فرنسا تحطم "مثلث الرعب" وتبدد أحلام الأخطبوط الروسي


٠٩ مايو ٢٠١٧ - ٠٩:٤٤ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

صفعة قوية تلقتها روسيا بعد أن باءت جهودها بوصول "لوبان" إلى دفة الحكم بالفشل، فقد جاء ماكرون ليعيد فرنسا إلى العالم وليتنفس الأوروبيون الصعداء بعد أن كان احتمال فوز لوبان يهدد بانتهاء المشروع الأوروبي برمته.

بعد فوز "ماكرون" مثلث الرعب العالمي أضحى ناقصًا (بوتين، ترامب، لوبان) كانوا سيشكلون ثلاثيًا مقلقًا إلى حد كبير.

موسكو والحرب الهجينة


كيف يمكنك استباق الأحداث وتحمل تبعات الدخول في صراعات سياسية أو حروب أنت في غنى عنها دون أن تًسقط قطرة دم واحدة ودون أن يتم فضحك؟

هذا الدرس نتركه للمحترفين، روسيا على سبيل المثال تقدم لنا النموذج الأوضح والأكبر في خوض المعارك على هذه الشاكله، فالرغبة في السيطرة على العالم واستعادة الأمجاد السابقة لم تغب يومًا عن الوعي الروسي وأحلامه التوسعية.

تتجنب روسيا الدخول المباشر في الصراعات وتقوم بحنكة باختيار المنافسين وضبط قواعد اللعبة السياسية، فتسمح لمن تراه صديقًا أو الأقل عداوه لها بالوصول إلى دفة الحكم دون الحاجة لتزوير أو تمرير أسلحة .

لا يمكن نسيان الإرث الثقيل الذي تحمله روسيا من التدخل في الشؤون الداخلية لأوروبا، فلم توفر الاستخبارات الروسية جهدًا في تمويل ودعم الأحزاب الشيوعية التي صارت فيما بعد تحت مظلتها.

وجاء بوتين "الطموح" بعد سنوات من الركود الروسي ليعيد إحياء طموحات روسيا التوسعية من جديد.

يدرك بوتين جيدًا أن السيطرة على العالم لم تعد سهلة ولا تقليدية ولن تكون عن طريق الحرب واستعراض القوة العسكرية، فقد صارت أشد تعقيدًا.

إن الرغبة الروسية في توسيع النفوذ والسيطرة لن تكون بمواجهة الأعداء بل بتوطيد الشراكة معهم وكسبهم كحلفاء، لقد اكتشف بوتين خطورة الهجمات الإلكترونية ودورها في زعزعة استقرار الدول وتوجيه الدفة ناحية المصالح الروسية.

لم يخفى على بوتين أهمية وقوة "الحرب الهجينة" تلك التي تدمج فيها المواجهات العسكرية التقليدية مع الحرب غير النظامية وقد أضحت روسيا خير من يطبق هذه الاستراتيجيات.

لقد حاول بوتين في السابق أن يدمر الديمقراطية الغربية فقد قام عملاء روس بشن هجمات إلكترونية على كل من فرنسا واليونان وإيطاليا ولاتفيا أثناء الانتخابات فهي ليست جديدة على روسيا وفق خبراء.

حلم "الأوراسي" وتفكيك "الأوروبي"



بوتين مؤمن بنظرية " القدرة الذاتية الكامنة والخارقة للفرد الروسي" تلك النظرية الأشبه بنظرية "السوبرمان" أو الإنسان الأعلى عند نيتشة.
وتتحدث النظرية عن قوة روسيا وجبروتها وأن حلفاءها يمكن أن يكونوا من العرقين التركي والمنغولي دون الإنجليز أو الألمان أو الفرنسيين، فالأخيرين لايمكن أن يكونوا أصدقاء لروسيا.

لاقت سياسة بوتين قبولًا لدى تيارات أقصى اليمين، تلك التي تمتلك إيديولوجيات انعزالية ستمكنه من تحقيق الحلم الروسي.

 رأت هذه الأحزاب في "بوتين" الأب والقائد الذي تفتقده أوروبا فصارت أقرب في مواقفها لحلمه الذي ينادي باتحاد "أوراسي" من شأنه أن يحفظ للدول استقلالًا حقيقيًا ويتجاوز قيود الاتحاد الأوروبي.

وها هي الفرصة باتت مواتية للقيصر فهذه الأحزاب بمثابة بصيص نور لإسقاط الاتحاد الأوروبي وتفكيكه وإعادة أمجاد روسيا الغائبة.

القيصر والإطاحة بالأعداء



أشارت بعض التقارير صراحةً إلى تورط بوتين بقوة في الهجمات الإلكترونية التي استهدفت المرشحة الأمريكية هيلاري كلينتون والتي شهدت حملتها العديد من العقبات، لاسيما بعد التحقيق الذي أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي فيما يخص الرسائل.

