شارع المعز.. رحلة يُقرئنا فيها الحجر تاريخا لم تذكره الكتب


٠٥ يونيو ٢٠١٧ - ٠١:٣٥ م بتوقيت جرينيتش

أماني ربيع

يبدو وكأنه قبضة أمينة على ثمين المعمار الإسلامي المميز لفترة العهد الفاطمي والمملوكي، مُتحفًا يفتح فيه الحجر أحضانه في رحلة تقرأ معها بحواسك الخمس تاريخا لم تذكره الكتب.

هل هو متحف أو مجرد مزار أثري هل هو سوق تجاري ببساطة هو مدينة تاريخية متكاملة حطت رحالها في قاهرتنا الحديثة ببيوته ذات المشربيات تغويك وكأنها تخبئ وراءها حسناوات ألف ليلة وليلة، وشوارعه الشاهدة على سنين طويلة من عمر المحروسة.

نهرا من الجمال يتدفق في قلب القاهرة عصيا على الاندثار رغم زحف السنين وعشوائية البشر، إنه شارع المعز أكبر متحف مفتوح للآثار الأسلامية في العالم.

يبخس من قدره من يصفه بشارع فهو حياة ولو أن للحجر أن ينطق كان تكلم شعرا عن أنامل مبدعة حفرت بوجعها بديع النقوش والزخارف.

يعود تاريخ شارع المعز إلى تاريخ إنشاء القاهرة الفاطمية عام 969 ميلادياً يحده باب النصر وباب الفتوح شمالاً، وسُمي بهذا الاسم نسبة إلى المعز لدين الله الخليفة الفاطمي الذي أرسل قائده جوهر الصقلي إلى مصر ليبني الحلواني تحفته الخالدة.. القاهرة.

يعتبر شارع المعز وليمة غنية ومتنوعة من المعمار الذي يرجع تاريخه إلى مجموعة عصور متوالية منذ أُنشئت القاهرة الفاطمية وعبر العصور المختلفة منذ العصر الفاطمي إلى العصر الأيوبي والعصر المملوكي، كما يضم الشارع أيضا آثارًا من العصر الشركسي والعصر العثماني وصولا إلى عصر محمد علي، معمارا فاتنا يزخر بالروحانيات والجمال الذي يشهد بروعة المعماري المصري الفنان.

يمتد شارع المعز لدين الله الفاطمي من باب الفتوح مروراً بمنطقة النحاسين، ثم خان الخليلي، فمنطقة الصاغة ثم يقطعه شارع جوهر القائد -الموسكي حاليا- ، ثم يقطعه شارع الأزهر مروراً بمنطقة الغورية والفحامين، ثم زقاق المدق والسكرية لينتهي عند باب زويلة.

يضم شارعنا كوكبة من أجمل الآثار الإسلامية بالعالم يصل عددها إلى 29 أثرًا، حيث تنفرد تلك الآثار برونق خاص من حيث جمال ودقة وتنوع وضخامة العمارة والزخرفة، وتتميز ليس فقط بمساجدها الشامخة، بل تضم أيضا مدارس ومدافن وبيمارستانات -مستشفيات-  وأسبلة وكتاتيب وقصوراً.

نذهب معكم الآن في رحلة يأخذنا فيها شارع المعز إلى عصر ماض من السحر والإبداع.

مسجد السلطان قلاوون..  درة معمار العهد المملوكي


وكأنك جزء من ملحمة تاريخية بطلها المعمار على النسق الإسلامي تقابلك البوابة البديعة لمدرسة وقبة السلطان قلاوون وكأنها خازن لأسرار عصر ماضي بسحره وأمجاده.

تذهلك دقة التصميم وإبداع العامل المصري في صنع منمنمات من النقوش الحجرية والرسومات الملونة على الجدران والأسقف التي ترتفع في علو مهيب يجبرك على الشعور بعظمة الأسلاف.

تحمل اليافطة المعلقة على التحفة الفنية الكائنة في شارع المعز لدين الله الفاطمي عبارة «مدرسة وقبة السلطان الناصر محمد بن قلاوون»، لكن بمجرد أن تطأ بقدميك أرض الأثر ستشعر وكأنك في رحاب مدينة كاملة منسقة ومهندسة في براعة مدهشة.

بمجرد دخولك من الباب الرئيسى يخطفك براح المساحة الشاسعة وارتفاع «البوائك» أو العواميد التي تحمل القباب بينما تتدلى القناديل النحاسية كعناقيد منيرة تضئ أركان المكان الذي يعتبر درة آثار العهد المملوكي والذي بني في عهد السلطان قلاوون عام (1285م) واستغرق بناؤه 14 عشر شهرا فحسب، كمسجد ملحق به بيمارستان ومدرسة لتعليم علوم القرآن إضافة إلى قبة وضريح دفن به.

أما المئذنة فتعد أضخم مئذنة بنيت في مصر، وتقع بالطرف الشرقي من الواجهة، وتتكون من ثلاثة طوابق، مزخرفة بعقود على هيئة حدوة الفرس، أما الطابق الثالث فمزخرف بعقود ذات زخارف بارزة.

