اليمين المتطرف.. هل ينجح بإعادة بريطانيا إلى الوراء ؟


٢٢ يونيو ٢٠١٧ - ٠٩:٠٦ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية ـ جاسم محمد

تعيش بريطانيا إلى جانب بعض الدول الأوروبية على وقع تهديدات الجماعات الإسلاموية المتطرفة وتهديدات التيارات اليمينية، التهديد، لاتنحصر في مجال الأمن بل تتعدى إلى الثقاقات ومفهوم التعايش السلمي داخل المجتمع البريطاني.
 
اعلنت السلطات البريطانية، فجر يوم 19  يونيو 2017، مقتل شخص واحد واصابة عشرة آخرين إثر قيام سيارة بدهس عدد من المصلين خارجين من مسجد دار الرعاية قرب مسجد "فينسبري بارك" في في شارع "سفن سيسترز" في لندن. ودهست  السيارة أشخاصا عقب خروجهم من المسجد بعد أدائهم صلاة القيام وتناولهم طعام السحور، وأُلقي القبض على رجل بريطاني . وقالت صحيفة "التلغراف" البريطانية إن منفذ الهجوم يدعى "دارين أوزبورن" 47 عاما من سكان لندن، هذه العملية تعرب عن وجهات نظر عدائية متزايدة تجاه المسلمين في اعقاب تصاعد العمليات الارهابية للجماعات الاسلاموية في بريطانيا.
 
الحادثة تعيد للاذهان حادثة مقتل النائبة البرلمانية جو كوكس نهاية عام 2016 على يد يميني متطرف توماس ماير، وبعد ارتفاع في عدد جرائم الكراهية المسجلة ضد أقليات عرقية ودينية. وكأجراء احترازي، إعلنت بريطانيا تشديد إجراءات الحراسة حول المساجد البريطانية في أعقاب حادث الدهس. اما رئيسة الحكومة ماي فقد بادرت بزيارة المسجد في اعقاب الحادث، محاولة منها لتأكيد تعاملها مع حادثة اليمين المتطرف بجدية مثلما تتعامل مع حوادث الارهاب المتأسلم في بريطانيا.
 
ارتفاع اليمين المتطرف
 
حزب الاستقلال البريطاني: تأسس حزب الاستقلال البريطاني في عام 1993 وحدّد لنفسه هدفاً واحداً، يتمثّل بانسحاب المملكة البريطانية من الاتحاد الأوروبي ومن المؤسسات الأوروبية، وينتقد الاتحاد ويعترض على توسّعه.
 
حركة "بريطانيا أولا": انطلقت عام 2011 من أعضاء سابقين لحزب "التحالف الوطني" البريطاني، لتكون أكبر تجمع لليمين المتطرف في بريطانيا، وتنشط على الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي . تبنت الحركة هجوما على بعض المساجد، وأطلقت عليها اسم "الدوريات المسيحية"
 
كشفت التقارير، تصاعد اعتداءات اليمين المتطرف في بريطانيا، عقب تزايد هجمات الارهاب المتاسلم مثل تنظيم داعش في عواصم اوروبا منذ عام 2014 ولحد الان، وهذه الاعتداءات تكثر في وسائط النقل العامة والاماكن المفتوحة خاصة ضد النساء المحجبات. وكشفت صحيفة “الجارديان” في تقريرها بعد الحادث عن تسجيل شرطة مانشستر ولندن زيادة ملحوظة في جرائم الكراهية ضد المسلمين في أعقاب الهجمات التي شهدتها المدينتين. وأشارت الصحيفة إلى أن الهجمات ضد المسلمين في مانشستر زادت خمسة أضعاف في اعقاب الهجوم على قاعة “مانشستر أرينا”، حيث تم رصد وقوع 139 حادثة مقارنة بـ25 حادثة في الأسبوع الذي سبقه. وأضافت أن شرطة العاصمة البريطانية تحدثت عن تسجيلها زيادة حادة في الهجمات ضد المسلمين خلال السنوات الأربع الماضية حيث ارتفعت الحوادث من 343 حادثة في الفترة من مارس 2012 إلى مارس 2013 لتصل إلى 1260 في الفترة من مارس 2016 إلى مارس 2017.
 
 
وارتفع عدد المتطرفين اليمينيين المشتبه بهم والمسجلين في برنامج لمكافحة الإرهاب تابع للحكومة البريطانية، بنسبة 30% خلال عام واحد، حسب تقرير صحيفة "إندبندنت" الصادرة في 20 يونيو 2017. وذكرت الصحيفة أن إحصاءات لوزارة الداخلية، لم تنشر، تفيد بأن ما لا يقل عن ثلث الأشخاص الخاضعين للمراقبة بموجب برنامج "تشانيل" 2016 - 2017، وهو جزء من خطة "بريفنت"، يؤيدون الأيديولوجيات اليمينية المتطرفة ومعرضون للتطرف وذلك مقابل نسبة 25% في برنامج 2016/2015.
 
