كفافيس.. أينما نظرت حولي رأيت خرائب سوداء!


٢٩ أبريل ٢٠١٧ - ١١:١٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية- شيرين صبحي

"قلت: سأذهب إلى أرض أخرى، سأذهب إلى بحر آخر، مدينة أخرى ستوجد أفضل من هذه، كل محاولاتي مقضي عليها بالفشل، وقلبي مدفون كالميت، إلى متى سيبقى فكري حزينا ؟ أينما جلت بعيني، أينما نظرت حولي ، رأيت خرائب سوداء من حياتي، حيث العديد من السنين، قضيت وهدمت وبددت، لن تجد بلدانا ولا بحور أخرى، ستلاحقك المدينة وستهيم في الشوارع ذاتها، وستدركك الشيخوخة في هذه الأحياء بعينها، وفي البيوت ذاتها، سيدب الشيب إلى رأسك، ستصل على الدوام إلى هذه المدينة، لا تأمل في بقاع أخرى، ما من سفين من أجلك، وما من سبيل، ومادمت قد خربت حياتك هنا، في هذا الركن الصغير، فهي خراب أينما كنت في الوجود"..

اختار قسطنطين بيتروس كفافيس أحد أعظم شعراء اليونان المعاصرين، أن يكون مقامه فى أحياء مدينة عريقة عرفت طوال تاريخها أنها ملتقى الحضارات، وجعل مدينة الاسكندرية تحتل بشخوصها وحياتها اليومية مكانة الفردوس، واستطاع بثقافته وطريقة حياته أن يصل الشرق بالغرب.

في مثل هذا اليوم 29 أبريل من عام 1863 انطلقت صرخات الطفل قسطنطين بيتروس كفافيس معلنا خروجه للحياة. كان حفيدا لتاجر ألماس يونانى، بينما كان أبوه رجل أعمال وأمه من الطبقة الارستقراطية.

جاء كفافيس ليصبح الابن التاسع لوالديه، بعد اخت تسمى " هيلينى " ماتت وهي صغيرة، ولأنها كانت وحيدة بناتها حاولت أمه أن تعوض خسارتها بمعاملة كفافيس كبنت وتلبسه ملابس البنات وتمشط له شعره وكانت قليلاً ما تفارقه ويفسر البعض بهذا كونه خجولاً ومنطوياً وقليل الاعتماد على نفسه.

نال شهادة دبلوم التجارة وعمل كسمسار وموظف. وبعد ما توفيت أمه التي كان يحبها عام 1899 توفى أكبر إخوته جورج عام 1900 وأخواته أريستيديس عام 1902 وألكسندر الذي كان أحب إخوانه إليه عام 1903 وجون عام 1923 وبول عام 1920.

في التاسعة عشرة من عمره بدأ شيطان الشعر يراود كفافيس فكتب أولى قصائده، وبعد 22 عاما كاملة في عام 1904 نشر أول مجموعة مطبوعة من أشعاره وكان يبلغ 41 عاما من عمره ، والتي تكونت من أربعة عشرة قصيدة.

بعد ستة أعوام أخرى وفي عام 1910 نشر ثاني مجموعاته التي كانت عبارة عن الأربعة عشرة قصيدة الأولى بالإضافة إلى إثنا عشرة قصيدة جديدة، ونشرت له مجلة " الحياة الجديدة " قصائد من عام 1908 حتى عام 1918 ومع مرور الوقت تجاوزت شهرته الأسكندرية ووصلت للأفاق العالمية.




من قصيدته "في مدينة أوسرويني" نقرأ:
أّحْضّروا صديقنا ريمون
في وقت متأخر الليلة الماضية،
مصابا بجروح إثر مشادة في البار
من خلال النافذة الواسطة المفتوحة
أضاءّ القمر جسده الجميل وهو على السرير،
كنٌا بجواره.. خليطا من الأصدقاء:
سوريين، يونانيين، أرمن
وكان ريمون واحدا منا
الليلة الماضية، بينما كان القمر يضيء وجهه الشهواني،
فكرنا في خارميديس، حبيب أفلاطون.

