احتجاجات الحسيمة.. تطلق صافرة الإنذار في المغرب


٢٩ مايو ٢٠١٧ - ٠٧:٥٠ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – دعاء عبدالنبي

احتجاجات ليست بالجديدة، خرجت قبل 6 أشهر ضد تهميش الحكومة المغربية لمطالب المحتجين بتوفير فرص عمل... ولكن مع كثرة الوعود ومحاولة حل الأزمة عبر منابر المساجد، عادت الاحتجاجات من جديد لتتحول لصدامات مع قوات الأمن عقب قرار اعتقال زعيم الحراك "ناصر الزفزافي" وبعض الناشطين في مدينة الحسيمة، ما أسفر عن اندلاع الاحتجاجات في عدة مدن أخرى، عدها المراقبون اختبارًا للديمقراطية قد تجيب عنه الأيام المقبلة.



بداية الأزمة

شهدت مدينة الحسيمة خلال الـ 6 أشهر الماضية احتجاجات شعبية ضد تهميش الحكومة لمطالب المحتجين في توفير فرص عمل تضمن لهم حياة كريمة، لتأتي احتجاجات اليوم استكمالًا للاحتجاجات المستمرة منذ أكتوبر الماضي ، وذلك عقب  تعرض الشاب محسن فكري لعملية طحن بشاحنة النفايات بميناء الحسيمة ، عقب مصادرة السلطات لصناديق سمكه ورميها في ذات الشاحنة بدعوى أنها محملة بأسماك ممنوع اصطيادها.

وعلى طريقة بو عزيزي في تونس ، خرج الآلاف من الشباب في المدينة احتجاجًا على ما حدث لذلك الشاب محسن فكري، وظلت الشعارات الاجتماعية هي المطلب الأساسي للمحتجين، فمنطقة الريف بشمال المغرب تعرف بأنها من أكثر المناطق ارتفاعًا في نسبة البطالة وخصوصًا بين الشباب، كما أن المنطقة لا تشهد رواجًا اقتصاديًا أو مشاريع تنموية.

وخلال تلك الفترة ظهر ما يعرف باسم "حراك الريف"، والذي استمر في تنظيم أشكال احتجاجية متعددة كان آخرها إضراب ومسيرة الخميس 18 مايو من الشهر الجاري، في واحدة من أكبر المسيرات التي تم تنظيمها، لمطالبة الدولة بتوفير الاحتياجات الاقتصادية للريف.

وتجددت تلك المظاهرات منذ الجمعة الماضية لتفقد سلميتها بعد صدامات بين قوات الشرطة والمحتجين، أسفرت عن إصابة ثلاثة من قوات الأمن ، وسط إجراءات أمنية مُشددة بمدينة الحسيمة المغربية.



"كلنا الزفزافي"

تصاعدت الأزمة، حينما وصف أئمة المساجد في خطبة الجمعة الماضية، احتجاجات "الحراك" بـ"الفتنة"، وهو ما دفع بعض المصلين للانسحاب وتظاهر البعض الآخر وسط وخارج "مسجد محمد الخامس" بمدينة الحسيمة.

وكان من بين الرافضين لخطبة الجمعة، زعيم الحراك ناصر الزفزافي، فوجه كلمته لإمام المسجد قائلاً: "أقول لك كما قال عمر بن الخطاب: إن رأيتم مني اعوجاجًا فقوّموني"، مطالبًا ألا تتحول المساجد لأماكن للهجوم على المخالفين للسلطة في الرأي.

وعقب تلك الواقعة، اندلعت الاحتجاجات في مدينة الحسيمة ومدن أخرى، وتصاعدت مع صدور القرار باعتقال "ناصر الزفزافي" بتهمة وقف صلاة الجمعة وإهانة الخطيب، ما تسبب في توالي اندلاع الاحتجاجات بشوارع مدينة الحسيمة وغيرها من المدن، فضلًا عن اعتقال نحو 20 ناشطًا في الحراك على خلفية تلك الاحتجاجات.

