لا "ماكرون" ولا "لوبان".. حصان فرنسا الرابح لازال مستترًا


٠٦ مايو ٢٠١٧ - ٠٩:٤٣ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

تتنظر فرنسا عهدًا جديدًا، فغدًا سيحسم مشهد النهاية في سباق انتخابي حثيث نحو الإليزيه بين إيمانويل ماكرون ومارين لوبان، فمن سيصبح الرئيس الجديد؟ وهل سيكون مسنودًا بأغلبية كافية أم سيتعرض لمعارضة شرسة؟

كان ماكرون حتى استطلاعات أمس هو الأوفر حظًا بفارق يزداد اتساعًا بنسبة 61.5% مقابل 38.5% لمنافسته لوبان، ومن المتوقع أن تحسم الانتخابات لصالحه في حال أصابت استطلاعات الرأي هذه المرة، 
لاسيما بعدالاتهامات الأخيرة التي وجهها مستشارين أمريكين لروسيا بالتورط في تسريب مراسلات حملةماكرون.  

إن السؤال الأهم في فرنسا لم ولن يتمحور حول من هو "الرئيس" فالمعركة لن تنتهي بفوز لوبان أو ماكرون ولا بتشكيل فريق حكومي بل إن فرنسا تنتظر المعركة الأكثر شراسة التي كانت ولازالت تلعب الدور الأهم في نتيجة الانتخابات الرئاسية وهي الانتخابات البرلمانية التي ستحدد ما يمكن للرئيس الجديد تحقيقه وما لا يمكنه.

فإذا سيطر حزب معين على الرئاسة وفاز آخر بأغلبية البرلمان ستصبح العراقيل في طريق الرئيس الجديد أكثر صعوبة، وستدخل عملية صنع السياسات وتطبيقها في مرحلة حرجة، الأمر الذي سيعرقل مسيرة الإصلاح في البلاد بشكل كامل.

مع انتظار موعد الحسم الأكبر في الانتخابات التشريعية المقرر عقدها يونيو المقبل تظل فرنسا مترقبة، فانتخابات فرنسا هذه المرة ليست اعتيادية فهي ليست بين وسط ويسار تقليديين، بل بين شعبوية يمينية تمثلها لوبان، وتكنوقراطية ليبرالية ممثلة في ماكرون.


الفرنسيون أكثر تطرفًا

إن ربع الناخبين الفرنسيين بصدد الامتناع عن التصويت في جولة الإعادة بالانتخابات الرئاسية المقررة وبينهم يساريون كثيرون يشعرون بالإحباط لفشل مرشحيهم في الوصول للجولة الثانية بحسب استطلاع أجرته مؤسسة "أودوكسا"، والنسبة المتوقعة للامتناع عن التصويت ستكون ثاني أسوأ نسبة من نوعها في جولة إعادة للانتخابات الرئاسية في فرنسا منذ عام 1965.

أظهر الاستطلاع أن 69% من الناخبين العازمين على الامتناع عن التصويت سيفعلون ذلك على مضض لرفضهم الاختيار بين ماكرون ولوبان، حيث صوت كثير منهم لصالح مرشحين "أكثر يسارية" خرجوا من السباق في الجولة الأولى التي أجريت في 23 أبريل.
أظهر استطلاع آخر اجرته مؤسسة "بيرتلسمان" أن الناخبين الفرنسيين أكثر تطرفًا من غيرهم الأوروبيين حيث يصف واحد من كل خمسة منهم نفسه بأنه "متطرف" بينما يقول الثلث فحسب إنهم ينتمون إلى "الوسط".

وأظهر الاستطلاع مستوى مرتفع من عدم الرضا عن التوجه الذي تسير فيه البلاد، الأمر الذي يسلط الضوء على التحديات التي سيواجهها الرئيس الجديد.



الحاكم المستتر

في 11 و 15 يونيو ستنظم الانتخابات التشريعية والتي ينتظر فيها الرئيس الفرنسي المقبل المساندة من الجمعية الوطنية ليتمكن من الوفاء بوعود برنامجه الانتخابي، لاسيما تلك القضايا المصيرية المؤرقة كعضوية الاتحاد الأوروبي والمسلمين في فرنسا والدستور الفرنسي الذي يحتاج إلى تصويت بأغلبية ثلاثة أخماس ليخضع للإصلاح.

