حين يولد في العتمة مصباح فريد فاذكريني


٠٦ مايو ٢٠١٧ - ١١:٣٤ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية- شيرين صبحي

وهب صلاح عبد الصبور، الشعر كل حياته، فقد كان يؤمن بأن قول الشعر جدير وحده بأن يستنفد حياة بشرية توهب له وتنذر من أجله ، لذا أبحر وحده في عيون الناس والأفكار والمدن تائهاً في صحارى الوجد والظنون ، طارقاً نصف الليل في فنادق المشردين وحوانيت الجنون..!
ولد صلاح عبد الصبور في 3 مايو 1931 في مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، تلقى تعليمه في المدارس الحكومية، ودرس اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول "القاهرة حاليا", وفيها تتلمذ على يد الرائد المفكر الشيخ أمين الخولي الذي ضم عبد الصبور إلى جماعة "الأمناء" التي كوّنها, ثم إلى "الجمعية الأدبية" التي ورثت مهام الجماعة الأولى. وكان للجماعتين تأثيرا كبيرا على حركة الإبداع الأدبي والنقدي في مصر.

أخذ يكتب الشعر في سن مبكرة وكان ذلك في مرحلة دراسته الثانوية ، ثم شغل صلاح عبد الصبور عدة أعمال ، بعد تخرجه عيّن مدرسا بوزارة التربية والتعليم إلا أنه استقال منها ليعمل بالصحافة ، حيث عمل محررا في مجلة " روز اليوسف " ، ثم جريدة " الأهرام ". أخذ ينشر قصائده في مجلة الثقافة القاهرية والآداب البيروتية، وكان صلاح عبد الصبور مهتما بالفلسفة والتاريخ، كما كان مولعا بصورة خاصة بالأساطير، وفي الوقت ذاته كان يحب القراءة في علوم الإنسان المحدثة كعلم النفس والاجتماع والأنثربولوجيا.

وفي عام 1961م عيّن بمجلس إدارة الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر، وشغل عدة مناصب بها، عمل مستشارا ثقافيا للسفارة المصرية بالهند ، ثم اختير رئيسا لهيئة الكتاب. حصل علي العديد من الأوسمة منها : جائزة الدولة التشجيعية عام 1965، ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي عام 1965، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1981 ، ووسام الاستحقاق من الدرجة الأولي ، والدكتوراه الفخرية في الأدب من جامعة المنيا عام 1982، أطلقت الإسكندرية اسمه علي مهرجانها للشعر الدولي .

بالإيماء أو الرقص






"الكلام عن الشكل الجديد.. أو الشكل القديم.. الحر.. التقليدي.. العمودي.. العروض.. مناقشات ساذجة أضعنا فيها وقتًا طويلاً.. إننا نريد الشاعر الذي يقول الكلمة الصادقة ولو كانت بالإيماء أو الرقص.." يعتبر النقاد أن صلاح عبد الصبور من أهم رواد حركة الشعر الحر العربي، وواحداً من الشعراء العرب القلائل الذين أضافوا مساهمة بارزة في التأليف المسرحي, وفي التنظير للشعر الحر . ففي منتصف الستينات خاض عبد الصبور أول تجربة في الدراما الشعرية فكتب مسرحيته: " مأساة الحلاج " عام 1965، ويري النقاد انه تأثر في هذه المسرحية بالشاعر الإنجليزي إليوت حيث جاءت مسرحيته شبيهة بمسرحية إليوت: " جريمة قتل في الكاتدرائية "، كما تأثر بكتابات كافكا السوداوية.

يقول الدكتور كريم الوائلي أن عبد الصبور تخرج فنياً ونقدياً من تحت عباءة المدرسة الرومانسية العربية وظل مخلصا لكثير من مبادئها طيلة حياته في إبداعه الفني النقدي على السواء، وطور جانبا من تصوراتها نحو نـزعة صوفية تدفعنا إلى وصفها بالرومانسية الصوفية ، إذ يبدو عبد الصبور متأثرا بالمنجز الصوفي في كتاباته الإبداعية لمأساة الحلاج ـ مثلا ـ وفي حديثه عن سيرته الفنية في كتابه "حياتي في الشعر"، إذ يؤكد ذلك أثناء تحدثه عن المتصوفة واستخدامه مصطلحاتهم ورموزهم ومحاكاة عباراتهم ، ويطبق ذلك بصورة تكاد تكون متماثلة بين الوجد الصوفي والإبداع الشعري ، كما أنه تأثر برموز الرومانسية العربية، وبخصائص الرومانسية الفنية، ويؤكد الوايلي أن عبد الصبور تجاوز هذه الرؤية وتجاوز إبداع القصيدة الغنائية .