كان كفافيس ممن وقعوا أسرى غواية مدينة الإسكندرية وتأثروا بسحرها، وقد عاش فيها حتى قضى نحبه عندما أصيب سرطان الحنجرة وأجريت له جراحة وأسفرت عن فقدانه الكامل لصوته، وقضى الأشهر الأخيرة من حياته فى المستشفى اليونانى بالإسكندرية إلى أن رحل فى أبريل ١٩٣٣.

في قصيدة "إيثاكا" يقول كفافيس:
عندما تعد الشراع لإيثاكا،
سترغب في أن تكون الطريق طويلة، مليئة بالمغامرات، مليئة بالمعرفة.
انك لن تجد مثل هذا في طريقك، لذا يجب أن تبقى أفكارك وروحك شامخة، وتطرق القلب عن طريق العاطفة الجميلة.
وان كنت لا تحمل لهم داخل روحك شيء، إذا لا مكان لهم في روحك من قبل.
الرغبة في أن تكون الطريق طويلة في الصيف ليكون هناك الكثير من المتعة والفرح.
سوف تدخل موانئ شهدتها للمرة الأولى ؛
وستقف في الأسواق الفينيقية، وستشتري السلع الجميلة، الصدف والمرجان والعنبر وخشب الأبنوس، والروائح ذات الرائحة الرائعة من جميع الأنواع،
يجب أن تذهب إلى العديد من المدن الليبية، حيث يمكنك أن تجد هناك السلع الأكثر جمالا،
للمعرفة والتعلم منها.
احتفظ بإيثاكا في ذهنك.
للوصول هناك إلى وجهتك النهائية.
ولكن لا تهمنا الرحلة على الإطلاق.
فهناك أفضل من ذلك لسنوات عديدة في الماضي، عندما كنا نستريح في الجزيرة الغنية بجميع ما كنت قد اكتسبته في الطريق،
لا تتوقع أن تقدم لك إيثاكا الثروات.
وقد استمتعت رحلة جميلة من إيثاكا.
لا شيء أخر لتعطيك.
أصبحت لك الحكمة مع الكثير من الخبرة،
يجب أنك بالفعل فهمت ما يعني إيثاكا

قصيدة في انتظار البرابرة

لماذا ننتظر كلنا، هنا في الميدان؟
لأن البرابرةّ يصلون اليوم.
لماذا لا يحدث شيء ج في مجلس الشيوخ؟
كيف يجلس الشيوخ ولكنهم لا يسنون القوانين؟
لأن البرابرة يأتون اليوم.
فما معني أن يسنّ الشيوخ القوانينّ الآن؟
عندما يأتي البرابرة، سوف يضعون القوانين.
لماذا صحا الإمبراطوْر مبكرا اليوم؟
ولماذا يجلس على عرشه، مزينا بالتاج، عند البوابة الرئيسية؟
لأن البرابرة يصلون اليوم
والإمبراطور ينتظر ليرحب بقائدهم،
وقد جهز كل شيء ليقدم له شهادة فخرية، مليئة بالألقاب والأسماء الهامة.
لماذا ظهر قناصلنا وحكامنا اليوم
في مسوحهم الحمراء الموشاة؟
لماذا لبسوا أساور مرصعة بالجواهر، وخواتم.
من الزمرد البراق؟
ولماذا يمسكون فرحِين بالعصي
المشغولة بالفضة والذهب؟
لأن البرابرة يصلون اليوم
ومثل هذه العصي تخلب لّبٌّ البرابرة
أين خطباؤنا المفوهون
ليلقوا خطبهم مثل كل يوم؟
لأن البرابرة يأتون اليوم
وهم يملٌونّ الخطب وتضجرهم البلاغة
لماذا هذا الفزع والقلق الآن؟
(ترتسم علامات الجّدِ على وجوه الناس)
لماذا تقفر الميادين؟
لماذا يعود الجميع إلى بيوتهم
وقد استبد بهم الغم؟
لأن الليل قد أقبل ولم يأت البرابرة
ووصل بعض جنود الحدود وقالوا
انه ما عاد للبرابرة من وجود.
والآن؟ وبدون البرابرة، ما الذي سيحدث لنا؟
هؤلاء البرابرة كانوا حلا من الحلول.
   


الكلمات الدلالية كفافيس

اضف تعليق