الملاكمة صدف خادم.. آخر الفارين من قيود الفقيه الإيراني


٢٠ أبريل ٢٠١٩ - ٠٨:١٦ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية – عاطف عبداللطيف

جدل كبير يطفو على سطح الأحداث التي لا تكف عن الاشتعال سياسيًا واجتماعيًا في طهران، ومرة جديدة يطل من خلف الستار حق المرأة المنتهك في أرض نظام "الملالي" وآخرهم الملاكمة صدف خادم لاعتقادات اجتماعية وفكرية تتعلق بالملابس التي ظهرت بها في نزال رياضي.

الخميس الماضي دعت منظمة العفو الدولية السلطات الإيرانية إلى الكف عن مضايقة المدافعات عن حقوق النساء واعتقالهن وسجنهن، بسبب احتجاجهن السلمي على القوانين المهينة والتمييزية التي تتعلق بارتداء الحجاب الإلزامي في إيران، وطالبت منظمة العفو السلطات الإيرانية بإطلاق سراح المحتجزات دون قيد أو شرط، وبعد أقل من 48 ساعة أعلنت أول ملاكمة إيرانية تفوز بنزال رسمي، أنها ألغت رحلة العودة إلى بلادها بسبب صدور مذكرة توقيف بحقها في طهران بحسب صحيفة "تلجراف" البريطانية.

صعود واضطهاد

صدف خادم ملاكمة إيرانية قوية، 24 عامًا، تمكنت من الفوز على نظيرتها الفرنسية آن شوفين في نزال أقيم بفرنسا منذ أسبوع، وذكرت متحدثة باسم الرياضية، أن السلطات الإيرانية أصدرت مذكرة اعتقال بحق الملاكمة، إضافة إلى منظم النزال، مهيار منشيبور، بسبب عدم مراعاة الزي الذي يوصف بالمحتشم.

وحرصت خادم على ارتداء قميص وسروال يحملان العلم الإيراني ويضم كلًا من ألوانه الخضراء والبيضاء والحمراء، لكن هذا لم يشفع لها لدى السلطات، وباتت الملاكمة تخشى أن تتعرض لمشاكل قضائية في بلدها لأنها لم تلتزم بما يفرض على النساء خلال المسابقات الرياضية.

زيف الملالي

ويرى متابعون أن إصدار مذكرة توقيف بحق بطلة رفعت راية البلاد، فقط لأنها ارتدت لباسًا عاديًا يزيح اللثام عن الوجه الحقيقي للنظام الإيراني، ويكشف زيف الجهود الرياضية والدبلوماسية لتلميعه. وبحسب تقرير منتدى الاقتصاد العالمي لسنة 2017، حلت إيران في المرتبة 140 من بين 144 دولة، في مؤشر الفوارق بين الجنسين.

وفي العام نفسه لم تشكل المرأة في إيران سوى 17 بالمئة من القوة العاملة في البلاد، وهو ما يؤدي إلى إهدار موارد بشرية مهمة، بحسب الخبراء، أيضًا تدرج منظمات حقوق الإنسان، إيران ضمن أكثر الدول التي تصادر حقوق المرأة في العالم، وتفرض طهران منذ ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية" قيودًا صارمة على هندام النساء.

حقوق معقدة

أكد أسامة الهتيمي الباحث في الشؤون الإيرانية أن إشكالية الحديث عن حقوق المرأة في إيران معقدة ومتداخلة لأقصى درجة ذلك أنه لا يمكن النظر إلي قضية حقوق المرأة دون النظر إلى المشهد السياسي العام والذي يعاني منذ نحو أربعين عامًا أزمة شديدة للغاية ومن ثم فإن عملية الفصل ستكون صعبة فالتهميش والإقصاء ومصادرة الحريات ليس مقصورًا فقط على المرأة الإيرانية وإنما يشمل أيضًا الرجال بل وكل الفئات والطوائف والعرقيات في البلاد حيث الحكم الشمولي لدولة الملالي.

ويقول الهتيمي في تصريحات خاصة لـ"رؤية" بحسب ظني فإن ثمة بعدين مهمين يظللان الحديث عن مشكلة حقوق المرأة الإيرانية أولهما يتعلق بمفهوم هذه الحقوق وفق المعايير العالمية والمعاهدات والاتفاقيات الدولية الخاصة بهذا الصدد ومدى مواءمة تلك المعايير مع قراءة قادة النظام الإيراني للقيم والتعاليم الدينية الإسلامية التي يدعون الاستناد إليها فضلًا عن عادات وتقاليد المجتمع الإيراني الموصوف بالمحافظ.

ولاشك أنه من الصعب جدًا تجاهل حزمة القوانين التي اعتمدتها إيران طيلة العقود الماضية فضلًا عما ترسخ في المجتمع من مفاهيم خاصة بحقوق المرأة وحرياتها ومن ثم فإن ذلك يلزم المكافحات والمناضلات من أجل انتزاع ما يعتبرنه حرية وحقوق نسائية أن يمارسن حقهن الذي كفله لهن الدستور عبر الوسائل والآليات القانونية حتى لو كان الطريق طويلًا وشاقًا خاصة وأن هؤلاء لا يمتلكن دليلًا على أنهن يعبرن بتصرفاتهن عن الأغلبية ومن ثم فإن دورهن الأكثر فاعلية هو نشر الوعي بما يطالبن به حتى لو قوبل ذلك من قبل لنظام رد فعل غير قانوني.

