هل تصبح الصين رائدة الطاقة النظيفة في العالم؟


٣٠ أبريل ٢٠١٧ - ٠٦:٤٢ م بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

قبل سنوات قليلة، كان المناهضون للطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح تحديداً)، يزعمون أن مساهمة هذه الطاقة في إنتاج الكهرباء على الصعيد العالمي لا تتجاوز نسبة 5 %، وأنه من غير الممكن الاعتماد على أكثر من 10-15 % من الطاقة المتجددة في خليط الطاقة.

حتى عام 2010، كانت مساهمة الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء عالميا لا يتجاوز 5%، لكن بنهاية  عام 2014 شكلت الطاقة المتجددة 22.8 % من إجمالي الكهرباء المنتجة عالميا، حسب التقرير العالمي للطاقة المتجددة 2015، لكن المؤشر الأهم هو نسبة مساهمة الطاقة المتجددة ضمن مجمل مصادر الطاقة الإضافية التي تدخلها الدول في خليط الطاقة لإنتاج الكهرباء سنوياً، إلى نسبة مساهمة الطاقة الأحفورية التقليدية الأدنى تكلفة.

وبحلول عام 2015، أصبحت الصين تمتلك ثلث حصة السوق العالمية من الطاقة المائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية، واستثمر القطاع الخاص الصيني نحو 32 مليار دولار عام 2016 في مشاريع الطاقة النظيفة الدولية، بافضافة إلى 102.9 مليارات دولار استثمرتها الحكومة في الطاقة المتجددة محليا، وانتشرت استثمارات عديدة للصين في مجال الطاقة النظيفة بالدول النامية الرئيسية مثل البرازيل ومصر وفيتنام وكينيا.

ويخلق الاستثمار في الطاقة النظيفة محليا فرصا للصين لتوسيع نطاق تسويق منتجات مثل الألواح الشمسية في الخارج، بحسب جنيفر ل. تيرنر، مديرة المنتدى البيئي الصيني لمركز ويلسون، التي تقول :" يبدو أن الصين مستعدة لتجاوز الولايات المتحدة في قيادة الابتكار في مجال الطاقة النظيفة والجهود المبذولة للتخفيف من آثار تغير المناخ، ولكن بكين تواجه تحديات داخلية لإصلاح الطاقة".

وعقدت الحكومة الصينية  العزم على استثمار أموال كبيرة في الطاقة المتجددة، حيث تنوي إنفاق ما لا يقل عن 360 مليار دولار حتى عام 2020، في تطوير مصادر الطاقة المتجددة. ويرى المحللون أن نجاح الصين مرهون بمقدرتها على تجاوز العقبات السياسية والعملية على حد سواء، بما في ذلك مقاومة الحكومات المحلية للطاقة المتجددة، وعدم توافر التوربينات بالقرب من المدن الكبيرة.

بالمقارنة يتمتع قطاع الفحم، وهو واحد من المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي في العديد من المحافظات، بتأثير كبير في الصين. وفي حين التزمت الحكومة خفض انتشار المحطات العاملة بالفحم، كجزء من خطتها في أن تشكل الطاقة المتجددة 20% من مزيج الطاقة بحلول 2030، استمرت في إضافتها في مناطق أخرى حول الدولة.

وأجرى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي حوارا مع جنيفر ل. تيرنر، مديرة المنتدى البيئي الصيني لمركز ويلسون، لبحث تطورات عمل الصين في مجال الطاقة النظيفة..

لماذا ترتفع استثمارات الطاقة النظيفة في الصين؟
تعود هذه الزيادة إلى عاملين أساسيين، الأول هو تلوث الهواء، وهو ما بات مشكلة جلية في الآونة الأخيرة، وتحاول الصين تطوير المزيد من البدائل للفحم، حتى قبل التوقيع على اتفاق باريس عام 2015، ومنذ ذلك الوقت، كان هناك وعي متزايد بأن الاستثمار في تنمية الطاقة النظيفة محليا سيفتح المزيد من الفرص للصين لتوسيع نطاق تسويق هذه المنتجات عالميا، لذا ليس من المستغرب أن الصين قد استحوذت بالفعل على السوق العالمية للألواح الشمسية.

