منها خط بارليف.. تعرف على الأسباب العسكرية لهزيمة إسرائيل فى حرب أكتوبر


١٥ أبريل ٢٠١٧ - ٠١:٤١ م بتوقيت جرينيتش

 
 أحمد الباز

يقول روبرت غرين -في كتابه 33 استراتيجية للحرب- إن العنصرين الجوهريين في الحرب هما السرعة والتكيف، وأنه من الضروري أن تبنى صيتًا عن نفسك بأنك مجنون بعض الشيء، لأن انعدام اليقين أفضل من التهديد المُعلن، فإذا لم يكن أعداؤك متأكدين ما الذي سيكلفهم جراء العبث معك، فلن يرغبوا باكتشاف ذلك، وأثناء تقاعسهم عن الاكتشاف، قُم بهجومك المباغت، فتنتصر.
يسعى هذا التقرير إلى الاهتمام بالأسباب العسكرية التي أدت إلى هزيمة إسرائيل في حرب أكتوبر 1973، وليس الأسباب التي أدت إلى انتصار مصر، باعتبار أن أسباب الهزيمة تختلف عن أسباب النصر، وبالتالي الرسائل والدروس المستفادة.
 اعتمد هذا التقرير على العديد من القراءات والمعلومات الواردة في أعمال جاءت ضمن التاريخ الإسرائيلي لحرب أكتوبر، أو بعض ما ورد في تحقيقات لجنة "جرانت" لتقصي الحقائق التي تم تشكيلها عقب انتهاء الحرب.

النتائج العكسية لاتساع العمق الإسرائيلي بعد حرب 1967

بعد حرب 1967 احتلت إسرائيل مساحة تبلغ 3 أضعاف مساحتها، فقبل هذا التاريخ كانت إسرائيل تمتلك ميزة هامة وهي سرعة التحرك والانتشار الفوري والاستجابة بسبب قرب مواقع العمليات من بعضها البعض، وكذلك سرعة وصول قوات الاحتياط الى مناطق القتال المحددة على وجه السرعة، إضافة إلى سيولة التواصل بين تل أبيب والجبهة، حيث كانت مساحة التحرك تتم في نطاق 12 ميلا فقط، وذلك قبل عام 1967.
 لكن اتساع هذه المسافة لنحو 3 أضعاف قد جعل التحرك والانتشار يمر بالعديد من المراحل الاستهلاكية، ونقاط تأكيد الحركة، الأمر الذي تسبب في تعاظم البيروقراطية العسكرية التي من شأنها أن تقوض مرونة الانتشار. 

دور عنصر المفاجأة في انهيار خطة الدفاع الإسرائيلية

وضعت إسرائيل خطة لصد هجوم القوات المصرية، والتي عرفت بخطة الدفاع "دوفكوت" أي (حجرة الحمائم). وقد هدفت هذه الخطة لتشكيل خط دفاع على الجبهة الجنوبية (سيناء) عبر تشكيل يتكون من لواء مشاة، وقفت خلفه فرقة مدرعة على مسافة 50 ميلًا إلى الوراء. 
 استند عمل هذه الخطة على أنها سوف تمتلك الوقت الكافي للإنذار من أجل تمكين الدبابات من التحرك للأمام لحماية النقاط الستة عشر على طول خط بارليف، ويساندها في ذلك سلاح الجو الذي سيتم استدعاؤه، إلى أن يتم استدعاء قوات الاحتياط لبدء الهجوم المضاد.
افترض واضعوا هذه الخطة أنها ستحتاج 48 ساعة لتنفيذها. إلا أن الهجوم المصري المفاجئ قد أفقد هذه الخطة قدرتها على التعامل، فعلى الرغم من أن المعلومات التي وصلت لتل أبيب قد أكدت أن المصريين سيقومون بالهجوم في تمام السادسة مساء يوم السادس من أكتوبر، إلا أنه لم يكن وقتًا كافيًا أيضًا لجعل خطة " دوفكوت" جاهزة للتنفيذ، فما بالنا أن الهجوم المصري قد بدأ فعليًا الساعة الثانية ظهرًا وليس السادسة مساءً، ومع بدء التقدم غير المنظم للدبابات الإسرائيلية نحو القناة، كانت قد اصطدمت بوابل من الصواريخ المصرية المضادة للدبابات.
ومع الانتهاء من تركيب الجسور الأربعة عشر، بدأت القوات المصرية في العبور بطول القناة بخمس فرق مشاة ومئات الدبابات التي صعب على الجانب الإسرائيلي حصرها إلا بعد نحو 24 ساعة من بدء الهجوم.

