"صانعات التبغ" وسحر السيجارة من أنامل النساء


٢٣ أبريل ٢٠١٧ - ٠٧:٥٦ ص بتوقيت جرينيتش

علياء عصام الدين

تعد لوحة «صانعات التبغ» إحدى أشهر أعمال الرسام غونثالو بيلباو.

تصور اللوحة أول مصنع للتبغ تم افتتاحه في مدينة اشبيلية – التي أضحت مركزًا لتجارة التبغ فيما بعد- وجد المصنع قبل رسم اللوحة بحوالي قرنين من الزمان، واللوحة بمثابة تحية تقدير للمرأة العاملة، وقد تم اختيار اللوحة لتظهر في فيلم «كارمن» المأخوذ عن أوبرا الفرنسي جورج بيزيه.

اشتهرت مدن إسبانيا كالأندلس وبلنسية ومدريد واستورياس وغيرها في القرنين الثامن والتاسع عشر بعمل النساء في مصانع التبغ وكانت هذه الظاهرة محط اهتمام كثير من المبدعين.

تمكن بيلباو من نقل الصورة الواقعية للعمل داخل المصنع والأجواء النسائية التي عمت المكان، حيث صور نساء يقمن بإرضاع أطفالهم وسط ابتسامات الزملاء بينما تابعت النساء الأخريات أعمالهن بشكل روتيني.

ونجح الفنان من نقل تفاصيل اللوحة من خلال اللعب بالألوان فالضوء يغمر اللوحة من الداخل فيظهر تفاصيل الممرات وممارسات النساء .

اهتم بيلباو أيضًا بتفاصيل ملابس النساء المطرزة وتسريحات شعرهن كما ركز على نظرات الحنان والأمومة التي انعكست على الوجوه ففاضت اللوحة بمشاعر الحرية والقناعة والسعادة.

لوحة صانعات التبغ من وحي الواقع فقد كان مصنع التبغ في اشبيلية هو أوّل مصنع يوظّف النساء بدءا من العام 1730م. وكنّ يعملن ابتداءً من سنّ 13 عامًا وكان مسموحا للعاملات بإحضار أطفالهنّ معهنّ لإرضاعهم ورعايتهم أثناء الاستراحة.

وظف المصنع أكثر من 6 آلاف امرأة برواتب زهيدة للغاية وبعد برهة من الوقت تم تغيير اسم المصنع إلى «كارمن» وهو اسم أشهر ماركة سجائر انتجها المصنع واسم بطلة الأوبرا وهي فتاة غجرية متحررة جميلة تفتن الرجال. 

وقد استلهم بيزيه مسرحيته الغنائية ايضًا من آلاف النساء العاملات اللاتي رآهنّ يعملن في المصنع.

في تلك الفترة كانت الأسطورة الرائجة أن تدخين سيجارة صنعتها «امرأة» يمكن أن يتسبّب في إثارة الرجل جنسيّا.

 وتعد هذه اللوحة واحدة من سلسلة لوحات خصصها بيلباو لصناعة التبغ في اشبيليه وتعكس اللوحة اهتمامه واحترامه للطبقة العاملة التي تسهم في نهوض المجتمع.

ومع دخول الآلة مجال التصنيع بدأ الناس يفقدون شيئًا فشيئًا هذه التفاصيل لأولئك النساء بملابسهم الزاهية وأزهارهن والذي عكس بدوره تحولًا في الثقافة.

في بداية 2003 أعلن مصنع كارمن عن إغلاق أبوابه بسبب انخفاض مبيعاته وبهذا انهى حقبة ثقافية واجتماعية في تاريخ إسبانيا دامت أكثر من مائتي عام.






اضف تعليق