المناخ في مزاج غاضب.. والبحار تستعد لابتلاع عالمنا


٠٧ يونيو ٢٠١٧ - ٠٢:٣٠ م بتوقيت جرينيتش

رؤية

هو مشكلة ضخمة أكبر من تصوراتنا، لكن ربما لأن التأثيرات بطيئة إلى حد ما فلن نشعر بحقيقة الهول المقدمين عليه إلا بعد خسارة حقيقية تكلفنا الكثير، إنه الاحتباس الحراري يا سادة.

ومنذ عقود تم الحديث عن الاحتباس الحراري الذي لا يزال مضايا في تأثيراته السلبية، بغض النظر عن التدابير البشرية التي ليست على قدر القادم، فلا يوجد حتى الأن إجراءات حقيقية للحد من تدهور المناخ وتغيراته الحادة.

وبحسب دراسة علمية لباحثين من ألمانيا وإسبانيا وفرنسا والنرويج وهولندا ، فإن مستوى المحيطات ارتفع بسرعة أكبر 3 أضعاف ما كان عليه الوضع قبل عام 1990، ويعتبر هذا أقوى مؤشر على المنحنى المخيف الذي ستؤول إليه مسألة ارتفاع منسوب البحار، وتسارع هذا الارتفاع.
البحار ترتفع


ويعلق كبير الباحثين في هذه الدراسة، سونك دانجندورف من جامعة "سيجن" في ألمانيا،" لدينا تسارع قوي في ارتفاع مستوى سطح البحر عما كان يعتقد سابقًا".

وتخلص الدراسة إلى أنه قبل عام 1990، كانت المحيطات ترتفع بمعدَّلٍ يصل إلى 1.1 ملم في السنة، أو 0.43 بوصة فقط في العقد. بينما من عام 1993 حتى عام 2012، أصبح معدل الارتفاع يصل إلى 3.1 ملم في السنة، أو 1.22 بوصة في العقد الواحد".

ويضيف " إنّ السبب في ارتفاع مستوى سطح البحر خلال معظم فترة القرن العشرين كان مدفوعًا بذوبان الأنهار الجليدية البرية بالإضافة إلى تمدُّد مياه البحر كلما زادت درجة الحرارة. لكن ارتفاع مستوى سطح البحر في القرن الحادي والعشرين أصبح ناجمًا بشكل رئيسي – بالإضافة إلى الأسباب السابقة – عن المساهمات الكبيرة من الصفائح الجليدية في غرينلاند وأنتاركتيكا التي تذوب بشكل كبير غير معتاد سابقًا".

دراسة المعدَّل المتغير لارتفاع مستوى سطح البحر معقدة بسبب حقيقة أن العلماء ليس لديهم سوى سجلّ متابعة دقيق عبر الأقمار الصناعية يعود إلى أوائل التسعينيات فقط. قبل ذلك، تعتمد السجلات على مقاييس المد المنتشرة حول العالم في مواقع مختلفة.

لكن ارتفاع مستوى سطح البحر يختلف اختلافًا كبيرًا في أماكن مختلفة، بسبب ارتفاع وغرق الأرض، والآثار الجاذبية واسعة النطاق على مياه العالم والعوامل المحلية الأخرى. لذا، فقد كافح العلماء في جمع أطول سجل يجمع بين ما نعرفه من الأقمار الصناعية وبين هذه المصادر القديمة للمعلومات.

هذه الورقة البحثية التي وردت في مجلَّة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم، ليست أول من اكتشف أن معدل ارتفاع البحار في حد ذاته يتزايد، ولكنه أصبح بمعدل زيادة أكبر مما كان عليه في الدراسات السابقة.

دراسات مشابهة


وتتناول الدراسة الجديدة الشرخ الحادث في هذه المشكلة من خلال محاولة دمج كل من سجل مستوى سطح البحر في القرن الـ 20، قبل بداية سجل الأقمار الصناعية، من خلال تعديل نتائج مقاييس المد المحلية استنادًا إلى فهم العوامل التي تؤثر على ارتفاع مستوى سطح البحر في منطقة معينة، ومن ثم ترجيح المناطق المختلفة بشكل مختلف في التحليل النهائي.

هذه هي الطريقة التي جاء عبرها أن معدل ارتفاع مستوى سطح البحر منذ عام 1900 حتى عام 1990 كان يحدث بمعدل ضئيل نسبيًا، لكن الفترة التالية لها شهدت معدلات أعلى بكثير. كما وصف «روبرت كوب»، الباحث في مجال مستوى سطح البحر التابع لجامعة روتجرز والذي نشر أبحاثًا تشير إلى تسارع حاد في ارتفاع مستوى سطح البحر، هذه الدراسة الجديدة بأنها «تحليل جميل»، وذلك في رسالة إلكترونية إلى صحيفة واشنطن بوست الأمريكية.

