بعد تعاطف بابا الفاتيكان.. من هم أصحاب الديانات المنسية؟


١٥ مايو ٢٠١٧ - ١٠:٠٩ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - أميرة رضا

"الكثير من الأبرياء يتعرضون لمحنة شديدة، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين أو من أقليات مثل الإيزيديين الذين يعانون من العنف والتمييز بصورة مأساوية"، بهذه الكلمات استطاع البابا فرانسيس -بابا الفاتيكان- في عظته الإسبوعية، أن يوجه أنظار العالم إلى محنة أشخاص يعانون باستمرار من حروب وصراعات الشرق الأوسط.

كلمات قالها البابا فرانسيس كي يجعلنا نسلط الضوء على طائفة الأيزيديين، تلك الطائفة المضطهدة التي تعرضت على مر التاريخ لكثير من المذابح، بدءً من حملات التطهير في القرن التاسع الهجري، ومرورًا بحملات الأنفال الممتدة، ووصولًا لمذبحة "سنجار" الشهيرة.

وبالرغم من أن الإيزيديين أو اليزيديين -كما يسميهم البعض- تمركزوا منذ آلاف السنين في بلاد ما بين النهرين، إلا أن تسليط الضوء عليهم، والاعتراف بوجودهم ومحاولات التعرف إليهم، لم يتجلى إلا في السنوات الأخيرة، بعد أن سقطت بعض مدن العراق في أيدي الميليشيات الإرهابية "داعش" التي تطلق على نفسها تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق، وذلك بعدما ارتكبت هذه القوات الإرهابية، جرائم إبادة ومجازر بشعة، بحق الأقليات الدينية هناك، الأمر الذي جعل أنظار العالم تتجه صوب أصحاب هذه الديانات المنسية في محاولة للتعرف عليهم.

من هم الإيزيديون؟


الإيزيديون طائفة دينية تنتمي عرقيًا إلى الأصول الكردية، يتركز تواجدهم في العراق وسوريا، ويعيش أغلبهم قرب الموصل ومنطقة جبال سنجار في العراق، وتتواجد مجموعات أصغر في تركيا، وألمانيا وجورجيا وأرمينيا.

وبسبب معتقداتهم غير المألوفة، غالبًا ما يشار إليهم بغير وجه حق أنهم "عبدة الشيطان"، لذلك عمدوا إلى عزل أنفسهم في مجتمعات صغيرة انتشرت في مناطق متفرقة في شمال غربي العراق، وشمال غربي سوريا، والمناطق الواقعة جنوب غربي تركيا.

ويتكلم الإيزيديون اللغة الكردية وتعد هى اللغة الأم، بالإضافة إلى اللغة العربية أيضًا، خصوصا إيزيدية بعشيقة قرب الموصل، كما يؤدون جميع صلواتهم وأدعيتهم وطقوسهم باللغة الكردية.

ويقدر تعدادهم في العالم حسب أرقام لمنظمات تابعة للأمم المتحدة بحوالي 2,550,000 يزيدي يعيش حوالى 750 ألف منهم في العراق، و30 ألفًا في سوريا، ولم يبقى منهم أكثر من 500 نسمة في تركيا، بعدما كان عددهم أكثر من 25 ألف نسمة في بدايات الثمانينات، حيث هاجر غالبتيهم لأوروبا.

كما توجد أقليات منهم في أرمينيا وجورجيا تعود أصولها لتركيا، كما توجد أقلية صغيرة من الإيزيدية في إيران دون توفر معلومات عن تعدادهم.

طائفة "منزوية" تخشى الغرباء


يعد اسم الإيزيديين أحجية بحد ذاتها، إذ تقول الأبحاث الحديثة إن اسمهم مأخوذ من اللفظ الفارسي "إيزيد" الذي يعني الملاك أو المعبود، وتعني كلمة الإيزيديين ببساطة "عبدة الله" أو هكذا يصفون على أنفسهم.

ويطلق الإيزيديون على أنفسهم لقب "داسين"، وهي كلمة مأخوذة من اسم أبرشية تتبع الكنيسة المسيحية الشرقية القديمة، وهذا ما يفسر أن كثيرًا من معتقداتهم مستمدة من المسيحية، بينما تذهب أبحاث تاريخية أخرى إلى القول إن معتقدات هذه الطائفة منحدرة من ديانات فارسية قديمة مثل الزردشتية والمانوية.

وبحسب الأسطورة الإيزيدية، فإن شعبهم ينحدر من سلالة خاصة تختلف عن بقية البشر، فهم أبناء آدم فقط وبقية البشر أبناء آدم وحواء، وتعد الشخصيتان الأساسيتان في الديانة الإيزيدية هما: "عدي بن مسافر"، و"طاووس ملك" الذي ينظر إليه أنه المقابل للشيطان في الديانات الأخرى، وهذا هو سبب وصف أتباع الديانات الأخرى للإيزيديين بأنهم "عبدة الشيطان".

ويقول البعض إن الإيزيديين تعرضوا عبر التاريخ لـ72 إبادة جماعية، جعلتهم منزوين عن العالم متقوقعين اجتماعيًا، وبات الخوف من الغرباء سمة أساسية في مجتمعاتهم.

أنظمة وعبادات


تقسم الإيزيدية أتباعها وفق نظام معين من الطبقات وضع أسسه عدي بن مسافر نفسه، وهو مكون من ثلاث طبقات رئيسية هي:
"طبقة الشيخ" وهي الطبقة الأكثر تبجيلًا، والتي ينحدر أعضاؤها من الشيوخ الذين تجلت بهم الملائكة الستة.

