عندما قررت أوجيني أن تتزوج شابا جميلا وتجعله ملكا على أوروبا


٠٥ مايو ٢٠١٧ - ٠٧:٢٢ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية- شيرين صبحي

كانت أسرة أوجيني دي مونتيخو، تدرك أنها ستكون ذات شأن، وكانت هي نفسها تقول ذلك، ففي المدرسة كانت البنات يشتركن في لعبة وكل منهن تقول ماذا تريد أن تكون في المستقبل، فكانت كل فتاة تقول أنها ستكون زوجة وأمًا لعدد من البناء، أما أوجيني فكانت تقف على مقعد وتقول: أريد ان أتزوج شابا جميلا غنيا ثم أجعله ملكا على أوروبا كلها.

وعندما أعطت أوجيني يدها لقارئة الكف وهي في الثانية عشرة من عمرها . قالت القارئة سوف تعيشين مائة عام، وتموتين في الظل بعد أن تدفني أعز الناس عليك، وقبل ذلك ستعيشين في خطر وفي عظمة.

وكان رد أوجيني: المهم أن أعيش في عظمة !

ماتت أوجيني عام 1920 عن 94 عاما، بعد أن دفنت ابنها الذي مات في حرب الزولو وبعد أن دفنت زوجها الإمبراطور نابليون أيضا، وعندما ماتت هي دفنت في نفس الكنيسة التي أقامتها في بريطانيا، وقد أوصت ألا يدفن أحد في هذه الكنيسة، وهو ما حدث.

ولدت أوجيني دي مونتيخو في غرناطة، في مثل هذا اليوم 5 مايو 1826 م، وكان والدها ضابطا في جيش نابليون الأول، بينما كانت والدتها ابنة القنصل الأمريكي في مدينة ملقة الأسبانية.

يروي أنيس منصور في كتابه "من أول نظرة" أن والدة أوجيني انتقلت إلى باريس، ومعها بناتها، وكانت باريس كلها تدور حول القصر الملكي، حيث الوجه الإمبراطوري لفرنسا وأوروبا، وكان نابليون عاشق ولهان لعدد من الفتيات والسيدات، وكانت النساء يتسابقن على إرضائه.

في إحدى حفلات نابليون الفخمة؛ ذهبت الآنسة أوجيني مع والدتها.. كانت في العشرين من عمرها، سمراء في لون الشاي والورد معا، وشعرها أسود طويل، وكتفاها ناعمتان، وأصابعها ناعمة ملساء مسحوبة.

عندما رآها نابليون سأل من هي؟ قيل له فتاة أسبانية. قال: جميلة، ثم اتجه إلى الفتاة التي سمعت عن مغامرات وبطولات نابليون الأول، وكانت مجنونة بأي نابليون!

لمس نابليون ذراعها، وعندما رأى اللمعان الغريب في عينيها، ظن أنها على مسافة خطوات من فراشه، ولكن الفتاة أكدت بهدوء قاطع ان المسافة بينهما يشغلها كرسي العرش فقط.. اندهش نابليون ولكنه كان سعيدا بتلك المقاومة، لأول مرة يشعر أن سلطانه لا يقوى على هذه الفتاة.

امتلأت باريس بالشائعات، وقيل إن الفتاة صفعت نابليون على خده في الظلام، وقيل أنه قبل يديها، وقيل إن سيدة ذهبت إليها في الليل تهددها بالموت إذا اقتربت منه أكثر.

رجولة خفية




كانت أوجيني بجانب أنوثتها الواضحة، فيها رجولة خفية، فهي تقف منصوبة القوام، وتمشي بخطوات واسعة ناشفة، وعندما تمد يدها تفردها على آخرها، وتضغط بأصبعها على اليد الأخرى، وتركب الحصان بلا لجام، وهذا كله غير مألوف. وعندما انتقد أحد النبلاء الإنجليز طريقتها في ركوب الخيل قالت: عندي رد على هذا النقد. ودخلت وأحضرت سكينا، فهرب النبيل الإنجليزي..!

في إحدى حفلات نابليون، اقترب منها الإمبراطور ونزع غصنا من الياسمين ولفه حول عنقها. وفي حفلة أخرى دخلت مع أمها وبحثت عن المكان المخصص لها، فجاءت إحدى سيدات البلاط وأجلستها في مكان بعيد عن نابليون، ولاحظ الإمبراطور ذلك، فذهب إليها وأجلسها بالقرب من أفراد أسرته.

وأثناء العشاء مالت عليها إحدى السيدات تقول لها: ابتعدي عنه. هذا إنذار نهائي. وكان رد أوجيني: وإذا لم أفعل. فعادت الأولى تقول لها: قلت لك ابعدي عن طريقه. فكان رد أوجيني: بل قولي له يبعد عن طريقي !

