«رمضان المسيحي».. جنة أثينا قبل جحيم اليورو


٠٣ أبريل ٢٠١٧ - ٠٣:١٣ م بتوقيت جرينيتش

رؤية- شيرين صبحي
كانوا مجموعة من أبناء البلد البعيد أسيوط، ولدتهم أمهاتهم فقراء، لكنهم عاشوا يحاولون الاستمتاع بالحياة، يعملون في أي شيء، ويحكمون على من يأكل المكرونة ويرتدي الفانلات نصف كم بأنه يجلب العار لأهله! انتصارات وهزائم عاشها هؤلاء الذين سافروا في أواخر السبعينيات إلى أوروبا، وتحديدا اليونان، ففتنتهم أثينا وبناتها بأجسادهن التي خلقت من نور.
يصل الطلاب أثينا مع أستاذ جامعة نصاب، 50 شابا ينزلون ميدان أمونيا ويتدفقون إلى ميدان "سي دغما" سيرا على الأقدام، تتخشب ملامحهم ويصيبهم الصداع الجماعي وتعجز عيونهم عن ملاحقة فتيات سمراوات تتبعهن شقراوات، وهيفاء القوام مع زنجية ساحرة، سيقان طويلة وجميلة وملابس شفافة مغرية.
لكن أثينا لم تكن فقط فتيات جميلات، هناك أيضا مرارة كانوا يتجرعونها، تتكرر كثيرا في التليفزيون اليوناني، وتشعرهم بالغضب.. "وسط عدسات التليفزيون، تناول القربان؛ ليولد على الهواء مباشرة مسيحيا من جديد، وبعد مراسم تغطيسه وتعميده، انحنى خاضعا، ولما نهض رسم البطرك علامة التثليث على صدره، وأعلنت المذيعة في وقار وهي تتابع طقوس الكنيسة البطيئة: رمضان تذوق قطعة صغيرة ورقيقة من الخبز (البرشان) مغموسة في القليل من الخمر الذي يمثل دم المسيح، ورمضان صار الآن واحدا من أبناء الكنيسة، مسيحيا، تعمد ببيت الرب، وتناول القربان المقدس، ونال بركة "سر الأفخارستيا" وحرصا على حياته، صار في حماية اليونان، ولاجئا سياسيا؛ لأن -الهمج- قد يقتلونه كأحد المرتدين".
الفرق هذه المرة أنهم يعرفون رمضان، ذلك الأمي الذي يقول أنه مسلم وأن الدين في القلب. عندما صرخ أحدهم في وجهه "عملت كدا ليه وأغضبت ربنا عليك"، قال: "دين ربنا قال فيه جنة وفيه نار، الجنة نسوان وماتيلدا وويسكي ومارلبورو وفراخ وخوخ، والنار هناك في الأوضة الحر وأمي الزهقانة وريحة البول ومراتي والأربع عيال وبوابير الجاز والفول والسجاير الفرط والموت في خنق الأتوبيس".
حديث الأديان
"رمضان المسيحي" هي العمل الروائي الأول للكاتب الصحفي عادل سعد، الصادرة حديثا عن روايات الهلال في 124 صفحة من القطع المتوسط. لكن سعد يأخذنا بعنوان خادع، فلا بطل الرواية هو رمضان الذي تنصر، بل يأتي في أربعة مشاهد على الأكثر، الرواية ليست عن التنصير في أوروبا، بل هي رحلة المؤلف في بلاد اليونان عندما كان لا يزال طالبا. 
لكنه مع هذا يخبرنا برأيه في مسألة الدين التي أصبحت هاجس معظم المصريين بعد أن فتح علينا السادات أبواب الجحيم بسماحه للإسلاميين أن يعيثوا في الأرض فسادا، فيقول على لسان أحد شخصيات روايته: لماذا يعتبر المسلمون أن دينهم بوابة من يدخل فيها لا يخرج منها؟
قال عصام: المسلمون الهمج هم أصحاب الديانة الوحيدة التي حافظت على أصحاب الديانات الأخرى كاليهود والمسيحيين، وأوصت بحسن التعامل معهم، حدث هذا بينما كانت المذابح في إسبانيا على أشدها عقب انحسار الجيوش العربية بالاحتلال التركي، وأجبروا السكان الموريسكيين بمحاكم التفتيش والإعدام على التنصير. الحكام العرب المسلمون كانوا قادرين على أن يفعلوها، ويحدث تطهير عرقي في المنطقة العربية، على الأقل قوتهم كانت تسمح لكن دينهم يمنعهم.