يقول كوب أنّ تقديرهم النهائي للارتفاع العالمي لمستوى سطح البحر في القرن العشرين (وخاصة ما قبل عام 1990) يتفق تمامًا مع نتائج التحليليين المختلفين اللذين قدمتهما ورقته البحثية عام 2015، بينما كانت أقل من تلك التي أجريت في معظم عمليات إعادة البناء الأخرى.

وخلصت دراسة عام 2015 إلى أنّ مستوى سطح البحر ارتفع في الفترة من 1901 إلى 1990 بمعدل 1.2 ملم في السنة، وهو قريب جدًا من تقديرات الدراسة الحالية. ولكن باحثين آخرين وجدوا أرقامًا أكثر في نطاق 1.6 إلى 1.9 ملم. هذه الاختلافات ذات أهمية كبيرة لأنه كلما كان الارتفاع أكبر في مستوى سطح البحر خلال القرن العشرين، كانت الزيادة الحادثة الآن أقل في الفرق، والعكس بالعكس.

المحيط يتضخم


وفي دراسة أخرى خاصة بوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، ذكرت أن الموضوع لا يتعلَّق فقط بذوبان أجزاء من الجليد لتجد طريقها إلى المحيط، لكن المحيط في ذاته أصبح يتضخم، لأن الماء الدافئ يتمدد مع ارتفاع درجة الحرارة. نحن نعرف بالفعل أن هذا يحدث وفقًا لوكالة ناسا، فالبحار ترتفع حاليًا بمعدل 3.5 ملم في السنة، والذي يعني ارتفاع بقيمة حوالي 1.4 بوصة في العقد الواحد.

ومع ذلك، يتوقع العلماء منذ فترة طويلة أن القصة يجب أن تكون أسوأ من ذلك. وتشير التوقعات إلى أن البحار لا ينبغي أن ترتفع فحسب، بل أن الارتفاع يجب أن يتسارع، مما يعني أن المعدل السنوي للارتفاع ينبغي أن يتزايد بمرور الوقت. وذلك لأن الصفائح الجليدية العظيمة، جرينلاند والقطب الجنوبي، يجب أن تفقد المزيد والمزيد من الكتلة، وينبغي أن تزيد الحرارة في المحيط أيضًا، وهو ما توصلت بالفعل له الدراسات السابقة.

المشكلة، أو حتى الغموض، هي أنّ العلماء لم يشهدوا تسارعًا لا لبس فيه في ارتفاع مستوى سطح البحر في سجل بيانات يعتبر أفضل رصد للمشكلة – وهو الذي بدأ مع قمر توبيكس/بوسيدون الصناعي الذي أطلق في أواخر عام 1992 وتحمل جهازًا يسمى رادار مقياس الارتفاع، يعطي قياسًا دقيقًا لمستوى سطح البحر حول العالم. وقد نجحت منذ ذلك الحين أقمار صناعية أخرى في توفير قياسات مماثلة.

سيناريوهات المستقبل مخيفة


عمومًا، وعلى الرغم من التفاوت بين الدراسات المختلفة – وكثير منها يشير إلى تسارع، ولكن تختلف على مقدار حجمه – فإن هذه الدراسات تشير إلى أن العلماء متوافقون على الصورة الكبيرة ولكنهم لا يزالون يتناقشون حول تفاصيلها. تسارع ارتفاع مستوى سطح البحر، بعد كل شيء، هو نتيجة متوقعة لظاهرة الاحترار العالمي المستمر، وهناك توقعات بأنه يمكن أن يرتفع من 5 إلى 15 ملم في السنة (1.97 إلى 5.9 بوصة في العقد) في سيناريوهات الاحترار الشديد، وفقًا لدانجندورف.

وبالعودة إلى كوب، فقد أضاف أنه في السنوات الخمس الماضية، هناك بعض المؤشرات على أن ارتفاع مستوى سطح البحر يمكن أن يكون أعلى بالفعل من المعدل السنوي الذي توصل له الباحثون، 3.1 مليمتر في الفترة من 1993 حتى 2012. وحذر من أن «تلك المعدلات الأعلى على مدى فترة قصيرة من الوقت ربما تشمل بعض مستوى التباين الطبيعي، فضلًا عن تسارع مستمر ناجم عن أفعال الإنسان».

إنّ مقدار السيطرة التي نستطيع أن نطبِّقها على معدَّل ارتفاع مستوى سطح البحر سيعتمد بشكلٍ حاسم على مدى سرعة انبعاث الغازات الدفيئة حول العالم في السنوات القادمة، مما يجعل النظرة الكاملة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بما إذا كانت الولايات المتحدة تلتصق بباقي دول العالم في تكريم اتفاق المناخ في باريس.