وعندما استدعاها نابليون لترقص وجدها حزينة، فسألها عن السبب، قالت: أهانوني . قال: من هم؟ قالت: جلالتك تعرف من الذي أهانني. ولذلك قررت ألا يهينني أحد بعد اليوم سأرحل. فقال: دون أن ترحلي لن يهينك أحد بعد اليوم. سأتزوجك .

عادت أوجيني إلى أمها في البيت لتقول لها: عندي خبر هام. أهم خبر في حياتك . معي رسالة من نابليون لك، وأخذت تقرأ الرسالة:

"سيدتي مدام مونتيخو.. منذ وقت طويل أحب ابنتك وقد فكرت كثيرا في ذلك. ولابد أن أتزوج وقد أصبحت إمبراطورا لفرنسا وأريد أن  تجلس جواري على العرش فتاة جميلة ذكية. ولم أجد أفضل من ابنتك، فأرجو أن تقبلي عظيم تحياتي وامتناني"..

كان ذلك أول يناير 1853 وملأت الأم بيتها بالزهور وظلت ترقب النافذة أياما ولم يجيء الإمبراطور، حتى جاء فرناند ديلسبس قريب الأم واقترح عليها أن ترحل بهدوء إلى أسبانيا ودون إذن منه، أما عشيق الأم الأديب مريميه فكان من رأيه أن تبقى أوجيني في باريس، فالإمبراطور سوف يقيم إحدى الحفلات، وسوف يدعوها وتجلس بجواره، وعليها أن تخبره بقرارها.

جاء موعد الحفل وجاءت الدعوة، ذهبت اوجيني إلى الحفل وتعلقت بذراع المليونير جيمز روتشيلد، وبدأت كل النساء في الغمز واللمز. ولكن الإمبراطور اقترب منها وسألها عن صحتها واعتذر عن التأخير. وأكدت له رغبتها في مغادرة البلاد. إنها لم تعد قادرة على احتمال النكت والأغاني الخليعة التي تسخر من علاقتها به.

وفي يوم 22 يناير أعلن الإمبراطور زواجه الرسمي منها. انخفضت البورصة وتوقفت باريس، وأحس الفرنسيون بالهوان. إن أهل باريس قالوا إن الإمبراطورة هي التي اختارت نابليون، وإنها وعدت بأن تجعله زوجا مثاليا. وكان زوجا مثاليا لستة أشهر، ثم عاد يعاود حياته العريضة من جديد.




لكن أوجيني نشرت حوله العيون والآذان، وكان الإمبراطور يندهش كيف كانت تعرف زوجته بالضبط ما الذي قاله الإمبراطور في كل لحظة من لحظات خيانته لها.. في إحدى المرات قالت له: لم أكن أتصور أنك تقبل الأيدي التي لا تضع عطرا بين أصابعها. كنت أظنك تفضل الأيدي القذرة بين الرجال فقط..!

كانت الإمبراطورة أقدر على فهم شئون الحكم والإدارة والسياسة من الإمبراطور، وكانت أعمق فهما للدين. وكان من رأيها أنه من الصعب أن يكون الإنسان ملك وعادلا ، فالعدل صفة من صفات الله، والعدل شرف يدعيه الملوك..!

كانت صداقة أوجيني لأسرة روتشيلد اليهودية هي التي جعلتها تتجه إلى الشرق الأوسط والمكسيك أيضا، ففي إحدى المرات فوجئت بشاب يتقدم منها، وتذكرته على الفور، إنه أسباني وكان اول من رقص معها في عيد ميلادها السادس عشر.. حدثها عن المجد الذي يمكن أن ينتظر فرنسا إذا بعثت بقواتها إلى المكسيك والقضاء على الفساد هناك. وقال لها: إن نابليون الثالث يحمل اسم نابليون ويجب ان تكون له أمجاده التاريخية.

لعبت الفكرة برأسها ثم برأس الإمبراطور وعشرات ن قواده، وانتقل إلى المكسيك عشرات الألوف من الفرنسيين، واحتلوا المكسيك وكانت الكارثة الكبرى على فرنسا.

عيني ستظل معجبة بك للأبد




استمعت أوجيني إلى قضايا الشرق الأوسط من قريبها ديلسبس، وقد بلغ اهتمامها قمته عندما قررت أن تحضر حفل افتتاح قناة السويس في نوفمبر 1869 ، وقد اتجهت إلى الصعيد وشهدت آثار الأقصر وأسوان، وعرفت معنى وقوف المرأة المصرية القديمة إلى جوار زوجها الملك ولماذا تحتضنه، فالرجل رجل أي في المقدمة والمرأة يجب أن تتمسك به، وعلى الرجل أن يحبها ويحميها.