الجسور السوفيتية غير صالحة للاستخدام الإسرائيلي

كان من ضمن الاقتراحات التي تم عرضها في مقر القيادة الإسرائيلية بتل أبيب العمل على استخدام الجسور المصرية أثناء البدء في الهجوم المضاد يوم الثامن من أكتوبر، مع أهمية تدمير عدد منها، باعتبار أن القوات الإسرائيلية لا تحتاج العبور نحو كل النقاط التي عبرت منها القوات المصرية.
 وبالفعل كانت رسالة من قائد سلاح الجو الإسرائيلي قد وصلت إلى مقر القيادة تؤكد تدمير 7 جسور مصرية، الأمر الذي تسبب حينها في حالة من الارتياح والفرح، حيث كان الإسرائيليون في حاجة ماسة لتحسس أي انتصار مهما كان ضئيلًا، إلا أن صاعقة نزلت من السماء على رأس الجنرالات المجتمعين في مقر القيادة، بخصوص الرأي الفني بأن الجسور السوفيتية التي استخدمها المصريون قد صُممت لحمل الدبابات السوفيتية الخفيفة، وليس الدبابات الأمريكية الثقيلة التي استخدمها الإسرائيليون، وبناء على هذه المعلومة تحتم تغيير نقاط في خطة الهجوم المضاد. 

الإسرائيليون يحاربون السوفييت وليس المصريين

نظرًا لاعتماد القوات المسلحة المصرية بشكل موسع على الدعم السوفيتي العسكري لسنوات طويلة قبل حرب أكتوبر 1973، فقد ظنت القيادة الإسرائيلية أنها على علم بخطط المصريين وتكتيكاتهم العسكرية التي يستخدمونها والتي سيستخدمونها، وبناء على ذلك فقد تم وضع الكثير من تحركات القوات الإسرائيلية على أساس أنها تواجه السوفييت وليس المصريين.
وعلى سبيل المثال، فقد افتقر القادة الإسرائيليون إلى فكرة واضحة عن مواقع المصريين، نظرًا لنقص وحدات الاستطلاع المقابلة للجبهة المصرية، الأمر الذي دفع هؤلاء القادة للافتراض أنهم يواجهون السوفييت وليس المصريين، حيث استندت الخطة على التخمين حول المكان الذي كان المصريون سيكونون به لو علموا حسب " العقيدة السوفيتية"، حيث تمثل الاعتقاد بناء على ذلك بأن المصريين قد بلغوا خطًا على مسافة سبعة إلى ثمانية أميال شرقي القناة، بدلًا من ثلاثة إلى أربعة أميال، وهو الأمر الذي لم يحدث بطبيعة الحال، حيث كثفت القيادة المصرية الدفع بقوات المشاة المُسلحة بأسلحة مضادة للدبابات في نطاقات أضيق مما تصور الإسرائيليون، ومع اتساع طول الجبهة التي افترضها الجانب الإسرائيلي تحتم عليه توزيع قواته على مساحات أفقية أوسع، الأمر الذي وفر فرصة لقوات المشاة المصرية للقيام بمهام سريعة دون مواجهة التحام عنيف بالقوات الإسرائيلية.

فشل نظام القيادة المعروف بالسيطرة الاختيارية

ساهم انتصار الإسرائيليين في حرب حزيران يونيو 1967 في تنامي الشعور بالقوة والتأكيد الدائم على أن الجيش الإسرائيلي لا يُهزم، وقد تسبب هذا الشعور في وضع نُظم قيادة تميز بالغرور بعض الشيء والركون إلى تجارب قيادية ليس من المؤكد مدى فعاليتها، وكان من ضمن هذه التجارب نظام "السيطرة الاختيارية" وهو نظام صُمم لإتاحة الاستقلالية الأقصى إلى القادة الصغار، مع منح القيادات العليا خيار التدخل بأية لحظة. 
وعلى الرغم من ارتفاع كفاءة القادة الصغار في 1973 عما كان الوضع عليه في 1967، فإن غياب الثقة بين القيادات وتضارب آرائهم وصعوبة عمليات الاتصال قد جعل عمل هذا النظام صعبًا ومربكًا في كثير من الأحيان، وانتهى الأمر بضرورة انتظار القرارات بخصوص العمليات مهما كانت بساطتها من تل أبيب، الأمر الذي ترتب عليه خلل في التوجيه وإصدار القرارات الخاطئة، حيث أصبحت العمليات العسكرية رهن التنافس في إثبات صحة وجهة النظر.