إن أي محاولة من الرئيس لعرض أمر العضوية في الاتحاد الاوروبي للاستفتاء لا بد لها من موافقة مجلس الشيوخ وإلا تتعرض لتعطيل من المحكمة الدستورية في البلاد حتى ابسط الإصلاحات في البلاد تتطلب موافقة المشرعين.

الجمعية الوطنية  حصان فرنسا الرابح هي الآمر الناهي وهي التي تحمل مفاتيح الرئيس القادم،  ففي النظام الفرنسي يتعاون الرئيس مع رئيس الوزراء الذي يشرف بدوره على السياسة الداخلية والاقتصاد في حين تتركز مسؤولية الرئيس على السياسة الخارجية والدفاعية التي تتدخل فيها الجمعية الوطنية بشكل أساسي.

ويتحتم على الرئيس الفرنسي أن يختار رئيس وزراء يعكس الأغلبية في الجمعية الوطنية لاسيما اذا ما عرفنا أن الأخيرة لها حق إجبار رئيس الوزراء ومجلسه على الاستقالة، وإن كان الدستور الفرنسي يعطي رئيس الوزراء إمكانية تجاوز الجمعية الوطنية لكن ذلك يحمل مخاطر التسبب في تصويت بسحب الثقة.




التعايش المشترك.. السيناريو الأقرب

إن فشل الحزب الحائز على الرئاسة في السيطرة على الجمعية الوطنية وهو الأقرب للتحقق خاصة أن كل من لوبان وماكرون لا يمثلان حزبًا كبيرًا ذا حضور قوي وكلاهما من خارج المنظومة التقليدية.

 من المتوقع أن يحقق مرشحون ينتمون لأحزاب تقليدية تقدمًا أكبر في الانتخابات التشريعية وفي هذه الحالة سيتحتم على فرنسا الدخول في سيناريو التعايش المشترك فمن الممكن لأحزاب مختلفة أن تسيطر على الرئاسة والجمعية الوطنية وهي وضعية يطلق عليها الفرنسيون "العيش المشترك” وتجبر هذه الوضعية كلا من الرئيس ورئيس الوزراء على التعاون من أجل تفادي الشلل السياسي.

إن حصول حزب واحد على الأغلبية من الممكن أن يفرض رئيسًا للوزراء على الرئيس ويحدّ كثيرا من نفوذه  على الشؤون الداخلية ويوسع مجال الخلاف بين الرئاسة ورئاسة الوزراء.

وعلى الرغم من قدرة الرئيس على التحكم في البلاد بالكامل في أوقات الأزمات الحادة كالهجمات الإرهابية على سبيل المثال وفقًا للدستور الفرنسي فإن كل محاولة للرئيس باستعمال سلطاته تجاه الجمعية الوطنية قد يثير احتجاجات عارمة لا تحمد عقباها، كما أن الأخيرة قادرة على تعطيل أي محاولة للرئيس لاستبدال النظام شبه الرئاسي.

وحول التحالفات التي قد يحتاجها الرئيس في مرحلة ما بعد الرئاسة لتجنب الشلل السياسي وتعطيل صناعة السياسات فالوضع المقعد للمرشحين يفرض عليهما أن يبحثا عن تحالفات مع باقي الفاعلين السياسيين لتكوين أغلبية الأمر الذي دفع ماكرون إلى تأكيد رغبته في تشكيل أغلبية حكومية جديدة من أجل التغيير حيث راهن على استقطاب سياسيين من اليمين واليسار في حين واجهت لوبان صعوبات في إقناع أحزاب أخرى بالانضمام إليها رغم تخليها عن زعامة حزب الجبهة الوطنية الذي أسسه والدها.

في ظل جمعية وطنية منتخبة ونظام شبه رئاسي تظل فرنسا في "مأمن" من أي تصرف سياسي قد ينتج حال اخفقت الاستطلاعات بفوز ماكرون لصالح ممثلة أقصى اليمين الفرنسي "المقلقة" لوبان .


   


اضف تعليق