"المعاملة بالمثل".. عُرف دبلوماسي أم عقابٌ دولي؟


١٣ مايو ٢٠١٧ - ٠٣:٣١ م بتوقيت جرينيتش

إعداد - حسام السبكي
كثيرًا ما نسمع عن منع دبلوماسيين أو سفراء دول أو شخصيات سياسية من دخولِ بلدٍ ما، والتي قد تتعداها إلى الأنشطة التجارية والاقتصادية بين الدول وبعضها، فيما عُرف بسياسة "المعاملة بالمثل"، والذي قد يظنه البعض لدى سماعه للوهلة الأولى أنها سياسة عقابية بين الدول، وهو مفهوم ليس بالدقيق.

في هذا التقرير، نستعرض تعريفًا لمبدأ "المعاملة بالمثل"، وأشكاله، وأبرز مظاهر استخدامه.

تعريف مبدأ المعاملة بالمثل

يُعرف موقع الموسوعة الدولية الحرة "ويكيبيديا"، مبدأ "المعاملة بالمثل"، في العلاقات الدولية والمعاهدات على أنه: هو تحديد للفوائد والامتيازات، أو العقوبات التي يتم منحها من خلال إحدى الدول للمواطنين أو الكيانات القانونية في دولة أخرى، على أن يتم الحصول على مميزات مماثلة لها في المقابل.

وقد مثلت الموسوعة الدولية على ذلك، باستخدام مبدأ المعاملة بالمثل، لتقليل التعريفة الجمركية، في المعاملات الاقتصادية والتجارية، وذلك منح حقوق التأليف ونشر الكتب للأجانب، على المستوى الثقافي، وتخفيف القيود المفروض على السفر ومتطلبات التأشيرات، في الأعراف الدبلوماسية وشؤون انتقال الأفراد، وكذلك على المستوى القانوني متمثلًا في الاتفاقات المرتبطة بتسليم المواطنين للعدالة أو محاكمتهم في دولهم الأم، بالنسبة للأجانب، أو تنفيذ أحكام صادرة من دولة وتطبيقها على مواطنين دولة أخرى في بلدهم.

المعاملة بالمثل في علم النفس الاجتماعي

لمبدأ المعاملة بالمثل، تعريف آخر، في علم النفس الاجتماعي، وهو يتمثل في الرد على فعلٍ إيجابي، برد فعل إيجابي آخر، كنوع من المكافأة لصاحبه الأول، وبنظرة اجتماعية أشمل، فإنها تعني الاستجابة لأفعالٍ تتسم بـ "المودة"، وذلك حين يكون الناس أكثر لطفًا وتعاونًا مما هو معتاد في النموذج القائم على المصلحة الذاتية، وكذلك على الجانب الآخر الرد بوحشية وعداونية في حال التعرض لأفعال عدائية وتتصف بالشر.

المعاملة بالمثل في السياسة الدولية

في السياسة الدولية يتوسع مفهوم "مبدأ المعاملة بالمثل" بشكلٍ أكبر، فهو يعني بشكلٍ مبدئي، أن تلجأ دولة لاتخاذ تدابير قهرية، تخالف القواعد المتعارف عليها للقانون، وذلك بهدف إجبار الدول الأخرى المعتدية على احترام القانون، وتقديم تعويضٍ للدولة المُعتدَى عليها لما لحق بها من ضرر.

وبالنظر إلى مبدأ "المعاملة بالمثل" على صعيد السياسة الدولية، فإنه حقٌ أصيلٌ للدولة المُعتدَى عليها، بهدف إجبار الدولة المعتدية على احترام القانون، وترجع فكرة المعاملة بالمثل تاريخيًا، إلى المجتمعات القديمة، حيث انتشر مفهوم العدالة الخاصة، بحيث يرد المُعتدى عليه بالمثل على أي عدوانٍ سابقٍ تعرض له، إلا أنه، ومع تطور النظم العقابية، وفلسفتها، تحولت العدالة الخاصة نحو السلطة العامة، وساد مبدأ الدفاع المشروع عن النفس والعرض والمال.

وفكرة المعاملة بالمثل، انتقلت تاريخيًا، من نطاق الأفراد إلى نطاق الدول، إلا أنه يختلف كثيرًا في الحالتين، ما بين الأفراد والدول، وهو الأمر الذي دفع بالفقه القانوني لوضع تشريعٍ ينظمه ويجعله معترفًا به، للأخذ به في حالات الضرورة الاستثنائية والخاصة والقصوى.

وينقسم مبدأ المعاملة بالمثل، في السياسة الدولية إلى شقين:

*المعاملة بالمثل في زمن السلم*

وهي الحالة العادية، التي تفرض على الدولة المُعتدى عليها، اتخاذ إجراءات قاسية، على الدولة المُعتدية، دون اللجوء إلى استخدام القوة المُسلحة، والتي من بينها، قطع العلاقات الدولية، أو فرض الحصار على السفن التجارية، أو حتى الامتناع عن تنفيذ المعاهدات التي تُلزم الدول في حال المُصادقة عليها.

أما عن استخدام القوة المُسلحة، في ظل ذلك المبدأ، فيكون من خلال مخالفة دولة للقاعدة الدولية الجزائية، مثل احتجاز سفن دولة خلال مرورها بالمياه الإقليمية لدولة أخرى، والاستيلاء على البضائع المحملة على متنها.

