وقال في مقابلة مع "بلومبرج": إن المركزي التركي مستقل، لكن لا يمكنه أن يتجاهل الإشارات التي يبعثها رئيس السلطة التنفيذية، وفور استكمال التحول للنظام الرئاسي سأتولى المسؤولية كرئيس لا ينازعه أحد فيما يتعلق بالخطوات المتخذة والقرارات المتعلقة بهذه المسائل، علينا أن نعطي صورة لرئيس مؤثر في السياسات النقدية.

لكي يضمن أردوغان ذلك أعطى لنفسه صلاحيات تعيين محافظ البنك المركزي وأعضاء لجنة السياسة النقدية، ولم يكتف بذلك بل عين صهره وزيرا للمالية، في خطوة أثارت جدلا واسعا، تجاوز حدود تركيا، ليربك أسواق الأسهم والسندات التركية، كما مثل ضغوطا جديدة على الليرة، لنشاهدها تخسر نحو 3.5% من قيمتها في يوم واحد غداة تنصيب بيرات البيرق وزيرا للمالية.


البيرق 40 عاما متزوج من إسراء أردوغان منذ العام 2004، هو نجل الصحفي والسياسي صادق البيرق ولد في اسطنبول عام 1978، ودرس إدارة الأعمال في جامعتها، وأكمل شهادة الماجستير في كلية لوبن لإدارة الأعمال في نيويورك، ومن ثم الدكتورة في "تمويل مصادر الطاقة المتجددة"، في عام 1996 بدأ حياته المهنية  وعمل في مجالات الاقتصاد والطاقة والمالية، كما عمل كمحاضر في جامعة مرمرة، وفي عام 2013 بدأ كتابة مقالات في صحيفة الصباح التابعة لمجموعة "تشاليك القابضة" والتي أدارها لفترة قبل دخوله عالم السياسة.

والبيرق عضو نشط بحزب الرئيس، وسبق أن انتخب نائبًا لحزب العدالة والتنمية بالبرلمان عن ولاية إسطنبول لثلاثة دورات متتالية، وهو عضو بالمجلس الأعلى للإدارة واستصدار القرارات بالحزب، الأهم من ذلك أن فترة وجوده بوزارة الطاقة جعلت منه وجه مألوف لوسائل الإعلام الغربية، إذ سنحت له الفرصة للتواصل مع الحكومات الأجنبية وفتح له الباب للقيام بدور دبلوماسي إلى جانب عمله، لدرجة جعلت البعض يصفه برئيس وزراء غير معلن، نظرا لاتساع نفوذه بالحكومة.

صهر الرئيس الوفي كان أول من حذره ليلة الانقلاب ورافقه على متن الطائرة التي نقلته في 16 يوليو 2016 إلى اسطنبول، بالتزامن مع تحليق طائرات منفذي محاولة الانقلاب في الأجواء، لم تكن المرة الأولى التي يختبر فيها ولاء البيرق فسبق أن أثبت ذلك مرات عدة بمحاولاته لتطويع وسائل الإعلام التي تمتلكها عائلته وتلك التي عمل في مجلس إداراتها للترويج لأدروغان.

وفي سبتمبر 2016 كانت الفضيحة الشهيرة لمجموعة "دوغان" الإعلامية المستقلة، عندما أعلنت مجموعة قرصنة إلكترونية، عن تمكنها من اختراق البريد الإلكتروني للبيرق وقامت بنشر رسائل موجهة إلى محمد علي يلجنداج المدير العام لـ"دوغان" يطالبه فيها بموالاة الحكومة في كل ما تنتجه المجموعة من مواد إعلامية.


يبدو أن تاريخ الرجل لم يرق كثيرا للمستثمرين وشركات تحليل الأسواق، فبالأمس واصلت السندات السيادية التركية المقومة بالدولار تراجعها وارتفع متوسط فارق العائد المستحق على هذه السندات فوق سندات الخزانة الأمريكية على مؤشر جيه.بي مورجان 26 نقطة، وتراجعت الأسهم التركية بأكثر من 2.9%، فيما خفضت وكالة ستاندرد آند بورز، تصنيف ديون تركيا السيادية إلى مرتبة أقل ضمن فئة الديون عالية المخاطر.

وقالت وكالة التصنيف الائتماني الشهيرة: من المبكر استخلاص استنتاجات بشأن الحكومة الجديدة، لكن الملحوظ أن مركزية صنع القرار في تركيا تزداد بصورة واضحة.

وينتاب المستثمرين قلق من اختيار البيرق، إذ يؤكد عزم أردوغان على الانفراد بصناعة القرار المالي والنقدي، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل الاقتصاد التركي، لاسيما وأن المستثمرين يريدون دعم لأسعار الفائدة فيما يرى أردوغان أن ارتفاع أسعار الفائدة لعنة يجب محاربتها.

يقول جيوم تريسكا، خبير استراتيجيات الأسواق الناشئة في كريدي أجريكول: اختيار صهر الرئيس لهذا المنصب مؤشر على أن أردوغان سيتحكم أكثر في السياسة الاقتصادية، وقد يقوض ذلك استقلال البنك المركزي.

لكن الرجل حاول تهدئة مخاوف المستثمرين، بالقول في أولى تصريحاته كوزير للمالية: سنعمل بكل قوة لإعادة التضخم إلى رقم محدد، ولتقديم نموذج للعالم على صعيد الانضباط المالي والنقدي.

 تعهدات براقة لكن الواقع صعب، الأرقام تشير إلى ارتفاع التضخم في يونيو الماضي بنسبة 15.39% وهو سقف قياسي منذ 2003، وارتفاع عجز الميزان التجاري بأكثر من 35.5% خلال الأشهر الماضية، ومنذ بداية العام فقدت العملة التركية أكثر من 20% من قيمتها، كما اتسع عجز الميزانية التركية ليسجل 23.2 مليار ليرة خلال الأربعة أشهر الأولى من 2018.


اضف تعليق