الموت يوشك أن ينتزع من عميد الأسرى الفلسطينيين لقبه


١٣ مايو ٢٠١٧ - ١٠:٣٦ ص بتوقيت جرينيتش

 رؤية - محمد عبد الكريم

القدس المحتلة – بصوت خافت تتسرب منه نغمة حرقة القلب الأم التي على وشك ان تثكل نجلها المضرب عن الطعام لليوم الـ27 على التوالي، تقول العجوز الثمانينية صبحية وهبي يونس والدة الاسير كريم يونس (61 عاما) الذي يصارع الموت في مستشفى سجن الرملة، تقول لم يسمحوا لي ان المسه واشمه سوى مرة واحدة طوال 35 عاماً من سنين سجنه.

كريم او كما يطلق عليه الفلسطينيون لقب (عميد الاسرى) والذي تحلم والدته ان تراه داخلا عليه البيت في قرية عارة، في المثلث الشمالي في الداخل الفلسطيني، قبل ان يتخطف الموت احدهما هي لكبر سنها وهو لإضرابه المفتوح عن الطعام مع 1600 من رفاق اسره، في سبيل تحقيق مطالب انسانية من إنهاء سياسة الاعتقال الإداري، والعزل، ومنع زيارات العائلات، والعلاج.. وغيرها من المطالب المكفولة في القوانين والمعاهدات الدولية.

واعتقل الاحتلال الاسير يونس منذ 6/1/1983، وكانت المحكمة الاحتلال الإسرائيلية حكمت على كريم يونس عند اعتقاله بـ"الإعدام شنقاً"، وبعد شهر عادت محكمة الاحتلال وعدلت عن قرارها، وأصدرت حكماً بتخفيف العقوبة من الإعدام إلى السجن مدى الحياة، بالسجن المؤبد بتهمة "الانتماء إلى حركة فتح" المحظورة حينها، و"حيازة أسلحة بطريقة غير منظمة" و"قتل جندي إسرائيلي".

كُنت في إحدى مركبات البوسطة (مركبات نقل الأسرى)، متوجّها إلى معبر سجن الرملة، حين دخل علينا أسير شديد بياض الشعر، لا يعرفه منّا أحد، كانت خطواته ثقيلة، وقد ارتدى نظّارة سميكة استقرّت فوق عينيه الغائرتين في وجهه الحنطيّ، أثار السجن تدلُ عليه، وعلامات التعب ظاهرة على ملامحه، دخل على مهل، وجلس إلى جانبي بهدوء، وصمت، يروي الاسير محرر أحمد البيتاوي بعد خروجه من الاسر عن لقائهما في عربة نقل الاسرى.

ويضيف البيتاوي كان صوته (كريم يونس) خافتًا وكلامه بطيئًا، وددت مواصلة الحديث معه، لكنّي قررت ألّا أطيل، فقدامى الأسرى يفضّلون الصمت، ويؤثرون السكوت؛ لا يحبون الثرثرة وكثرة الكلام، لعلهم وبسبب تعاقب السنوات والعقود فقدوا الثقة بالكلام والكلمات، وملّوا مفردات اللغة، انطلقت البوسطة، وقف يونس على قدميه المقيدتين، وأمسك بقضبان حديد النافذة بيديه، والقيد يُحيط بهما أيضًا، وأخذ ينظر إلى الشوارع والناس، قال مُعلّقًا: هذه الفرصة لا تتكرر كثيرًا، أحرص على استغلال كل ثانية منها، فنحن لا نخرج في البوسطة إلّا عند العلاج، أو النقل من سجن إلى آخر.