النتيجة النهائية للانتخابات الأمريكية جاءت بفوز ترامب بـ3 ولايات بفارق أصوات ضئيل، كانت هذه الولايات كفيلة بتحقيق الفوز لهيلاري كلينتون على حساب ترامب لولا أن قامت اللجان الروسية ببث سيل من الشائعات والأخبار الزائفة حول حملة كلينتون، فضلًا عن التسريبات والخروقات الإلكترونية الأخرى، أما روسيا فقد كذبت الادعاءات الأمريكية كعادتها ووصفتها بـ"السخيفة".

يكن بوتين لهيلاري كراهية عميقة فرؤية الأخيرة لروسيا جعلت منها عدوًا له وبالتالي فإن إي إجراء من شأنه أن يبعدها عن البيت الأبيض سيكون ممتعًا ومفيدًا بالتأكيد.

لقد لدغ بوتين من "كلينتون"، فعندما اندلعت احتجاجات واسعة ضده في ديسمبر 2011، قال بوتين بوضوح بأن الذي يظنه حقاً وراء تلك الاحتجاجات هو "هيلاري"، ومع اتهام المتظاهرين لبوتين بتزوير الانتخابات، اتهم الرئيس الروسي "كلينتون"، التي أصدرت بياناً تضمن انتقاداً حاداً لنتائج التصويت قائلة "إن الانتخابات كانت مضللة وغير نزيهة"، فلماذا تراهن روسيا على كلينتون المثيرة للمشاكل في ظل تواجد المحبوب "ترامب"!

نفس السيناريو تكرر في الانتخابات الفرنسية فقد اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي أنباء تتحدّث عن «عملية قرصنة ضخمة » تعرضت لها حملة "ماكرون" حيث تم نشر معلومات تتعلق بالحملة ورسائل بريد الكترونية وحسابات مالية، فلماذا ماكرون ؟

دفعت توجهات "ماكرون" الصريحة المعادية لروسيا إلى وضعه في خانة "الأعداء" فماكرون قد صرح بشكل مباشر خلال مناظرة له أن "على فرنسا تجنب التقارب في علاقاتها مع روسيا" مبررًا ذلك بأن بلاده بحاجة «لاستقلالية القرار في عملها مع الشركاء الأوروبيين».

كما طالب روسيا في تصريحات أخرى أعطاء ضمانات عن تدميرها لمخزونات الأسلحة الكيماوية السورية، كما أن خطط ماكرون الساعية إلى تطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي كفيلة بإثارة حفيظة الروس.

وفي ظل وجود "لوبان" الأبنة البارة لروسيا لن تراهن روسيا على مرشح يميل إلى معاداتها.

بوتين ودعم الأصدقاء



في ذروة الهجوم الأمريكي والغربي على دونالد ترامب، اعتبر بوتين ترامب المرشح الأفضل دون منازع في السباق الرئاسي الأمريكي، جاء مديح بوتين الجميل لترامب حين وصفه بالرجل اللامع والموهوب الذي تأمل معه روسيا بعلاقات أفضل مع الولايات المتحدة.

وصلات غزل لم تنتهي بين الرئيسين كانت ولا زالت حيث أكد ترامب أن تلقي مثل هذه الكلمات من بوتين شرف كبير بالنسبة له الأمر الذي يجعل من "ترامب" في حسابات القيصر هو الأقرب إلى قلبه والأقرب إلى البيت الأبيض على السواء.

وتجمع لوبان وبوتين علاقة متينة فتصريحات لوبان حول الفشل وارتباطه بعدم موافقة الشعب الفرنسي على استفتاء الانسحاب من الأوروبي وأملها في الـ"فركسيت" على غرار الـ"ـبركسيت" البريطاني للانفلات من قبضة "الأوروبي" جعلها صيدًا ثمينًا بالنسبة للقيصر فهذا أعظم ما يحلم به.

في ديسمبر عام 2014 صرحت لوبان أنها معجبة بالرئيس بوتين وبمقاومته للحرب الباردة التي يفرضها الغرب عليها واصفًا العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بـ"الغبية".

تبدو مواقف لوبان في سوريا أقرب إلى روسيا من ماكرون فقد صرحت بضرورة بقاء بشار الأسد في السلطة وترك الخيار للشعب السوري في تكوين دولته وهو الأمر الذي تدافع عنه روسيا بشدة.

الأبعد من ذلك استقبلت روسيا لوبان بكل ترحاب في سابقة هي الأولى التي يدخل فيها مرشح رئاسي للكرملين قبل فوزه، الأمر الذي أثار مزيدًا من الشكوك وعلامات الاستفهام، فهل روسيا متأكدة إلى هذا الحد من فوز لوبان أم أنها تغامر باستقبالها بخسارة علاقتها مع فرنسا حال فوز"ماكرون".

إن فوز رئيس شاب وسطي يحمل لفرنسا زادا أخلاقيا غاب عن لغة السياسة منذ سنوات، ويعيد لفرنسا دورها في تصويب التاريخ للافلات من قبضة اليمين والانتصار للتعددية والحرية.




اضف تعليق