يري سلاف أحمد علوش أن في قصائد عبد الصبور بعداً قصصياً واضحاً إذ اعتمد في استلهام التاريخ على الحكاية لا على الرمز التاريخي . أما العالم الشعري لعبد الصبور فيري صدوق نور الدين انه تغلفه مسحة الحزن والألم، وفق ما يدل عليه المعجم الشعري الموظف في القول الشعري، وبصفة تكاد تكون شاملة، حيث تطالعنا مفردات من قبيل : الليل ، المرض، الفراغ، الموت، الشتاء، وهو معجم تطفح به كتابات بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي أيضا ، ولكن الرؤية في دلالتها انهزامية بالأساس .

جارتي ! لست أميراً
لا ، ولست المضحك الممراح في قصر الأمير
سأريك العجب المعجب في شمس النهار
أنا لا املك ما يملأ كفيّ طعاما
وبخديك من النعمة تفاح وسكر
فاضحكي يا جارتي للتعساء
نغّمي صوتك في كل فضاء
وإذا يولد في العتمة مصباح فريد
فاذكريني ..

والله العظيم موزون!




ثارت ثائرة الشعراء المحافظين علي أشعار عبد الصبور التي أعدوها شكل من أشكال النثر، لأنها تخلو من الإيقاع المألوف للقصيدة العربية القديمة وحين كتب صلاح عبد الصبور قصيدته وبعث بها إلى مسابقة المجلس الأعلى للفنون الاجتماعية وقعت قصيدته بين يدي العقاد، وحدثت المواجهة بين شاعر يكتب قصيدة الشعر الحر وشارع من الديوان وعندما قرأ العقاد القصيدة كتب تحتها :"تحال إلى لجنة النثر لعدم الاختصاص"، مما دفع بصلاح عبد الصبور إلى أن يكتب مقالا يدافع فيه عن هذا الشعر الحر بعنوان "موزون والله العظيم موزون" كما ثار الكثير من النقاش حول " وشربت شاياً في الطريق " والتي أثارت الاستهجان والاستهزاء في حينه ، ولكنها لقيت أيضاً من الاهتمام ما مهّد الطريق لاستعمال المفردات اليومية في الشعر العربي ، ومهّدت لتحقيق الانتصار على لغة القاموس ، التي كانت سائدة ومتسلطة آنذاك .وفيها يقول:
وشربت شايا فى الطريق
ورتقت نعلى
ولعبت بالنرد المزع
بين كفى والصديق
الخطاب الشعري عند عبد الصبور

تنقل نص عبد الصبور بين ساحات عديدة لها ميزة واحدة هي "القلق الوجودي العالي والمركب"، حسبما يقول سلاف أحمد علوش فمن الغرق الميتافيزيقي إلى نقد الميتافيزيق، ليخلص في نهاية مشروعه إلى الفهم العلائقي الصوفي، فاستطاع من خلال عيشه للنقيضين "الميتافيزيقيا ونقدها" أن يستخلص المطلق الجمالي وينزع إليه من علاقة جدلية هي الإنسان والإله، ففي فترة النقد الميتافيزيقي كان عبد الصبور مشغولاً بالوعي الاجتماعي وبالتقاطه للألم الإنساني بصيغته الأرقى سابراً الفقر والقهر والحرمان الذي يغلف السواد الأعظم ويستشري في حياتهم .

يقول عبد الصبور "أظنني لم أدرك أن الشعر هو طريقي الأول إلا في عام 1953، أما قبل تلك الفترة فقد كنت مشغولا بأشياء كثيرة، كنت أحاول القصة القصيرة، والكتابة الفلسفية على نمط محاورات أفلاطون التي قرأتها في مطلع الصبا بترجمة حنا خباز وفتنت بها فتوناً، و لكن في ذلك العام تحددت رغبتي الأدبية، وارتبطت بالشعر ارتباط التابع بالمتبوع . وأنا ممن يظنون - وهم قلة -
أن قول الشعر جدير وحده بأن يستنفد حياة بشرية توهب له وتنذر من أجله. وقد وهبت الشعر حياتي منذ ذلك الأمد. وجهدت حتى أصير شاعراً له مذاقه الخاص، و عالمه الخاص".

