وحيد الدين خان.. إمام الدعوة الإسلامية في الهند


١٦ يونيو ٢٠١٧ - ٠٤:٠٠ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمود سعيد

ما أحوج العالم الإسلامي لمثل هؤلاء العلماء والمفكرين الذين أناروا الدنيا بعلمهم، ولقد قصر المسلمون في العقود الأخيرة ليس فقط في الدعوة إلى دينهم بل حتى في الإطلاع على حقيقته وفهم أركانه.

نحن اليوم أمام عالم جليل لا يعرفه أكثر المسلمين، له اسهامات كبيرة في خدمة الدعوة الإسلامية في الهند والعالم أجمع، خصوصا أنه عاصر الاحتلال الغربي لبلدان المسلمين والهجمات الفكرية التي تعرض لها العالم الإسلامي، ولهذا فقد علم الداء والدواء لأمراض الأمة.

وحيد الدين خان

ولد وحيد الدين خان في أول يناير سنة 1925 في مدينة أعظم كره بالهند وتعلم في جامعة الإصلاح العربية الإسلامية، وبدأ وحيد الدين يقدم حصيلة فكره بعد دراسات عميقة وفي البدء انتظم في سلك لجنة التآلف التابعة للجماعة الإسلامية بالهند وعمل سنوات معدودة، ثم أمضى ثلاث سنوات مكباً على التآلف في المجمع الإسلامي العلمي التابع لندوة العلماء بلكناؤ، ثم شغل رئيس تحرير الجمعية الأسبوعية في دلهي 1967 لمدة سبع سنوات حتى أغلقت المجلة من قبل السلطات وفي أكتوبر سنة 1976 أصدر لأول مرة ومستقلاً عن كافة الهيئات مجلة الرسالة ودأبت هذه المجلة الشهرية على الصدور حتى الآن ونالت حظاً كبيراً من النجاح و القبول.

منهجه العلمي

يقول الدكتور محمد عمارة عن "خان": لقد وهب حياته كلها للدعوة الإسلامية، وتخصص فى إقامة الأدلة العلمية على الإيمان الديني، فبلور علم كلام جديدًا مناسبًا لعصر العلم، خاليا من جدل الفرق الإسلامية القديمة، ومتجردًا من محاكاة الفلسفة الإغريقية القديمة.. ولقد أعانته ثقافته العلمية الواسعة على أن يقدم فى هذا الميدان أعمالا فذة غير مسبوقة.
 
كانت باكورة أعماله الفكرية سنة 1950 كتابه "على باب قرن جديد"، ويرى الكثير من المثقفين أن كتبه عموما وكتابه "الإسلام يتحدى" خصوصا، كان له أكبر الأثر على الملايين الذين أطلعوا عليه، فهو نجح بأسلوب ساحر في أن يثبت وجود الله سبحانه وتعالى عبر قوانين الإحصاء والفلك والرياضيات والفيزياء والكيمياء، والغريب أن وحيد الدين خان استند على بعض أبحاث ونظريات اللادينيين والملحدين العلمية وقلبها بأسلوب علمي لصالح إثبات وجود الله!.

الصبر في الدعوة

المفكر الإسلامي عبدالرحمن أبو ذكري، الذي زاره في الهند يقول: قابلت أحد تلامذته الهندوس المتحولين إلى الإسلام، وهو شابٌ في مثل عمري يعمل نائبًا لمدير بنك (ناجح بالمعايير الرأسمالية)؛ قال لي: «لو لم يحبني مولانا، ويصبر على تعصبي وأسئلتي، ويحتمل بُغضي الموروث ونفوري اللاعقلاني من الإسلام وازدرائي للمسلمين؛ في سبيل هدايتي، لربما ظللت إلى اليوم هندوسيًا أعبد أوثانًا. بل لو لم يحب مولانا الهندوس ويرغب في هدايتهم، لما هدى الله به الكثيرين إلى الإسلام». وقد كان بعض هؤلاء الشباب المتحولين إلى الإسلام حاضرًا في مجلس مولانا الصغير.

