عالم "ماغريت" الوهمي.. إغلق عيناك لترى!


٢٢ مايو ٢٠١٧ - ١١:٣٣ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

عندما يصف "سلفادور دالي" رينيه ماغريت بأنه أول رسّام سريالي حقيقي فلا بد أن ننتبه لأهمية هذا الوصف ماغريت أحد أشهر فناني بلجيكا في القرن العشرين.
انفرد ماغريت دون غيره من السرياليين بتوظيف الأشكال والواقع، لكن في سياقات غير مألوفة ومبتكرة، وقد استطاعت قوالبه الغريبة أن تلامس شغاف القلب وتعكس مفاهيم الحياة على طبيعتها بشكل أكثر عمقًا من الواقع المباشر.
يستحضر "ماغريت" أفكار فلسفية لاهوتية عميقة في لوحاته ويبثها بانسيابية لاشعورية يتلقاها المتذوق على استحياء وباندهاشة لاسبيل لمنعها.

خيانة الصورة


النفس البشرية ونزواتها ورغباتها كانت حاضرة بقوة في أغلب لوحات "رينيه"، هذه النفس بما تحويه من مشاعر على اختلافها تكبل الإنسان وقدرته على سبر أغوار الحقيقة ومعرفة العالم من حوله .

فالكراهية والحب، الغرور والإثار، كل المشاعر السلبية والإيجابية على السواء هي حواجز تؤدي للجهل وتسبب المعاناة والألم.

فهل تأثر "ماغريت" بالبوذية؟ تلك التي تبحث في أسرار العقل وتفسيراته وترى العالم وحدة واحدة كلًا لايتجزأ؟

تحوي مضامين لوحات " رينيه" الكثير من مضامين البوذية، على سبيل المثال لوحتا " خيانة الصور" و"المرأة المزيفة" عكستا إحدى أهم مبادئ البوذية وهي ضرورة تخلص الإنسان من فهمه الخاطئ للنفس ليتمكن من فهم العالم من حوله ومن ثم الانتصار على الألم والارتقاء إلى مرحلة "النيرفانا".

لقد كشف "ماغريت" خطورة القشور والمعرفة السطحية التي يركن إليها الإنسان، فالسبيل الوحيد للفهم أن لا نثق في الحواس فالعين المجردة ليست هي السبيل لرؤية حقيقية.

هنا يتبع ماغريت البوذية إذ سئل أحد معلمي البوذية كيف ترى الأشياء بوضوح؟ فأجاب: أغلق عينيّ.

تعد الستائر تيمة أساسية في لوحات "ماغريت" ويستخدمها إلى جوانب اللوحات لينقلنا إلى أجواء المسرح، الستائر تحد مقدرة الإنسان على الرؤية وتخفي ما حولها فلا يرى الناظر سوى جزء من الصورة، وهذا ما فعله في لوحة " مذكرات قديس" على سبيل المثال تمثل هذا الجزء غير المرئي من اللوحة التي تمثل في مجملها ما يرتبط بالقديس من حسنات وسيئات وجنة ونار ليفتح بذلك باب التفسيرات المختلفة للوحة في غاية البراعة.

الحياة عند "ماغريت" لغز غير مفهوم يتعذر فك طلاسمه، فطبيعة الإنسان تدفعه إلى أن لا يرى سوى ما يريد رؤيته ولا يبحث سوى عن ما يريد البحث عنه، فالإدراك عنده مرتبط بطبيعة التوقعات.

البحث عن الغليون


يحاول "ماغريت" في أغلب لوحات أن يخاطب العقل ويوصل فكرة أساسية فحواها" أن يجعل الأفكار مرئية".

في كتاب له صدر عام 1973 بعنوان " هذا ليس غليونًا" حلل الفيلسوف ميشيل فوكو لوحة "ماغريت" بشكل فلسفي عميق، ليوضح ذلك التناقض بين التشكيلي واللغوي في محاولة منه لانتقاد أدوات التعبير بوصفها تحاكي نماذج وعدم قدرتنا في المجمل على تعيين ما هو حقيقي.

فهل الغليون موجود وفقًا للرسم؟ أم أن عبارة " هذا ليس غليونًا " المكتوبة تحت رسم الغليون هي الصحيحة؟ .

هذه الحيرة التي تعترينا ونحن نطالع لوحات "رينيه" ليست سوى تعبير عن عبقرية منقطعة النظير.

الفن للفن



"العاشقان" إحدى أشهر لوحاته تلك اللوحة تصرخ بصمت " الحب أعمى" وتستحضر المعنى الفرويدي لللاوعي الذي يحضر بقوة في حالة العشق.

لقد آن أوان هجر الرسم التقليدي الذي يحاكي الواقع، هكذا صاح "ماغريت" في مواجهة استهجان النقاد وسخط العامة.