يقوم هيكل الإنسان
إنسان هذا العصر والأوان
أنا رجعت من بحار الفكر دون فكر
قابلني الفكر ، ولكني رجعت دون فكر
أنا رجعت من بحار الموت دون موت
حين أتاني الموت، لم يجد لديّ ما يميته،
وعدت دون موت
أنا الذي أحيا بلا أبعاد
أنا الذي أحيا بلا آماد

من شعر الصعاليك إلى الحكمة




تأثر إبداع صلاح عبد الصبور بمصادر متنوعة فمن شعر الصعاليك إلى شعر الحكمة العربي، وسيَر وأفكار بعض أعلام الصوفيين العرب مثل الحلاج وبشر الحافي, اللذين استخدمهما كأقنعة لأفكاره وتصوراته في بعض القصائد والمسرحيات، وقد نشأ عبد الصبور وتربي بين كتب المنفلوطي وعمالقة الأدب والفكر، وتأثر برموز الرومانسية العربية وبخاصة جبران خليل جبران الذي يعده قائد رحلته . كما استفاد الشاعر من منجزات الشعر الرمزي الفرنسي والألماني "عند بودلير وريلكه" والشعر الفلسفي الإنجليزي عند جون دون وييتس وكيتس وت. س. إليوت بصفة خاصة . وكذلك استفادته من كنوز الفلسفات الهندية ومن ثقافات الهند المتعددة أثناء إقامته بالهند مستشارا ثقافياً للسفارة المصرية . ومن الذين لم يخف إعجابه بهم لوركا، و بودلير ففي قصيدة يخاطب بها بودلير يقول:

أنت لما عشقت الرحيل
لم تجد موطنا
يا حبيب الفضاء الذي لم تجسه قدم
يا عشيق البحار وخدن القمم
يا أسير الفؤاد الملول
وغريب المنى
يا صديقي أنا

وفي محاولاته الشعرية الأولى كان صلاح عبد الصبور متأثرا ببعض الشعراء القدامى كالمتنبي وأبي العلاء المعري الذي أعجب به كثيراً والذي رآه من وجهة نظره ثلاثة أرباع التراث الشعري مقدما إياه على أبي تمام وبشار وأبي نواس والمتنبي، فكان يقول:
يعجبني المتنبي ولكني أحب أبا العلاء ! بعد ذلك بدأ يتأثر ببعض الشعراء المعاصرين كإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل.

لا أحب المسرح إلا شعريًا

"أنا لا احب المسرح إلا شعرياً، و لا يعجبني كثيرا مسرح إبسن و أتباعه من الناثرين. و اعتقد أن مسرح إبسن الاجتماعي النثري مثل (بيت الدمية) و (عدو المجتمع) وغيرهما، هو مجرد إنحرافة في تاريخ المسرح".. كانت مسرحيته "مأساة الحلاج" هي بداية اتجاهه إلى المسرح الشعري الذي أصبح من أهم رواده في الأدب العربي.