وقال دانجندروف: «ستستمر مستويات البحر في الارتفاع خلال القرن المقبل، بغض النظر عما إذا كنا سنتكيّف أم لا، ولكن أعتقد أننا يمكن أن نحد على الأقل جزءًا من ارتفاع مستوى سطح البحر. سوف يزداد بالتأكيد ارتفاع مستوى مياه المحيطات، لكن السؤال هنا يتحدث عن قيمة هذا المعدل وهو ما يعتمد علينا نحن بشر».

خطر مستمر


يقول العلماء، إنّ مستويات البحار ترتفع بمعدلاتٍ غير مسبوقة، فقد أظهرت دراسة جديدة أنه بحلول عام 2040، فإن أكثر من 90% من المناطق الساحلية في العالم، قد تشهد ارتفاع مستوى سطح البحر أكثر من ثماني بوصات (20 سنتيمتر تقريبًا). ولكن بعض المناطق، مثل الولايات الشرقية في الولايات المتحدة الأمريكية، ستتأثر بصورةٍ أكبر وأشد؛ إذا وصل ارتفاع مستوى مياه البحر فيها إلى 12 بوصة (30 سنتيمتر تقريبًا).

وأشارت الدراسة إلى أنه بحلول عام 2100، فإن مدينة، مثل نيويورك، قد نرى فيها ارتفاع مستوى المياه الساحلية بين 3.5 و7.3 قدم (106 – 223 سنتيمتر تقريبًا) أعلى مما هي عليه الآن. والعواقب المحتملة لحالة مثل هذه، قد تكون كارثية بمعنى الكلمة؛ لأنها قد تؤدي إلى تشريد ملايين الناس.

تتوقع بعض النماذج المناخية الحالية أنه بحلول عام 2040، فإن درجات الحرارة في العالم قد تزيد بمقدار درجتين مئويتين من درجات الحرارة التي كانت موجودة في مرحلة ما قبل الثورة الصناعية.

وبحلول نهاية القرن 21، قد ترتفع درجات الحرارة العالمية، أكثر من خمس درجات مئوية، في الوقت الذي كان يسعى فيه اتفاق باريس المناخي، إلى أن تبقى درجات حرارة الكوكب، أقل بكثير، من درجتين مئويتين.

وفي بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الجاري، حذرت الأمم المتحدة من أنه -حتى في ظل هذا الاتفاق الدولي- فمن المحتمل أن نشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة بنحو ثلاث درجات مئوية بحلول عام 2030.

ويعني ارتفاع درجات الحرارة في العالم، أن هناك ارتفاعًا موازيًا في مستويات البحار؛ نتيجة لذوبان الأنهار الجليدية والغطاء الجليدي على كوكب الأرض. المخيف في الأمر، هو أنه وإن استطعنا وقف درجات حرارة الكوكب عن الارتفاع، فإن منسوب مياه البحر يمكن أن يستمر في الارتفاع لقرون بعد ذلك؛ لذلك فإن فكرة توقع «أين ومتى وكم سترتفع البحار؟»، يمثل تحديًا خاصًا للعلماء، ومفتاحًا هامًا للتعامل مع المخاطر المحتملة.

وفي هذه الدراسة الجديدة، التي نشرت في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم، توقع العلماء بقيادة «سفيتلانا يافرييفا»، من المركز الوطني لعلوم المحيطات في المملكة المتحدة، احتمالية ارتفاع مستوى سطح البحر والمواقع الممكنة، مع حدوث ارتفاع في درجات الحرارة بمقدار ثنتين أو أربع أو خمس درجات مئوية.

 وقدر الباحثون أنه بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين، فإن 136 من أكبر المدن الساحلية – بما في ذلك نيويورك ونيو أورلينز – قد تشهد ارتفاع منسوب المياه لمسافة ثلاثة أقدام (91 سنتيمتر) على الأقل، وربما أقرب إلى 6.5 قدم (مترين)؛ وهو ما يعني إمكانية تشريد أكثر من مليون شخص في نيويورك، ومليون آخرين في نيو أورليانز.

بالإضافة إلى احتمال تشريد نحو 2.5 مليون من مدينة ميامي الأمريكية، و2.1 مليون فى مدينة قوانجتشو الصينية، و1.8 مليون شخص في مدينة مومباي الهندية، فضلًا عن التضرر الشديد الذي ستشهده بعض الدول المنخفضة عن سطح البحر، مثل بنجلاديش وفيتنام.


اضف تعليق