ويتابع البيتاوي كطفل صغير، وقف كريم ينظر من حافلة روضته ليكتشف العالم الجديد من حوله، ينظر إلى السيارات، العمارات، الأشجار، الناس، السهول، الجبال، وبين الفترة والأخرى كان يفرك عينيه ويمسح نظارته بقميص الشاباص (لباس السجن)، لعلّ عينيه لم تعتادا مثل هذه المشاهد، ودماغه لم يأخذ وقتًا كافيًا لاستيعابها وحلِّ شيفرتها ورموزها وطلاسمها. طوال الطريق كنت أنظر إليه نظرة إشفاق وحزن، كان رجلًا نسيه السياسيّون وتجاوز عنه المفاوضون.

ويقول البيتاوي: بعملية حسابية بسيطة نجد أن هذا الرجل أمضى 12.410 أيام في الأسر، في كل يوم كان يُعدُّ ثلاث مرّات، وهذا يعني أن مصلحة سجون الاحتلال عدّته 37.230 مرّة، وأمضى 297.84 ساعة في الاعتقال، ولكم أن تتخيلوا كم مرة نبض فيها قلبه. كل نبضة كانت قاسية صعبة عليه. كم من أقاربه وأصحابه وجيرانه توفوا وهو بين جدران السجن؟ هو بالتأكيد لم يعد يتذكر أسماءهم. كم أسير ودّع قبل أن ينطلقوا للحرية ويتركونه خلفهم. كم مرّة تخيّل نفسه مكانهم؟

وأدى كريم يوسف فضل يونس، دورا كبيرا منذ البدايات في تأسيس الحركة الوطنية الأسيرة بالمعتقلات، وخاض الكثير من معارك الإضراب المفتوح عن الطعام من أجل حقوق المعتقلين وحمايتهم من الاستهداف الإسرائيلي.

كما رفض الاحتلال إطلاق سراحه ضمن عمليات الإفراج التي تمت عقب اتفاق أوسلو، وكذلك في صفقة شاليط، وكان يفترض أن يطلق سراحه ضمن صفقة إحياء المفاوضات في عام 2013 مع 29 آخرين من الأسرى القدامى ضمن دفعة رابعة وأخيرة لكن إسرائيل أخلت بالاتفاق ولم تطلق سراحهم.

وأثناء فترة اعتقاله تغير العالم كثيرا تحررت بروناي من بريطانيا، وكريم يونس ما زال في السجن.

* جاء غورباتشوف بالبروسترويكا وانهار المعسكر الاشتراكي وازداد عدد دول العالم وكريم يونس ما زال في السجن.

* سقط جدار برلين وكريم يونس ما زال في السجن.

* تغير 6 رؤساء أمريكيين وما زال كريم يونس في السجن

* فازت الأرجنتين وألمانيا مرتين والبرازيل مرتين وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا بكأس العالم وكريم يونس ما زال في السجن.

* انفجر تشيرنوبل وكريم يونس ما زال في السجن.

* قامت الانتفاضتان الفلسطينيتان الأولى والثانية وكريم يونس ما زال في السجن.

* وقعت معاهدات سلام بين إسرائيل والفلسطينيين وعادت القيادات الفلسطينية إلى المتاح من فلسطين وكريم يونس ما زال في السجن.
* تغيرت عشر حكومات في إسرائيل وكريم يونس ما زال في السجن.

* حدثت حرب الخليج الأولى، والثانية، وهوجمت العراق واحتلها الأمريكان وسقط صدام حسين، وكريم يونس ما زال في السجن.

* اغتيلت قيادات وسقطت قيادات وصعدت قيادات وتبدلت وجوه وكبرت مدن واندثرت مدن وكريم يونس ما زال في السجن.

* تغيرت خارطة العالم عبر الإنترنت والأي فون والكاميرات الحديثة ووسائل السفر والاتصال، وكريم يونس ما زال في السجن.

* حدثت صفقات تبادل وخرج مناضلون لم يكن من المتصور أن يخرجوا، وكريم يونس ما زال في السجن.

* انقلبت دول على أنظمتها وسقطت أنظمة وصعدت أنظمة، وكريم يونس ما زال في السجن.

* تغير السجن والسجان وكريم يونس ما زال في السجن.



اضف تعليق