"طبقة البير" وتعني بالكردية "العجوز"، وينحدر أعضاؤها من "بير علاء" وهو أحد أصحاب عدي بن مسافر.

"طبقة المريد" ويمثلون غالبية الإيزيديين، حيث أن كل من لا ينتمي لإحدى الطبقتين السابقتين، فهو من طبقة المريد.

ويحرّم التزاوج بين الطبقات، حيث لا يجوز أن يتزوج شخص من طبقة المريد من امرأة من طبقة الشيخ، والعكس صحيح.

ويقول الإيزيديون إنهم موحدون ولديهم كتابان مقدسان هما: كتاب "الجلوة"، و"رش" (الكتاب الأسود)، وهم يصلون خمس مرات في اليوم، ويصومون أكثر من مرة في السنة، وقبلتهم في صلواتهم هي الشمس باعتبارها "أعظم ما خلقه الله" -بحسب معتقداتهم- ويؤمنون بالتقمص وتناسخ الأرواح، ويُعمّد أطفالهم عند ولادتهم، ويشيع بينهم الختان وإن لم يكن إلزاميًا.

"إبليس" وذرية آدم.. والملك "طاووس"


بحسب دراسة أعدها الباحث "هشام بوتان"، يعتبر الإيزيديين أنفسهم طائفة موجودة منذ الأزل من نسل آدم وحده، إذ يعتقدون أن آدم وضع منيه في وعاء فأنبتت الذرية الإيزيدية منها، ثم خلق الله حواء ليتزوج بها وينجبون بقية البشر من غير الإيزيدية، وهم بذلك يعتبرون أنفسهم نسلًا له خصوصية.

وحسب الدراسة أيضًا تتفق الإيزيدية مع الإسلام في قصة رفض إبليس للسجود لآدم، ففي الرواية الإسلامية، التي أشار إليها القرآن الكريم، إلا أنهم يختلفون في النتيجة التي وردت في الشق الثاني من الآية حيث لا يعتقدون أن رفض إبليس أدى إلى عقابه، بل على العكس؛ يعتقدون أن الله قد كافأ إبليس بجعله رئيسًا للملائكة كونه الناجي الوحيد من الاختبار، لأن الله كان قد طلب من الملائكة بعد خلقهم أن لا يسجدوا لغيره، وبعد خلقه لآدم طلب منهم السجود له كنوع من الاختبار الذي لم ينجح فيه إلا إبليس؛ وبالتالي استحق أن يجعله الله رئيساً للملائكة، أي (طاووس ملك) حسب الإيزيدية، وهم يصلون له خمسة مرات في اليوم.

وفي تصور الإيزيديين للعالم، يرون أن الله خلق هذا العالم، وهو الآن تحت إشراف سبعة من الملائكة الذين يسمّون "السبعة الأخفياء"، أكبرهم هو "الملك طاووس" الذي يؤمن الإيزيديين أنه ليس مصدر الشر، ولكن مصدر الشر يكمن في قلب الإنسان.

لماذا يستهدف "داعش" الإيزيديين؟


تعرض الإيزيديون عبر التاريخ إلى 72 حملة إبادة شنت ضدهم لأسبابٍ مختلفة، تسببت هذه الحروب والمذابح بآثار ترسخت في النسيج الاجتماعي والعقلية الإيزيدية، فصار الانزواء عن العالم والتقوقع الاجتماعي والخوف من الغرباء سمةً أساسيةً لهم.

أما ما يواجهونه من اضطهاد مستمر في المنطقة التي يعيشون فيها في جبال سنجار غرب الموصل فيرجع في الأساس إلى الفهم المغلوط لحقيقة تسميتهم، حيث يعتقد المتشددون من السنة، أمثال تنظيم داعش الإرهابي، أن هذا الاسم يرجع إلى يزيد بن معاوية، ثاني حكام الدولة الأموية (647-683 ميلادية).

إلا أن دراسة حديثة أظهرت أن هذه التسمية لا علاقة لها بهذا الخليفة الأموي، أو حتى بمدينة يزد في فارس، بل هي مشتقة من الكلمة الفارسية "إيزيد" والتي تعني الملاك أو الإله.

ومع الانفلات الأمني الذي ساد العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين وتغلغل الجماعات الإرهابية وقيامها بحملات دموية استهدفت مختلف الجماعات والطوائف، دفع الإيزيديين فاتورة ثقيلة جراء الاستهداف المتواصل لهم من قبل هذه الجماعات.

ويذكر التاريخ مذبحة "سنجار" الشهيرة -تلك المدينة الجبلية التي تقع في شمال غرب العراق، ويسكنها ما يزيد عن عشرين ألف إيزيدي، وتعاني من صراعات طائفية- والتي اقترفتها ميليشيات داعش بعد انسحاب قوات البشمركة من شمال العراق، في أغسطس 2014، وراح ضحيتها 5000 إيزيدي، وهروب آلاف إلى جبل سنجار، وموتهم من الجوع والعطش والمرض.

الاستمرار رغم الاضطهاد


وعلى الرغم مما يواجهونه من تضييق واضطهاد لقرون، فإن الإيزيديين لم يتركوا دينهم أبدًا، مما يجعلهم يتميزون بهويتهم وقوة شخصيتهم.
وإذا ما طرد متطرفو "داعش" الإيزيديين من العراق وسوريا، فإن هناك احتمالية أكبر لأن يستقروا في مناطق جنوب غربي تركيا، حيث يمكنهم هناك أن يمارسوا معتقداتهم في سلام.



اضف تعليق