وتابع أبو ذكري: "وإذا كنت أرى أن مفهوم الحب عند الصوفية والتعبير اللغوي عنه هو أهم أسباب أزمتهم، وإذا كنت ما زلت أرى في حب مولانا وحيد الدين خان للهندوس «بعضًا» من تسليمه للأمر الواقع ولتغلبهم وتسلطهم؛ إلا أني لا أستطيع منع نفسي من الإعجاب الشديد بقدرته تلك؛ إذ يلزم لهذا النوع من الحب طاقة نفسية ضخمة، وقدر هائل من النضج النفسي والروحي، أن تُحب من يرفضك طمعًا بأن يهديه الله خيرًا على يديك. إنها عاطفة من مشكاة النبوة، من هدي النبي الذي رفض هلاك قومه عسى أن يخرج الله منهم أو من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله".

مؤلفاته

واليوم قد تجاوز وحيد الدين خان الـ90 عاما ولا يزال يقدم المؤلفات العلمية التي تخدم المسلمين وقد تجازوت مؤلفاته المائتى كتاب- ومنها:
 "الإسلام يتحدى"، "الدين فى مواجهة العلم"، "فلسطين والإنذار الإلهي"، "رسول السلام.. تعاليم النبي محمد"، "الجهاد والسلام والعلاقات المجتمعية في الإسلام"، "أيديولوجيا السلام"، "حاضرنا ومستقبلنا في ضوء الإسلام"، "قضية البعث الإسلامي"، "حكمة الدين"، "الإنسان القرآني"، "شرح مشكاة المصابيح"، "يوميات الهند وباكستان".

يقول الدكتور محمد عمارة: "وحيد الدين خان كتب بالإنجليزية والأوردية والهندية، وتُرجمت كتبه إلى العديد من اللغات، وترجم ابنه ظفر الإسلام خان إلى العربية قرابة أربعين كتابا من كتبه، كما قام بطباعة الترجمة والتفسير للقرآن الكريم باللغات الإنجليزية والأوردية والهندية، وتوزيعها بسعر التكلفة".

مواقفه

وبداية منذ عام 1970 أسس وحيد الدين خان المركز الإسلامي في نيودلهي، والذي عمل على إصدار مجلة "الرسالة" بالأردية عام 1976، ثم بالإنجليزية والهندية أعوام 1984 و1990 وذلك لنشر فكره ورؤيته حول روح السلام في الإسلام وحول المسئولية الاجتماعية للمسلمين وللترويج للفكر والعمل الإيجابي، وفي عام 1992 وعندما واجه المجتمع الهندي حالة انقسام ديني حادة بسبب أزمة المسجد البابري شعر بضرورة أن يقنع الناس بالحاجة إلى استعادة السلام والوئام من أجل أن تسير البلاد مرة أخرى على طريق التقدم، ومن ثم فقد شرع في "مسيرة سلام" مع قيادات الطوائف الهندية جابت 35 منطقة هندية، كما دعا إلى لقاءات تجمع القادة الدينيين في البلاد من أجل نشر السلام والمحبة والانسجام، كما عمل على إعداد تلاميذ كسفراء للسلام ليس في الهند وحدها ولكن في العالم أجمع.

يقول الدكتور محمد عمارة: "ولقد لفت وحيد الدين خان الأنظار إلى إسهام الإسلام فى النهضة الأوروبية الحديثة، عندما أسقط الكهانة والثيوقراطية والحكم بالحق الإلهي، ففتح أمام أوروبا الحديثة أبواب الديمقراطية الليبرالية.. وعندما قدم مبدأ تسخير الطبيعة للإنسان، بديلا عن تقديس الطبيعة، ففتح أمام العقل الأوروبى أبواب العلم التجريبي، الذى كانت تحرِّمه وتجرِّمه الكهانة الكنسية لزعمها أن العالم دنس، لا يجوز التجريب فيه! كما كان العقل الإغريقى التأملى يترفع عنه لأنه- كالعمل اليدوي- خاص بالعبيد!".

انتقادات

وقد وجهت بعض الانتقادات للعلامة وحيد الدين خان، بشأن بعض أفكاره، إلا أن هذا لا يقلل من موسوعية الرجل وعلمه الغزير، فلا يجوز الانتقاص من قيمته لمجرد تفرده ببعض الأراء.

ومهما كان يجب الاستفادة عن مؤلفاته البديعة ومنها: "حاضرنا ومستقبلنا في ضوء الإسلام" – "قضية البعث الإسلامي" – "حكمة الدين" – "الإنسان القرآني"، مع أنّه عالم جليل وداعية عظيم، وكل يؤخذ من كلامه ويترك إلا الرسول -صلى الله عليه وسلم.









اضف تعليق