بينما المحراب الذي يعد أحد أجمل وأكثر المحاريب فخامة فمصنوع من الرخام تزينه رسوم وزخارف بديعة، بينما يحتوى المدفن على مجموعة من الشبابيك المفرغة والملونة التى تعكس أشعة الشمس بألوان زاهية.

مسجد الأشرف برسباي


كان صبيًا مملوكًا وأعتق ليترقى في السلطة حتى حتي نجح في اعتلاء عرش مصر سنة 1422م، وحكم مصر لمدة ستة عشر عامًا إنه الأشرف أبوالنصر برسباي الذي خلد سيرته بين جدران مسجدًا بديعًا ينطق بجمال الهندسة وحسن الزخرف.

يقع المسجد الذي أنشئ عام 1424م، بشارع المعز لدين الله عند تلاقيه مع شارع جوهر القائد، وإذا قررت عبور بوابته فاعلم أنك على موعد مع رحلة يحملك فيها الحجر والزخارف الملونة والقناديل المنقوشة بالخط العربي إلى أعماق تاريخ مصر المملوكية.

يستقبلك المسجد بذراعي البراح، يلفتك ارتفاع الجدران الحجرية الشاهق فتتنبه تلقائيا إلى سقف الإيوان الغربي المقابل لايوان القبلة الذي فقد سقفه الأصلي وحل محله سقف آخر، يبدو السقف عامرا بالتفاصيل تآكلت نقوشه المذهبة الجميلة بفعل الزمن، بينما قناديل الإضاءة تتدلى وكأنها تسترق السمع لجلسات العلم التي كانت تتردى أصداءها بين جنبات المسجد.

لم يبق من أسقف المسجد سوي سقف الإيوان الغربي المقابل، وهذا السقف يماثل سقف ايوان القبلة بمسجد برقوق فهو غني بنقوشه المذهبة الجميلة.

إذا تمعنا في التفاصيل بين النوافذ المصنوعة من الزجاج المعشق، أو المشربيات التي تخترق الجدران الأثرية بقوة الأرابيسك.

المدهش في مسجد برسباي هو صناعة الرخام التي اتسمت بقدر كبير من الدقة والإتقان، كذلك الشبابيك الجصية المفرغة والمحلاة بالزجاج الملون، جمعت بين براعة التصميم ودقة الصناعة.

المنبر الخشبي حافل بالتطعيم بالسن والزرنشان كغيره من منابر المساجد التي أنشئت في القرن التاسع الهجري ـ الخامس عشر الميلادي.
جامع الحاكم بأمر الله.. جوهرة إسلامية في سماء قاهرة المعز.


يقابلك في نهاية جولتك بالشارع الذي ينتهي بباب الفتوح جامع «الحاكم بأمر الله» ثاني أشهر المساجد الجامعة التي تم تشييدها في مصر الفاطمية بتصميمه الراقي، واحتوائه على أكبر صحن مسجد في مصر حيث تبلغ مساحته نحو5330 متر مربع تقريبا.

الجامع لم يكن مجرد مكانا للصلاة، بل أصبح دارا للعلم بعد سماح “الحاكم بأمر الله” لعلماء الأزهر بالتدريس واللتحاق به ليصبح الجامعة الرابعة في مصر بعد جامع عمرو بن العاص وجامع أحمد بن طولون وجامع الأزهر.

هدوء عجيب يغمرك بمجرد دخول الجامع الذي يترامى أمام ناظريك في مساحة شاسعة تبلغ 16200 متر مربع، هذا البراح الذي يصعد بروحانياتك إلى السماء في سمو صوفي.

تتميز عمارة الجامع بالكتابات الكوفية أعلى الجدران المسجد والتي تحيط بسقفه كسوار أنيق موشى بالأبجدية، كما يحتوي على شبابيك مفرغة برسومات وأشكال هندسية لا تزال تحتفظ بروعة وجمال الخط الكوفى لتسمح بدخول أشعة الشمس داخل المسجد في رقصة صوفية ملونة.

تغير الشكل الحالي للجامع كثيراً عما كان عليه، حيث لم يكن عند انشاءه داخل حدود القاهرة الفاطمية إلى أن قام بدر الجمالي في عهد الخليفة المستنصر بإدخاله حدود المدينة من خلال إقامة السور الشمالي لها الذى يقع بين بابي النصر والفتوح.

ويعد جامع الحاكم بأمر الله مرآة وشاهدا على عصور تاريخية عدة بدءا بدولة الفاطميين مرورًا بالمماليك حتى عصر أسرة محمد علي وحتى تأسيس الجمهورية، وشارك في تجديده وإصلاحه وترميمه ملوك مصر وحكامها وأعيانها منذ عهد الحاكم  بأمر الله وحتى سبعينيات القرن العشرين.

والآن.. ربما انتهت رحلتنا الآن لكن شارع المعز سيظل يبهرنا دائما بماهو أكثر وأكثر كعقد تتناثر حباته دررا في أحضان قاهرة الألف مئذنة، وسيمتعنا بتحفه المعمارية البديعة التي تعكس وجه الحضارة الأسلامية بهدنستها وطرازها الفريد.



الكلمات الدلالية شارع المعز عمارة إسلامية

اضف تعليق