أما العامل الثاني فهو أمن الطاقة، ومن شأن تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في الطاقة النظيفة أن يكون مفتاحا لأمن الطاقة في الصين، وهو الأمر الذي يواجه العديد ممن التحديات، مثلا:

وأصدرت " Greenpeace" رسوما بيانية في وقت سابق من هذا العام، تظهر الحالةا لراهنة لطاقة الرياح المهدرة، وهناك حاجة ضرورية لإصلاح شبكة النقل وإصلاح سوق الكهرباء، كذلك توجد بعض المقاطعات التي لا ترغب في استيراد طاقة الرياح، ولازالت تعطي أولوية للمحطات التي تعمل بالفحم، والتي من شانها جني أرباح أكبر محليا.

وأدت المشاكل التقنية المحلية في دمج مصادر الطاقة المتجددو مع الشبكات المحلية في إبطاء الاستخدام الفعلي لطاقة المتجددة، لكن مع ذلك تواصل الحكومة زيادة الاستثمار، وابتكار حلول جديدة، أحد الحلول كان إيجاد المزيد من الطرق لاستخدام الألواح الشمسية على أسطح المنازل بدلا من الاعتماد على المزارع الشمسية البعيدة، إلى جانب الجهود الجارية لتشجيع تطوير الطاقة الشمسية في المناطق الأفقر منا لصين، والتي يمكن أن تساهم في مواكبة الإفراط في إنتاج الألواح الشمسية.

كيف يمكن تحسين نوعية الهواء في المناطق الحضرية التي تعتمد اعتمادا كبيرا على طاقة الفحم؟
قامت خطة العمل على الحد من تلوث الهواء في الصين، وتعديلات قانون مكافحة ومنع تلوث الهواء بتسوية هذه المسالة في شرق الصين، حيث أبدى سكان تلك المنطقة الساحلية ذات الكثافة السكانية العالية رفضهم لإنشاء محطات للفحم بالقرب منهم.

وبالفعل تم تقليل إنتاج الفحم في الشرق، وكانت نتائج خفض استخدام الفحم في الصين مذهلة، حيث انخفض إنتاج الطاقة من الفحم للسنة الثالثة علىا لتوالي، وهو أمر مشجع أن نرى الطاقة التي تعتمد على الفحم تتراجع، لكن في كقابل ذلك كانت هناك صناعة أخرى معتمدة على الفحم ترتفع، حيث بدأ عدد كبير من المديريات المحلية والمحافظات في غرب الصين الغنية بالفحم بالاستثمار في صناعات تحويل الفحم المختلفة، بين عامي 2007- 2008، لأن تحويل الفحم إلى غاز ووقود سائل وكيماويات كان أكثر ربحا من طاقة الفحم الخام.

أما لماذا لم تفعل مدن غرب الصين مثل مدن الشرق، لأن المنطقة الغربية تلك تريد استخدام وفرة الفحم لديها بأي طريقة لأنها أفقر بكثير من الساحل الشرقي.

ويتوقع بعض الخبراء أن يستمر استخدام الفحم في الانخفاض، لكن السرعة تتباطأ في بعض الأحيان، مع تزايد القلق بشأن فقدان الوظائف.
وتكافح كلا من الولايات المتحدة والصين مع مسألة الفحم، لكن هناك تزايد في فرص العمل المعتمدة على الطاقة المتجددة في كلا البلدين، أكبر من تلك الفرص التي يوفرها قطاع الفحم.

ما هي العقبات التي ستواجهها الحكومة المركزية في الصين بشأن حملتها المتعلقة بالطاقة النظيفة؟
هناك تحديات تقنية كبيرة أولا، أنظمة الشبكة الحالية ليست قادرة -حتى الآن- على نقل كميات هائلة من الرياح والطاقة الشمسية لمسافات طويلة بكفاءة، ولا توجد حتى الآن بطارايات قادرة على تخزين كل تلك الطاقة في حال لم تنقل مباشرة، والتحدي الثاني هو عدم استعداد شبكات الدولة لدمج طاقة الرياح والطاقة الشمسية في الشركات والمرافق التي تفضل الفحم لأن أسهل ومريح أكثر في الاستخدام.