وفي زمن السلم، تحدد القواعد العرفية، مبدأ المعاملة بالمثل بين الدول، أما عن جانب استخدام القوة المسلحة، كمبدأ للمعاملة بالمثل، فنرى أن المواثيق والمعاهدات الدولية ترفضه، حيث أن تنص على عدم اللجوء إلى القوة من أجل فض المنازعات بين الدول، واعتماد طريق المفاوضات أو الوساطة أو التحكيم، وفي حال فشل كل ذلك، يتم اللجوء إلى مجلس الأمن للوساطة من أجل التوصل لحلٍ عادلٍ للنزاع.

*المعاملة بالمثل في زمن الحرب*

وقياسًا على المبدأ السابق، من لجوء الدول لاستخدام القوة، في حالة الدفاع عن النفس من الاعتداءات الخارجية، وكافة إجراءات الرد المناسبة عليها، تعتبر مشروعة، في ظل تلك الظروف المحيطة بالأحداث، رغم إنها - أي استخدام القوة المسلحة في المعاملة بين الدول - غير مشروعة في الأصل.

ولكن على الجانبٍ الآخر، فرغم مبررات ذلك المبدأ، وقوة حجته، إلا أن المجتمع الدولي قد فشل في وضع قائمة بالحالات الحرجة المُندرجة في نطاقه، إلا أنه، ووفقًا لنصوص المعاهدات والمواثيق الدولية، يمكن استخلاصه في زمن الحروب، بما يتعلق مثلًا بالأسرى بين الجانبين، وأحوال تشغيلهم، وغيرها من القواعد الاعتبارية في هذا الشأن، وأي إخلال فيها من جانب إحدى الدول يستوجب الرد عليه من جانب الدول الأخرى، ومن بين وسائل الرد تلك، أن يُسمح باللجوء لاستهداف المنشآت المدنية وغير المحاربين بالقصف، والتي تعد مبررة من أجل ردع الخصم، حتى لا يتعرض للمدنيين، رغم أن ذلك الأسلوب غير مشروع بالأساس.

والرد على الاعتداء، لا يكون مطلقًا، دون وضع ضوابط له، من بين الوسائل المشروعة والمسموح استخدامها، فلا يجوز مثلًا اللجوء لاستخدام وسائل غير إنسانية، أو مُحرمة وفقًا للأعراف والقوانين الدولية، وغيرها من الأفعال مثل احتجاز رهائن، أو قتل الأسرى أو تعذيبهم، سواءً كانوا من المدنيين أو العسكريين.

وقائع فشل المجتمع الدولي فيها بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل

على الرغم من كون الجمعية العامة للأمم المتحدة، هي الجهة المنوط بها، الفصل في المنازعات التي تلجأ إليها الدول فيها، بكافة مؤسساتها، إلا أن للمنظمة الدولية سوابق أنكرت فيها مشروعية المعاملة بالمثل، في العديد من الشكاوى التي رفعت إلى مجلس الأمن الدولي، ومن بينها العدوان الأمريكي على فيتنام الشمالية في عام 1965، والاعتداء الإسرائيلي على قرية "السموع" الفلسطينية في عام 1966، والاعتداءات المتكررة على لبنان، في أعوام 1968، و1969 ، و1970، وأيلول / سبتمبر1972، وتموز / يوليو 2006، والعدوان الأمريكي على العراق في آذار / مارس 2003، ورغم الحجج والذرائع الواهية التي ذكرتها الدول المعتدية، بما فيها مكافحة الإرهاب والقضاء على أسلحة الدمار الشامل، إلا أنها كانت كفيلة بتدمير مبدأ المعاملة بالمثل وفقًا للضمانة الدولية لتنفيذه.

مبدأ المعاملة بالمثل على مستوى المحاكم بين الدول

هناك وجه آخر لتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، وهو خاص بالمحاكم والقضاء، وهو يتعلق بالمحاكم الوطنية في الدول، وبمقتضى ذلك المبدأ، فإن المحاكم في إحدى الدول، لا تقبل تنفيذ حكمٍ قضائيٍ صادر عن محاكم في دولةٍ أخرى، إلا إذا كانت تلك المحاكم تقبل تنفيذ الأحكام الصادرة من المحكمة الأخرى، بنفس المقدار وفي نفس الحدود وفي نفس الظروف لدى الدولتين، على أن ذلك يتطلب احترام محاكم الدولة لأحكام القضاء في الدولة الأخرى، فإذا أخلت أحدهما به، وجب على الدولة الأخرى عدم تنفيذ الحكم القضائي الصادر من الدولة الأولى.
 
مبدأ المعاملة بالمثل في الإسلام

صورة أخرى وأخيرة من صور تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، تتجلى في عدة نصوص قرآنية، نورد من بينها، قوله تعالى في الآية 86 من سورة النساء: " وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا"، وهنا يحض المولى عزوجل المسلمين، على ما هو أكثر من مجرد المعاملة بالمثل، لتتواصل إلى ما هو أحسن منها، بحيث تكون المحصلة النهائية، هي أن يسود التآلف والإخاء والمودة الحقيقية بين جميع البشر.

كما تظهر أيضًا في قوله تعالى بالآية 190 من سورة البقرة، فيقول عز من قائل: " وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ"، وفي هذا توجيهٌ مباشرٌ للمؤمنين بالتمسك بأخلاقيات الحروب، ومراعاة حقوق الإنسان، وما تقتضيه، على ألا يقاتلوا، إلا من يقاتلهم من الأعداء، كما يشدد عليهم، ألا تمتد أياديهم بالاعتداء على الضعفاء والأبرياء، من غير المقاتلين، سوءًا من الأطفال أو العجزة وكبار السن أو النساء.


اضف تعليق