قال أحمد: حدث هذا التطهير العرقي في الجزيرة، أين نصارى نجران ويهود خيبر والمدينة؟ هل تبخروا؟ أجبروهم على الهجرة أو أسلموا بحد السيف، ومعظم الموجودين في مصر من المسلمين من أصول مهاجرة مغاربة وسودانيين وشوام ومن الحجاز، وطغوا على المسيحيين أصحاب البلد.
عم فراج: أنت بتقول كلام فارغ، أنا نوبي وجدي اسمه بطرس، النوبيون كلهم بلا استثناء كانوا نصارى، وهم من السكان الأصليين، وكلهم دخلوا الإسلام مرة واحدة، ولن تجد نوبيا مسيحيا، حدث هذا في وقت متأخر جدا في أيام صلاح الدين، هؤلاء دليل واضح على أن الأغلبية المسلمة من المصريين نصارى آمنوا بالإسلام".
أحمد: إحنا هنفضل متخلفين، مفروض ما حدش يسأل حد عن حكاية الدين دي خالص.. في مصر العيال بالذقون يكبّروا لأن واحد مسيحي أسلم، وهنا بيهللوا عشان مسلم اتنصر، والاتنين أولاد كلب!
البلاد الفاتنة
في البلاد التي يعشق أهلها الحياة، نشاهد الأكروبول، ميداني أمونيا وسى دغما، بيوت الدعارة وشواطيء باليو فاليرون، جبل بلاكا، ودفء بيوت كاليثيا، وأيام تزيزيفيز، ونرى شخصيات كازانتزاكس وزوربا وكفافيس الشاعر اليوناني السكندري.
سحر اليونان يفتن الجميع بمن فيهم الشيخ عيسى الذي كان يرفض دخول السينما لأنها تعرض مشاهد عارية، فتنته فتيات اليونان ولم يعد ينصح أصدقاءه بالصلاة.
يعمل المؤلف في أكثر من مكان ويقابل أشخاصا كانوا يعيشون يوما في مصر ومازالوا يحبونها ويذكرونها. تطل علينا الخالة "تولا" المرأة العجوز القصيرة الماكرة التي يسكن عندها الطلبة، فتحبهم ويحبونها، وفوق حديقتهم تطل من النافذة غزالة يونانية تسمى "سولا" عمرها 15 عاما، أحبها المؤلف فلم ينقطعا عن المراسلة، وشجع من أجل عيونها أوليمبياكوس واستمع إلى ساغاباو ماكوس.
أنين اليونان
يرحل الطالب من أثينا مودعا تولا وسولا، ليعود بعد ربع قرن، ليقابل بائع لفائف اللحم مع البيرة كرياكوس الوحيد الباقي من ميدان أمونيا، الذي ظل يعمل لأنه لو توقف لن يجد الطعام، ينحني على الطاولات يمسحها في مدينة كانت لا تعرف جائعا.
أصبح الطالب صحفيا، ذهب يبحث عن شقيقه الضائع في اليونان، فعقب عودته سافر أشقاءه الثلاثة لأثينا، ورجع اثنين وتخلف الأصغر. كان وسيما وقرر البقاء هناك واشترى شقة تمليك ومصنعا للدباغة وانقطعت أخباره تماما، وهو ما جعل والده يتهمه بأنه من فتح الطريق لضياعه. 
عاد الصحفي مرة أخرى بعد ثلاثة سنوات، كانت شوارع سوق مونستراكي خالية، لم تعد هناك دراخما، كانت الأسعار في اليونان ثلاثة أضعاف ألمانيا، والمدينة تئن تحت وطأة اليورو.
وكأنها مرثية لليونان يكتبها عادل سعد، فيربت بها على كتف أثينا، يطبع قبلة على جبينها، يخبرها كم هي جميلة.. "دمرت بلاكا، كان بيت أورانيا من دور واحد وتنساب من سور حديقته الصغيرة روائح شجرة الياسمين الوحيدة، ويسهرون في الصيف على سطحه للاستمتاع بالهواء الجميل، وأثينا تحت البيوت تتلألأ من بعيد. نسفت السنين معالم المكان، وصعدت يائسا، وفوجئت بأن "فلاخوس" مطعم الفلاحين مازال منتصبا. توقفت في مواجهته، ولم يكن هناك أثر لبيت أورانيا".
"في الساعات الأخيرة تذكرت خالتي تولا. نزلت كاليثيا، وتجولت وحيدا، بالقرب من السينما والشارع التجاري. وكانت تزيزيفيز على بعد محطتين، وتذكرت ملامحها جيدا. كانت لا تبكي أبدا، لكنها احتضنتني باكية، وقلت لها أنني سأرجع، لأسأل عنها، وكنت أعرف أنني لا أكذب، وها أنا ذا أفعل، وأسأل عنها. كنت خائفا أن أعرف أنها ماتت، تركتها وعمرها سبعون عاما، ومضى ثلاثون سنة، وكنت أراها من بعيد، في ذلك المكان، مازالت هناك، خالتي تولا".


اضف تعليق