كذلك فإن الملاحظة الأهم في هذا الصدد هو تلك المخالفات والانتهاكات الجسمية بحق من تسلك مسلكًا غير قانوني في المطالبة بالحقوق إذ يشتمل القانون على إجراءات محددة لمحاسبة المخالفين وهو ما لا تتبعه المؤسسات الأمنية والقضائية الإيرانية الأمر الذي يمنح انطباعًا وصورة نهائية قبيحة بشأن طريقة تعاطي إيران مع النساء وهو ما شهدته به الكثير من الحوادث حيث القبض على الناشطات النسائية واعتقالهن دون مراعاة للإجراءات القانونية التي يجب أن تتبع في مثل هذه المواقف.

أما البعد الثاني فهو البون الشاسع في طريقة تعاطي السلطات الإيرانية مع أية تحركات مطالبة بحقوق المرأة حيث الشدة والقسوة في الوقت الذي تتسم فيه عملية التعاطي مع الفساد المنتشر بين المسؤولين السياسيين والعسكريين بحالة من التراخي وعدم الاهتمام بمحاسبة القائمين عليه رغم أن هذا الفساد هو أس البلاء الحقيقي الذي تعاني منه البلاد والذي كان سببًا رئيسًا ومباشرًا في تزايد معدلات الفقر والعوز التي تجتاح البلاد.

وعن أزمة الملاكمة الإيرانية التي ألغت رحلة عودتها إلى إيران بعد صدور مذكرة توقيف لها فأعتقد أن الموضوعية تقتضي عدم النظر إليها من زواية واحدة، إذ اعتقد أن الملاكمة الشابة وقبيل سفرها كانت تعلم جيدًا طبيعة قوانين بلادها وبالتالي فربما نظرت السلطات الإيرانية إلى سلوكها أنه بمثابة تحد لهذه القوانين فضلًا عن أنه استقواء بالعالم الغربي في توقيت يتزامن مع تصاعد الصراع بين إيران والغرب وعليه فإن إيران وفي خطوة استباقية والتأكيد على أنها لا تضعف أمام الضغوط الخارجية ولا حملات النقد المتواصلة قررت أن تصدر مذكرة التوقيف قبل عودة اللاعبة وقد كان بإمكانها أن لا تصدرها حتى عودتها وإلقاء القبض عليها وهو ما يعني أيضًا أنه ربما كان ذلك محاولة لإثنائها عن العودة وتفادي القبض عليها الأمر الذي كان ربما سيزيد من حملات النقد التي لا تطيق إيران تحملها في الوقت الحالي.

زي النساء الإيراني

ويقول يوسف بدر -الباحث في الشأن الإيراني- إن الملاکمة الإيرانية صدف خادم، ومدربها مهيار منشي بور، قد قررا بعد المباراة الأولى والفوز الرسمي لصدف خادم في فرنسا، عدم العودة إلى إيران، وذلك بعدما شعر مدربها باحتمالية تعرضهما للاعتقال في إيران، والسبب يرجع إلى أن صدف مثلت اسم إيران، ولكنها لم تلتزم بمعايير الزي الرسمي الذي تفرضه السلطات في إيران.

هذه الحادثة تعبر عن واقع يجب أن تتداركه السلطات في إيران، وهو أن القواعد القديمة كان لها من الآثار السلبية أكثر من إيجابياتها، فهناك هجرة عقول واسعة من إيران في ظل حكومة ولاية الفقيه إلى الخارج. وإيران في ظل هذا الحكم فقدت الكثير من أبنائها المميزين الفارين إلى الخارج.

وأضاف بدر -في تصريحات خاصة لـ"رؤية"- إن المجتمع الإيراني لم تعد تنفع معه آلة الدعاية الدينية؛ لأن السلطة الدينية حكمت بعدما كانت في المعارضة، وصارت الآن في مواجهة أخطائها التي ستؤدي إلى إسقاطها. وعلى رأس هذه الأخطاء وضع المرأة في إيران، وشعورها أنها رهن خطط الدولة وليست رهن طموحاتها ومتطلبات تطور المجتمع بشكل طبيعي. وهو أمر ينعكس بالسلب على كافة أوجه الحياة الاجتماعية، وعلى رأسها الأسرة، التي ستنتج أجيال رافضة للسلطة الحاكمة وستطيح بها.

انتهاكات متزايدة

ويرى محمد شعت، الباحث في الشؤون الإيرانية، أن انتهاكات إيران لحقوق الإنسان طالت جميع الفئات خاصة المرأة التي تتعرض لانتهاك حقوقها في جميع المجالات، والتعامل معها باعتبارها درجة ثانية وممنوعة من ممارسة حقوقها السياسية والثقافية والرياضية.

وإصدار مذكرة توقيف بحق الملاكمة الإيرانية بعد فوزها يكشف النظرة الدونية التي ينظرها النظام الإيراني للمرأة، وبدلًا من تكريمها لما حققته من نجاح ينسب للدولة يتم عقابها بهذه الصورة.

وأضاف -شعت في تصريحات خاصة- أن الأعداد المتزايدة لهجرة الشباب من إيران خاصة الفتيات يكشف إلى أي مدى وصلت انتهاكات حقوق الإنسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص.

مشيرًا إلى أن هناك العديد من الظواهر الاجتماعية في إيران التي تكشف الأوضاع المتردية التي وصل لها حال المرأة خاصة بعد انتشار ظاهرة كراتين الشوارع واضطرار النساء إلى بيع أطفالهن بسبب الحالة الاقتصادية وغيره الكثير من الانتهاكات بحق المرأة.



الكلمات الدلالية صدف خادم حقوق المرأة في إيران

اضف تعليق