ما هي استراتيجية الطاقة في الصين؟
في الصين يسير استخدام طاقة الفحم والغاز والطاقة المتجددة بشكل متوازي، لكن الحكومة تحاول أن تلتزم أكثر بتخفيض استخدام طاقة الفحم، لكن ورغم ذلك فخارج حظيرة الحكومة تم تطوير قطاع تحويل الفحم، وإنشاء قطاع صناعي كامل لم ينظم بهعد تنظيما جيدا، والأكثر إثارة للقلق هو أن تلك الصناعات التحويلية القائمة على الفحم تنتج انباعاثات أكبر من ثاني أكسيد الكربون، وتستخدم كميات كبيرة من المياه، ومن ثم تنتج كميات أكبر من التلوث، وتؤدي للإجهاد المائي، الذي سيضعف منطقة غرب الصين على المدى الطويل إذا ما استمرت في تكثيف تلك الصناعة، وعندما أصدرت الصين خطتها الخمسية عام 2016، انتقدت منظمة "السلام الأخضر" الحكومة الصينية لوضعها أهداف منخفضة ومحدودة.

هل يمكن للصين أن تفعل المزيد لتقليل انبعاثاتها من الكربون؟
نعم بالتأكيد، وسيكون من المثير للاهتمام بشكل خاص أن نرى اجتماع Conference of the Parties لعام 2018، وهو اتفاق هام بشأن اتفاق المناخ العالمي، يطالب الأمم الإبلاغ عن التقدم الذي أحرزته في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، والصين تحاول الوفاء بالتزامتها في وقت مبكر.

وفي المنتدى الاقتصادي العالمي يناير الماضي، قال الرئيس الصيني شي جين بينج، إن الصين ستكون قائد مكافحة التغيرات المناخية، وستعمل علىا لوفاء بالتزاماتها في اتفاق باريس، ومع ذلك هناك حديث عن تاثيرات الصين خارجيا فيما يتعلق باستخدام طاقة الفحم، ومن المفارقات أن بعض البنوك والمطورين الصينيين يدعمون حاليا بناء محطات توليد طاقة تعمل بالفحم في عدد من البلدان مثل إندونسيا وباكستان.

قامت السفارة الامريكية فى بكين، بعمل نشاط يومي تنشر فيه احصاءات عن نوعية الهواء فى المناطق الحضرية على موقع تويتر،هل أثر ذلك على الرأي العام في الصين؟
كانت هناك مطالبات شعبية واسعة بهواء أنظف، لكن الجمهور الصيني أصيب بالإحباط، بسبب تزايد تلوث الهواء، ورؤية الأرقام الحقيقية التي كانت أعلى بكثير مما نشرته الحكومة الصينية ولد عاصفة لدى العامة على مواقع التواصل.

وعرفت الحكومة الصينية منذ أوائل التسعينيات أن المشاكل البيئية مثل تلوث الهواء قادرة على زعزعة استقرار البلاد، خاصة وأزمة الصحة المترتبة على ذلك أصبحت أكثر وضوحا.

ومع ضغط مواقع التواصل وازدياد غضب الجماهير، أصبحت المدن الكبيرة تنشر بيانات حقيقية عن نوعية الهواء وفي غضون سنة تسبب ذلك في جعل هواء بكين أنظف، واصدرت الحكومة الصينية خطة عمل مكافحة تلوث الهواء  عام 2012، وهو ما يظهر دور جمهور مواقع التواصل في تغيير السياسات.

كيف يمكن للولايات المتحدة والصين التعاون بشكل أكبر في مجالي المناخ والطاقة؟

كان قلق الصين بشأن التلوث محركا واضحا لزيادة التعاون مع الولايات المتحدة بشأن تغير المناخ، وعلى مدى عقد كامل، دفعت المنظمات غير الحكومية الصينية من أجل تحسين تنفيذ قوانين التلوث، وكان معهد Ma Jun’s للشؤون العامة والبيئية بمثابة تغيير في قواعد بيانات الشفافية البيئية والمساءلة من خلال إنشاء خرائط تلوث عبر الإنترنت تبين بالضبط مدى جودة الهواء، وبناء على دراسات المعهد أدركت الصين أن ما تفتقره هو شفافية المعلومات،  لذا فإن التغير المناخي والطاقة النظيفة وشفافية المعلومات هي بعض المجالات التي يمكن أن يجتمع فيها البلدان لمعالجة المشاكل المشتركة، ويمكن لهذا النوع من التفاعل أن يساعد على بناء حسن النية بين هاتين الدولتين.
 


اضف تعليق