وجاء في بيان الاعتقال الصادر من السلطات المغربية: إن "الزفزافي منع الإمام من إكمال خطبته، وألقى داخل المسجد خطابًا تحريضيًا أهان فيه الإمام، وأحدث اضطرابًا أخل بهدوء العبادة ووقارها وقدسيتها، وفوت بذلك على المصلين صلاة آخر جمعة من شهر شعبان".

وتضاربت الأنباء بعد ذلك عن مصير "الزفزافي" ، وما إذا تم القبض عليه من عدمه، إلا أن البعض أشار إلى أن الزفزافي ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي في وقت لاحق وبث شريطًا مصورًا من مكان مجهول وأكد لأنصاره أنه حر وحثهم على الالتزام بالهدوء.

جدير بالذكر أن قانون العقوبات ينص على معاقبة من يعرقل الشعائر الدينية بالسجن لفترة تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات وبغرامة.

ووسط إجراءات أمنية مُشددة، هتف المحتجون "دولة فاسدة" و"كرامة" و"كلنا زفزافي"، عقب صلاة التراويح بالأمس، في الحسيمة والناظور وطنجة والدار البيضاء والرباط، في إشارة لتوالي الاحتجاجات لحين رد الحكومة على مطالبهم.


ترقب حكومي

من جانبها، بدأت الحكومة المغربية في إجراءات التصدي لأطراف وصفتهم بأنهم يستغلون المطالب الاجتماعية لسكان منطقة الحسيمة لزعزعة استقرار المغرب، فقامت باعتقال 20 شخصًا ممن يقودون الاحتجاجات منذ 6 أشهر، ووجهت لهم تهم "تهديد الأمن الداخلي والحصول على تحويلات مالية ولوجيستية دعائية لتقويض وحدة أراضي المغرب".

وفي محاولاتها لاحتواء حالة الاستياء المتصاعدة، بادرت الحكومة منذ فترة بالإعلان عن مشاريع تنموية واقتصادية بالمنطقة، وأرسلت وفودًا وزارية في الأشهر الستة الأخيرة، لكنها عجزت عن تهدئة الاحتجاجات.

وكان الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي، قد شدد على ضرورة اعتماد الحوار والإنصات لإيجاد الحلول لمعالجة المطالب المطروحة في إطار الإمكانات المعبأة، باعتبار أن هذه المطالب مشروعة وتعبر عن مشاكل ومتطلبات معقولة.

من جانبه، قال العاهل المغربي محمد السادس إن الإدارة تعاني "من التضخم ومن قلة الكفاءة وغياب روح المسؤولية لدى العديد من الموظفين"، لافتًا إلى أن "إصلاح الإدارة يتطلب تغيير السلوكيات والعقليات، وجودة التشريعات، من أجل مرفق إداري عمومي فعال، في خدمة المواطن".

ويبدو أن السلطات المغربية تتعامل مع المظاهرات بحذر وقلق كبيرين برفعها لإجراءاتها الأمنية، وذلك خشية تكرار موجة المظاهرات التي شهدتها البلاد عام 2011، والتي دفعت العاهل المغربي محمد السادس لإجراء إصلاحات دستورية ونقل بعض صلاحياتها إلى حكومة منتخبة.

يذكر أنه عقب ثورتي تونس ومصر في 2011، خرجت مظاهرات بالمغرب عرفت باسم "20 فبراير" رافعة مطالب العيش بكرامة وحرية ، ولكن نتائجها كانت مختلفة، بعدما قرر العاهل المغربي محمد السادس حزمة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية وأعاد صياغة الدستور تبعها انتخابات حقيقية أفرزت برلمان عكس الاختيار الشعبي .

احتجاجات مشتعلة واعتقالات مستمرة بين صفوف المحتجين، وتهميش يعانيه أهالي الشمال لسوء الأوضاع الاقتصادية، ومظاهرات قد تواجه بمزيد من العنف من قبل الأجهزة الأمنية.. مشاهد تلخص حالة الاحتقان في المغرب، وسط حالة من الاستنفار والترقب لما قد يحدث خلال الأيام المقبلة.


اضف تعليق