وعن سمات مسرح عبد الصبور يقول الدكتور مدحت الجيار: "على الرغم من تعدد مسرحيات صلاح عبد الصبور الخمس، من حيث الموضوعات المعالجة، والشخصيات، بل الأجواء الدرامية التي يستخدمها داخل نصوصه، أقول إنه على الرغم من ذلك، فإن مسرح صلاح عبد الصبور يبدو ضيقا، ترتد عناصره المكانية إلى حيز ضيق .. أعنى أن مسرحياته تتحرك على المستوى المكاني، حول ثنائية البيت والسجن، ثم الاتساع في المكان. والبيت قد يتحول إلى قصر أو كوخ بسيط، أو منزل شعبي أو مقر جريدة؟ لكنه يظل محتفظا بدلالة الألفة والنشأة. وعلى النقيض يتحول السجن ولوازمه (المحكمة) إلى الضيق من المكان، ويترادف في غالبية السياقات مع "الظلم" و "القهر".
ويؤكد الجيار أن مسرح عبد الصبور يتحرك خلال عناصر مكانية محدودة، وثيمات مكانية ثابتة، وإن كانت تتعدد، فهي تتعدد في تجليات مختلفة، لا يتغير جوهرها، بل يظل الجوهر ثابتا، ويتحرك العرض، الشكلي؟ الأمر الذي يلقى سؤالا حول المكان في مسرح صلاح عبد الصبور، هل هو فقير في عناصره ومكوناته، وهل يترتب على ذلك القول بضيق ومحدودية عناصر الرؤية الجمالية للواقع عند عبد الصبور؟ خاصة وأن مسرحياته ترتد دائما للوراء حيث نجد الكوخ، والقصر، والطير النائم، والسجن، والبيت، ومخدع النوم، ومحل العمل، وكلها مفردات كثيرا ما شكلت مسرحيات كثيرة قبله، وليس ببعيد، مسرح أحمد شوقي الشعري، أو مسرح على أحمد باكثير. ومن هذين السؤالين نستطيع أن نقول: إن توظيف صلاح عبد الصبور لهذه المفردات المكانية المحدودة قد أغنى هذه المفردات، حتى أننا نحس للوهلة الأولى بتعددها، وكثرتها، بسبب جودة التوظيف، والقدرة على وضعها موضعا صحيحا يبعد عنها الملل والتكرار والفقر.

بصيص من النور

"حين يصبح المفكر تجسيدًا لفكرته.. فقد ترى بصيصًا من النور... ولكن هذا لا يتيسر إلا في مناخ الحرية.. والحرية لا توهب.. ولكنها تؤخذ قسرًا". كان صلاح عبد الصبور مهموماً بالأوضاع العربية وكان يردد " أخشى أن يجيء يوم يقال فيه.. كان هنا يوجد قوم اسمهم: العرب"، ويقول عن جيله "أنا ابن جيل تفتحت عيناه على شيئين: هزيمة فلسطين الأولى عام 48م .. والأحكام العرفية في نفس الوقت.. وهذا معناه أن عينيَّ تفتَّحتا على معنيين: فقدان الشرف.. وفقدان الحرية.. ويكفي هذا مأساة".
ويؤكد عبد الصبور أن "الثورة الفكرية ملمح من ملامح الثورة الحضارية بوجه عام.. ولكي تبلغ الثورة الحضارية مداها.. لابد من نقل الإنسان العربي إلى العصر الحديث.. لا أعني أن تصبح لديه القدرة على الاستمتاع بمعطيات الحضارة.. بل أن تكون لديه المبادرة نحو صنعها وتطويرها.. إن الإنسان العربي يسهم في الحضارة كمستهلك.. ويجب أن يتعلم كيف يسهم فيها كمنتج".

رعب أكبر من هذا سوف يجئ
لن ينجيكم أن تعتصموا منه بأعالي جبال الصمت.. أو ببطون الغابات
أن تختبئوا في حجراتكم أو تحت وسائدكم.. أو في بالوعات الحمامات..
صدقونى رعب أكبر من هذا سوف يجئ..
أموت وحدي
ينبئني شتاء هذا العام أن هيكلي مريض
و أن أنفاسيَ شوك
و أن كل خطوة في وسطها مغامرة
و قد أموت قبل أن تلحق رِجلٌ رِجلا
في زحمة المدينة المنهمرة
أموت لا يعرفني أحد
أموت لا يبكي أحد

في مساء الخامس عشر من أغسطس 1981م رحل صلاح عبد الصبور الذي كان يؤمن بأن المفكر هو من يستطيع أن يمزج في رؤياه، الماضي بالمستقبل، ومن يعرف أن الحاضر هو لحظة تاريخية حاسمة، يستطيع الإنسان أن يجعل منها طريقةً إلى مجده أو إلى لحده، وهو أيضًا الإنسان الذي تعنيه "الفكرة" كقيمة في ذاتها.. جديرة بأن يبذل حياته من أجلها.
يُنبئني هذا المساء أنني أموت وحدي
ذات مساء مثله، ذات مساء
   


الكلمات الدلالية صلاح عبد الصبور

اضف تعليق