يزيح ماغريت الطبيعة من مكانها ليثبت دور الفن الحر الخلاق في ابتكار عوالم متعددة ذات معاني وإمكانيات أكثر اتساعًا.

إن توظيف السخرية والمفارقات ونسبية الزمن والحقيقة والأخلاق وضبابية مفاهيم الهوية وعدم وجود تمايز بين الثقافات والتشكك في الفرضيات والمسلمات هي أفكار عصر ما بعد الحداثة والتي ظهرت بقوة في لوحات السريالية.

"الفن للفن" الجمال قيمة نسبية ومحاولة الوصول لمثل أعلى هي محض عبث، وإلا سنحصل على ملامح جامدة دون روح.

يظهر ذلك في لوحة "محاولة المستحيل" والذي يصور فيها نفسه وهو يرسم موديلًا عارية هي زوجته ويرسمها بملامح تمثالية وذراع واحدة.
اجتهد "ماغريت" لينقل لنا ما لا يمكن نقله من خلال الصورة، فالصوت الذي يسافر عبر الصمت والعوالم الخفية، الكائنات الدقيقة الإشارات الذبذبات الهمهمات غير المسموعة كلها لا ترى بالعين لكنها جزء لا يتجزأ من عالمنا الأكبر.

طير وبيضة وتفاحة



البيضة والطير والتفاحة، رموز استخدمها "ماغريت" بكثافة، البيضة ليست مجرد بيضة فهي ترمز لأصل العالم والولادة في بعض الثقافات كلوحة طفل الجيوبوليتك لدالي على سبيل المثال التي تشير إلى الانبثاق الجنيني.

الطير هو الفناح بجناحين وهو القادر على التحليق عاليًا وتحدي صره والخروج عن السياق واكتشاف العوالم البعيدة.

 أما التفاحة فلها أهمية خاصة، فهي علامة فارقة في الكثير من لوحات "ماغريت" وتمثل صورة مجازية للخطيئة والإغراء والجاذبية في بعض الأحيان وقد ترمز لاختراع  أو ابتكار أو فكرة علمية فهي ليست مجرد ثمرة فاكهة.

عن الحرية



تُشع لوحات "ماغريت" بسيل جارف من الحرية سواء عن طريق مزج الألوان الدافئة وخاصة اللون الأزرق والتركيز على السماء والبحر أو مخاطبة عقل الإنسان وهي اقصى درجات الحرية.

إن أكوان "رينيه" مشبعة بالحرية ترتكز في أساسها على الوجود الإنساني والمصادفات غير المتوقعة والحقيقة وشغف اكتشافها الدائم، هي محاولة لتحرر من سلطات الحواس والتفكير التقليدي المقولب.

الإعلام والمخيلة



لم يهتم "ماغريت" بالنقد الذي وجه إليه عندما وصفت أعماله بالجمود والثبات، يقول "لا يهمّني قيمة لوحاتي بعد مائة عام، ربما تكون قد فقدت صلتها بالواقع وأصبحت شيئا من الماضي، المهم هو أن يكتشف الناس في ذلك الوقت ما اكتشفته أنا وإن بطريقة مختلفة".

أصبحت رسالته الآن أعلى صوتًا لاسيما بعد تطور مجال الاتصال والتكنولوجيا والعوالم الافتراضية التي أصبحت أحدى سمات العصر والتي كانت ظاهرة بقوة في لوحاته.

ففي هذه المجتمعات من الصعب التمييز بين الواقع والخيال وهي فكرة من وحي أعمال "ماغريت".

لقد أثر "رينيه" بقوة في الإعلان والدعاية فهما يستخدمان نفس "اللغة" الإغراق في الخيالي عالم "ماغريت" غصب غني بالفانتازيا وهو الأسلوب الأقرب والأكثر استخدامًا لدى المتخصصين في هذا المجال فرسوماته يسهل تطويعها لخدمة متطلباتهم.

لقد ساهمت صور"ماغريت" بقوة في تشكيل مخيلة الناس البصرية طيلة عقود، لتصبح أكثر صور الفن الحديث استنساخًا في القرن العشرين دون منازع.

لا تزال لوحات هذا العبقري "الممسوس" إن جاز لنا التعبير حية نابضة نطالها على أغلفة الروايات والأفلام والمسرحيات فهي الأقرب بعصر ما بعد الحداثة والأكثر تعبيرًا عن روحه وجنونه وشغفه الدائم بالاختلاف والتغيير.




الكلمات الدلالية رينيه ماغريت لوحات عالمية

التعليقات

  1. معتز يسرى ٠١ يونيو ٢٠١٧ - ١٠:٢٧ ص

    اختيارات جميلة ورائعة وشر جميل لمعنى اللوحة

اضف تعليق