كان الخديوي إسماعيل يحكم مصر وقد أحب أوجيني وأقام لها قصرا في الزمالك، وكان يداعبها ويغازلها أمام كل الملوك والأمراء ويقول لها أنت في رشاقة الغزال وجماله وحيويته.

كان الخديوي إسماعيل إذا أحب لم يترك لمحب بعده مجالا، وإذا أهدى أغدق حتى أغرق، وإذا أراد البناء فانه يهدم حيا بأكمله ليشيد عليه ما يريد، وعلى هذا المنوال قامت سراي الجزيرة التي بناها خصيصا للإمبراطورة أوجيني لتكون مقاما أثناء زيارتها لمصر، وكانت طبق الأصل لقصر "التويليري"، ولو استطاع لأحال مصر كلها إلى روضة غناء تخطر فيها هذه الملكة الجميلة.

ولما أبدت الامبراطورة رغبتها في الطواف بالقاهرة على ظهر حمار، رافقها الخديوي في هذا الطواف.

وتحكي الأميرة جويدان بنت عبد الله في مذكراتها، عن الخديوي إسماعيل وحبه لإمبراطورة فرنسا أوجيني، والتي لكي يدعوها لزيارته في مصر صنع حضارة هامة تتلاءم مع أهمية شخصيتها، وكانت المناسبة التي ستحضر فيها هي افتتاح قناة السويس، وإقامة أول خط سكك حديدية مصرية من الإسماعيلية إلى القاهرة وإنشاء دار للأوبرا تتفرج فيها الإمبراطورة، وكلف ملحنا إيطاليا مشهورا بتلحين أوبرا جديدة خصيصا لهذا الافتتاح هي أوبرا عايدة.

وفي نهاية زيارتها، أمر إسماعيل بإنشاء غرفة نوم من الذهب الخالص، زينتها ياقوته حمراء، ونُقشت حولها عبارة بالفرنسية، وهي "عيني على الأقل ستظل معجبة بكِ إلى الأبد".

يجب أن تعودي إلى فرنسا




في أحد الأيام جاءها قس من أصل مجري يهودي وكان من أقدر الناس على قراءة الكف، فاستأذن أن يقرأ كفها وقال لها: مولاتي يجب أن تعودي إلى فرنسا حالان فهناك أنباء غير سارة في انتظارك.. غضبت الإمبراطورة وطردته بأدب، ولكن بعد ساعة جاءتها برقية من الإمبراطور يطلب منها العودة فقد تضايق من سلوك الخديوي إسماعيل ، وأنها تمادت في تشجيعه، وأن فرنسا تتحدث عن غرام جديد بين الوالي المصري والإمبراطورة.

عادت إلى فرنسا وتوالت الكوارث على علاقتها بالإمبراطور، وتأزمت الأحوال السياسية الداخلية والخارجية حتى جاءت الحرب السبعينية وتوالت هزائم القوات الفرنسية وخرج نابليون والإمبراطورة من فرنسا، وسارا في نفس الطريق الذي سار فيه نابليون الأول.

وقالت أوجيني: إن تاريخ فرنسا يعيد نفسه.. بل لقد مضى على فرنسا قرن من الزمان وحكامها يهربون إلى الخارج..!

بعد أن مات زوجها نابليون وقتل ابنها قررت أوجيني أن تبني لها أحد الأديرة وتأوي إليه. وفي أحد أيام الدير فوجئت بالقس اليهودي وقد تزوج من فتاة يهودية أصغر منه بأربعين عاما، وبأنه عاد مرة أخرى إلى الديانة اليهودية ويعمل في بنك روتشيلد في لندن . لقد كان جاسوسا على الإمبراطورة..!

فوق حصان يحترق




في آخر أيام الإمبراطورة تحدثت كثيرا عن معاهدة فرساي 1919 ، ثم أصيبت بشيء من الجنون مما اضطر بعض رجال الدين أن يغلقوا عليها الأبواب، ولكنها كانت تصرخ وتقول: لا أريد ان أموت هكذا.. ضعوني فوق حصان يحترق واتركوه يغرق في المحيط !

وعندما كانت أوجيني على فراش الموت طلبت أحد رجال الدين وسألته: هل أنت من أصل يهودي؟
اندهش القس وقال: لا .. وعادت تسأله: ولا زوجتك؟
قال: لا..
قالت: أطلب لي الرحمة يا أبي..!


اضف تعليق