تحاول جماعات اليمين المتطرف في اوربا  التقارب اكثر في اعقاب نتائج استفتاء بريطانيا حول خروجها من الاتحاد الاوروبي يوم 24 يونيو 2016 وبدورها وجهت هذه الأحزاب التهنئة للبريطانيين.
 
عودة بريطانيا إلى الوراء
 
تعيش اوربا الان سجال وتهديدات اليمين المتطرف والسلفية "الجهادية" هذا التهديد بدئت اوربا تأخذه مأخذ الجد ولاتستبعد اجهزة الاستخبارات الى وقوع مواجهات واسعة مابين الطرفين، والتي من شأنها ان تصعد المواجهة الى حرب داخل اوربا، ان لم تتخذ الحكومات سياسات فاعلة لمواجهما. وليس من المستبعد ان تصل الى حرب داخلية وعودة اوربا الى الوراء، اي الى حقبة النازية ماقبل الحرب العالمية الثانية 1945.
 
من المتوقع ان تنشط التيارات اليمينة المتطرفة اكثر في بريطانيا، تحت يافطات وشعارات ابرزها : (إعادة التقاليد البريطانية من جديد، وإنهاء "الأسلمة" في المجتمع البريطاني، ومناهضة الهجرة الجماعية)، من خلال تسيير المظاهرات والمسيرات. ان تصاعد العنف والترهيب، ضد الاحانب، خلال هذه المرحلة بات متوقعا، محاولة من اليمين المتطرف، لايقاف الهجرة واستقبال الاجانب. وتتزامن هذه الانشطة ايضا مع ارتفاع الاصوات داخل بريطانيا، ضد شراكة الاتحاد الاوروبي، وضد مواطنيها.
 
ولكن مهما صعدت جماعة اليمين المتطرف في البرلمان الاوروبي والتي تقدر ب 140 نائبا، وضمن دول الاتحاد الاوروبي بشكل منفرد فان شعبية اليمين المتطرف لاتستطيع الصعود اكثر من 15% من غالبية دول اوربا. وتبقى احزاب اليمين المتطرف، احزاب شعبوية، لاتملك برنامح بقدر ماتقوم على انتقاد سياسات الحكومات الاوروبية وتقوم على اساس معاداة الاجانب والمسلمين.
 
ماتعيشه اليوم بريطانيا وغالبية الدول الاوربية، هو مشكلة صناعة الكراهية، وتحشيد الرأي العام ضد الاجانب وضد المسلمين، هذه المشكلة، لم تعد ردود افعال، بقدر ماهي انشطة ممنهجة تصل الى التنسيق السياسي بين زعماء التيارات اليمينية في عموم اوروبا، على سبيل المثال اجتماع قادة أحزاب يمينية شعبوية أوروبية في مدينة "كوبلنتس" غرب ألمانيا  في 20 يناير 2017 بعد تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
 
التحدي الذي تواجهه الحكومة البريطانية الان، بانها تعيش مابين تهديدات الجماعات الاسلاموية المتطرفة وتهديدات اليمين المتطرف، يشار بأن تهديدات اليمين المتطرف تعتبرهي الاخطر، كونها ممكن ان تحصل على الغطاء السياسي وربما هي ليست ظاهرة على الارض، ولاتتمثل بالعمليات الارهابية، بل بالافكار والايدلوجية القائمة على الكراهية والعنصرية.
مايحاول اليمين المتطرف في بريطانيا  تحقسقه، هوعزل بريطانيا، لقد اعلنها صراحة "نايجل فراج"عندما اعلن استقالته من مقعده في البرلمان الاوروبي في اعقاب نتائج الاستفتاء بخروج بريطانيا، بقوله انه نجح في مهمته التي كان يعمل عليها عدة سنوات اي اخراج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي.
 
هذا يعني ان بريطانيا تتجه  الان نحو العزلة ونحو الدولة القومية، محاولة منها لتجنب الفوضى الامنية والمشاكل المتعلقة في الهجرة واللاجئين التي ضربت دول الاتحاد الاوروبي خلال عام 2015 و2016.
 
ان حادثة مسجد "فينسبري بارك"، تعتبر رسالة تحذيرية لمواجهة خطر اليمين المتطرف، وتعامل الحكومة البريطانية مع مع هذا النوع من التهديدات بعيدا عن الازدواجية في محاربة الارهاب والتطرف.
 
* باحث في قضايا الإرهاب والإستخبارات



اضف تعليق