 خط بارليف... قطعة من الجبن السويسري

"خط بارليف، يبدو كقطعة جين سويسري، به من الفتحات أكثر ما به من الجُبن"
هكذا تم توصيف البنية الفنية والعسكرية لخط بارليف، الذي ساهم في توفير الشعور بالأمان لدى الجنود الإسرائيليين، حيث بات هناك تصور بشأن حتمية فشل أي هجوم مصري أمام عظمة وإمكانيات هذا الخط.
في واقع الأمر، لم تحظ فكرة إنشاء خط بارليف بموافقة واسعة دخل القيادة الإسرائيلية، وكان الجنرال شارون واحدًا من أهم الجنرالات الذين رفضوا فكرة بناء هذا الخط، حيث أكد على أن الدفاع الأحسن عن سيناء يجب أن يتم بواسطة مزيج من الدوريات الأمامية والقبضات المدرعة الخلفية، وأن اللجوء الى خط بارليف إنما يعمل على تحويل القوات الإسرائيلية إلى قوات ثابتة وليست متحركة، وهو الأمر الذي سيعيق الحركة بشأن صد أي هجوم مصري.
ثبت أيضاَ أن معاقل خط بارليف التي افترض أن تكون عيون القيادة الاسرائيلية في سيناء كانت متباعدة عن بعضها كثيرًا، الأمر الذي جعل محطات المراقبة تُخفق في رصد وتقييم الهجوم المصري.

في تل أبيب... الارتباك سيد الموقف

يقول نابليون بونابرت: " جنرال واحد سيئ، أفضل من جنرالين جيدين"
 تسبب الهجوم المصري المفاجئ في إحداث حالة واسعة من الارتباك والتخبط خلال الأيام الأولى للحرب، سواء داخل مقر القيادة الإسرائيلية بتل أبيب، أو داخل مقرات قادة الجبهات في الميدان.
"الحفرة": هي مجمع قيادي يقع تحت الأرض في مبنى الأركان العامة بتل أبيب، لذا عُرف هذا المقر بالحفرة.
كان قد تم استدعاء العديد من الجنرالات المتقاعدين للحفرة، أو بمعنى آخر أبطال حرب 1967 لعلهم يستطيعون القيام بما من شأنه تحويل دفة الأمور لصالح القوات الإسرائيلية، إلا أن هذا الاستدعاء الموسع قد ارتد سلبًا على سلاسة عمل القيادة واتخاذ القرارات، حيث شعر كل جنرال من هؤلاء الجنرالات المتقاعدين أنه من الضروري أن يقوم بإبداء رأيه باستمرار خشية ألا يظهر في الصورة، حتى لو لم تستدعي الحاجة.
كانت قيادة الأركان قد تقدمت بخطة في يوم 7 أكتوبر بخصوص ترتيبات الهجوم المضاد، والتي اشتملت على ثلاث خيارات؛ الأول يقتضي بإطلاق هجوم مضاد محدود من قبل فرقة واحدة، والثاني جاء عبر موشى ديان وهو الانسحاب، أما الثالث فهو القيام بهجوم مضاد بفرقتين على جبهة سيناء وجبهة الجولان.

حظي المقترح الثالث بشأن القيام بهجومين مضادين في سيناء والجولان يوم 8 أكتوبر بموافقة الحكومة، وبذلك خروج واضح عن عقيدة الجيش الإسرائيلي، الذي اعتقد دومًا باستحالة تنظيم هجومين رئيسيين ضد خصمين في آن واحد، وكان ذلك الخروج عن العقيدة مرتبطًا بحالة الارتباك الواضحة في صفوف القيادة والرغبة الملحة في تحقيق أي انتصار مهما كان ضئيلًا.
تسبب الاستعجال في تحقيق أي انتصار في أن تعرضت قوات الهجوم المضاد في يومي 8 و9 أكتوبر إلى خسائر جسيمة، خصوصًا أفواج الدبابات، حيث أطلق موشى ديان نظرية "العصفورة" والتي تعني أن القوات المصرية ستتشتت كالعصافير عند سماعها لدوي انفجارات متوالية ودائمة، وهو ما يمكن بواسطته تفسير السبب الذي جعل القيادة الإسرائيلية تدفع بفرقة دبابات واحدة غير منظمة دون استطلاع مسبق في ظل غياب الدعم الجوي والمدفعي.

قاعدة | اعرف كيف تنهى المسائل، فالنهايات غير المكتملة أو الفوضوية يظل يتردد صداها لسنوات. يقوم فن إنهاء المسائل أو استراتيجية الخروج على معرفة متى تتوقف. إن ذروة الحكمة الاستراتيجية هى أن تتجنب جميع النزاعات التى لا مخارج واقعية لها.



التعليقات

  1. '''' ١٥ أبريل ٢٠١٧ - ٠١:٥٣ م

    جدًا رائع ،

  2. محمد الباز ١٧ أبريل ٢٠١٧ - ٠٢:١٨ م

    أكثر من رائع وينظر إلي الموضوع من إتجاه معاكس تماماً لكل من تحدث عن أكتوبر من خلال النصر فقط ولم ينظر لأسباب الهزيمه

  3. محمد الباز ١٧ أبريل ٢٠١٧ - ٠٢:١٨ م

    أكثر من رائع وينظر إلي الموضوع من إتجاه معاكس تماماً لكل من تحدث عن أكتوبر من خلال النصر فقط ولم ينظر لأسباب الهزيمه

  4. محمد الباز ٠٣ أكتوبر ٢٠١٧ - ١٠:٣٩ ص

    أكثر من رائع

اضف تعليق