مدفع الإفطار.. عندما يفرح الصائمون


٢٨ مايو ٢٠١٧ - ٠٩:٣٥ ص بتوقيت جرينيتش


كتب - عاطف عبد اللطيف

مدفع الإفطار.. اضرب.. كلمات يعشقها وينتظرها كل مسلم صائم في كل مكان عند مغيب شمس كل يوم من أيام شهر رمضان المعظم، وبطل هذه الجملة هو المدفع الذي ارتبط دويه في وجدان الإنسان باجتماع شمل العائلة والدفء الأسري مهما سافر أو ارتحل بعيدًا، ولمدفع رمضان حكايات وقصص وتاريخ كان في بعضها البطل الرئيسي، وفي الأخرى الراوي ولكنه رغم ذلك ما زال يثير في نفوسنا دومًا الحنين إلى رمضان ولياليه.

ويعتبر مدفع الإفطار من أهم مظاهر الاحتفال بقدوم شهر رمضان، وهو عبارة عن مدفع يستخدم كأداة وتقليد في بعض الدول الإسلامية والعربية للإعلان عن موعد الإفطار، حيث يشير التاريخ إلى أن المسلمين في شهر رمضان كانوا أيام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يأكلون ويشربون من الغروب وحتى وقت النوم، وعندما بدأ استخدام الأذان اشتُهر بلال وابن أم مكتوم بأدائه، وحاول المسلمون على مدى التاريخ أن يبتكروا الوسائل المختلفة إلى جانب الأذان للإشارة إلى موعد الإفطار، إلى أن ظهر مدفع الإفطار، وكانت القاهرة عاصمة مصر أول مدينة ينطلق فيها مدفع رمضان.



أصل المدفع

هناك بعض الروايات عن أصل مدفع الإفطار منها، أنه عند غروب أول يوم من رمضان عام 865هـ, أراد السلطان الظاهر "خشقدم" في مصر أن يجرب مدفعًا جديدًا وصل إليه، وقد صادف إطلاق المدفع وقت المغرب بالضبط مما جعل الناس يظنون أن السلطان تعمد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين إلى أن موعد الإفطار قد حان، فخرجت جموع الأهالي إلى مقر الحكم تشكر السلطان على هذه البدعة الحسنة التي استحدثها، وعندما رأى السلطان سرورهم قرر المضي في إطلاق المدفع كل يوم إيذانًا بالإفطار ثم أضاف بعد ذلك مدفعي السحور والإمساك.

وهناك رواية أخرى أن ظهور المدفع، جاء عن طريق الصدفة، فلم تكن هناك نية مبيتة لاستخدامه لهذا الغرض على الإطلاق، حيث كان بعض الجنود في عهد الخديوي إسماعيل يقومون بتنظيف أحد المدافع، فانطلقت منه قذيفة دوَّت في سماء القاهرة، وتصادف أن كان ذلك وقت أذان المغرب في أحد أيام رمضان، فظن الناس أن الحكومة اتبعت تقليدًا جديدًا للإعلان عن موعد الإفطار، وصاروا يتحدثون بذلك، وقد علمت الحاجة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل بما حدث، فأعجبتها الفكرة، وأصدرت فرمانًا يفيد باستخدام هذا المدفع عند الإفطار، والإمساك وفي الأعياد الرسمية.



مدفع المقطم

وفي منتصف القرن التاسع عشر وتحديدًا في عهد الخديوي عباس الأول عام 1853م كان ينطلق مدفعان للإفطار في القاهرة: الأول من القلعة، والثاني من سراي "عباس باشا الأول" بالعباسية، وفي عهد الخديوي "إسماعيل" تم التفكير في وضع المدفع في مكان مرتفع حتى يصل صوته لأكبر مساحة من القاهرة، واستقر في جبل المقطم، حيث كان يحتفل قبل بداية شهر رمضان بخروجه من القلعة محمولاً على عربة ذات عجلات ضخمة، ويعود بعد نهاية شهر رمضان والعيد إلى مخازن القلعة ثانية.



تطور وإبداع

تطورت وظيفة المدفع فكان أداة للإعلان عن رؤية هلال رمضان، فبعد ثبوت الرؤية تنطلق المدافع من القلعة ابتهاجًا بشهر الصوم علاوة على إطلاقه 21 طلقة طوال أيام العيد الثلاثة.

وهكذا استمر صوت المدفع شيئًا أساسيًا في حياة المسلمين والمصريين الرمضانية من خلال المدفع الذي يعود إلى عصر "محمد علي" إلى أن ظهر الراديو، فتوقف إطلاقه من القلعة في أحيان كثيرة، وإن ظل التسجيل الصوتي له يذاع يوميًا عبر أثير الراديو والتليفزيون، إلى أن قرر المسئولون أن تتم عملية بث الإطلاق على الهواء في أذان المغرب من القلعة، حيث قرر وزير الداخلية المصري "أحمد رشدي" في عام 1983 إعادة إطلاق المدفع من "قلعة صلاح الدين الأيوبي" طوال رمضان في السحور والإفطار فعاد للمدفع دوره ورونقه.



مكوناته

مدفع الإفطار هو عبارة عن ماسورة من الصلب ترتكز على قاعدة حديد يتوسطها عجلة لتحريك ماسورة المدفع، وترتكز من ناحية على الأرض ومن ناحية أخرى على محور حديدي يتوسط عجلتين كبيرتين من الخشب أو الحديد تساعدان في تحرك المدفع من مكان إلى آخر.

وكان يستخدم في المدفع الذخيرة الحية حتى عام 1859م، لحين امتداد العمران حول مكان المدفع قرب قلعة صلاح الدين، وكثرة الشكاوى من تأثير الذخيرة الحية على مباني القلعة، فتم نقله من القلعة إلى نقطة الإطفاء في منطقة مدينة البعوث قرب جامعة الأزهر بالقاهرة، كما ظهر جيل جديد من المدافع التي تعمل بالذخيرة غير الحقيقية، واستبدلت في ما بعد "بالبارود" الخفيف.

وكان المدفع الأول إنجليزيًا، ثم تحول إلى ألماني ماركة كروب، ومؤخرًا أصبحت تطلق خمسة مدافع مرة واحدة من خمسة أماكن مختلفة بالقاهرة، حتى يسمعه كل سكانها، لكن أدى اتساع وكبر حجم العمران وكثرة السكان وظهور الإذاعة والتلفزيون إلى الاستغناء تدريجيًا عن مدافع القاهرة، والاكتفاء بمدفع واحد يتم سماع طلقاته من الإذاعة أو التلفزيون.



مؤثر صوتي

كانت آخر مرة أطلق فيها مدفع القلعة في مصر عام 1992، وصار ما يسمعه الصائمون في الراديو أو يرونه في التلفزيون مجرد مؤثر صوتي.


الكلمات الدلالية مدفع الإفطار

اضف تعليق