بآيات القرآن.. الإرهاب يغرز أنيابه في جسد القارة السمراء


٣٠ يونيو ٢٠١٧ - ١١:١٦ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - أميرة رضا

لا شك أن معاناة القارة السمراء لم تعد تقتصر على الفقر والمجاعات والأمراض والأوبئة، بل أصبح هناك وباءً أشد خطرًا وأكثر وحشية، إنه الإرهاب الذي استشرى في بعض دول القارة الأفريقية وبات مهددًا لأمنها، وأضحى يُشكل خطرًا داهمًا ينخر في جسدها.

وباتساع رقعة انتشار تلك الإرهاب الغاشم في القارة السمراء، أصبحت محاولات استئصاله أكثر صعوبة، فما أن تكاد دول القارة أن تتخلص من جماعة "بوكو حرام" التي تسببت في سفك دماء الآلاف من الأبرياء وإصابة مئات الآلاف، فضلًا عن تشريد الملايين، فإذا بـ "حركة الشباب الصومالية" تتصدر واجهة الأحداث بإرهابٍ ألهب منطقة شرق إفريقيا وأثار الرعب والهلع في نفوس الأفارقة.

فبعد فترة من التراجع -بسبب الانقسامات التي ضربت صفوف الحركة، بالإضافة لجهود العمليات العسكرية التي تنفذها القوات الصومالية المدعومة بقوات الاتحاد الإفريقي "الأميصوم" والتي أسهمت في إقصاء الحركة قليلًا عن المشهد- عاودت الحركة نشاطها الدموي وبشراسة كبيرة خلال عام 2016 مما جعلها تتصدر المشهد على صعيد الجماعات الإرهابية الأكثر دمويةً في أفريقيا، وربما في العالم.

"الشباب الصومالية" الأكثر دموية في أفريقيا
تصدرت "حركة الشباب" قائمة الجماعات الأكثر دموية في 2016، حيث جاء ذلك في ظل تراجع تنظيم "داعش" وانحسار "بوكو حرام"، الأمر الذي أكده بيان صادر عن مشروع "مواقع الصراعات والأحداث المسلحة"، وراجعه "المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية"، التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، والذي جاء فيه؛ أن "حركة الشباب" تفوقت في عام 2016 على نظيراتها في القارة السمراء، وتسببت في مقتل 4281 شخصًا بنسبة فاقت ضحايا هجمات "بوكو حرام" و"داعش" في العام نفسه.

إذ تسببت "بوكو حرام" في مقتل 3499 شخصًا، وتنظيم "داعش" الذي قتل 2350 شخصًا في أفريقيا خلال عام 2016 ذاته، وتعد هذه هي المرة الأولى التي تتفوق فيها "حركة الشباب" على "بوكو حرام" من حيث عدد الضحايا.

الأسباب
ويرجع تصدر حركة الشباب الصومالية للجماعات الأكثر فتكًا في أفريقيا إلى العديد من الأسباب التي جعلت من القارة السمراء بصفة عامة أرضًا خصبة للأيدلوجية المتطرفة؛ وعلى رأسها الطبيعة الجغرافية للبلاد، وكذلك ضعف الإمكانات المتاحة لدى المؤسسات الأمنية ووسائل القضاء على الإرهاب ومعاقله، بالإضافة إلى الفقر المدقع الذي يضرب القارة، إضافةً إلى بعض المشكلات التي تعاني منها أغلب المجتمعات الأفريقية؛ كالبطالة المنتشرة بين الشباب والتي استغلتها الجماعات المتطرفة بتقديم إغراءات كثيرة، بالإضافة إلى الجهل المستشري في كثير من بلدان القارة.

حرب العصابات
وعلى الجانب الآخر عملت "حركة الشباب" على تطوير نفسها، وأكدت على اختيار الوقت المناسب لتنفيذ هجماتها، مما جعل القوات الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي في موقف المدافع دائمًا، فضلًا عن انتهاج الحركة أسلوب حرب العصابات، وانتشار عناصرها في العديد من المناطق والمدن الصومالية، إضافةً إلى محاولات الحركة المستميتة من أجل إثبات الذات وفرْض السيطرة على الأرض، وخاصّةً مع ظهور "تنظيم داعش" في الصومال، ومحاولات التنظيم المستمرة لسحب البساط من تحت أقدام الحركة.

تضليل عقول الشباب
كما أن من عوامل تنامي خطر "حركة الشباب" وتعاظم قوّتها خلال العامين الأخيرين، اعتماد الحركة على سلاح الإعلام في سبيل ممارسة تضليل عقول الشباب وإغوائهم بموعودات زائفة واستمالة قلوبهم باللعب على وتر العاطفة الدينية بهدف استقطابهم للانضمام للحركة تحت زعْم أنها حركةٌ تحارب الكفار، وتسعى لنصرة المسلمين، والمستضعفين، ورفْع راية الإسلام.

قوات الاتحاد الأفريقي
كما يضاف لعوامل ارتفاع أسهم حركة الشباب واشتداد شوكتها انخفاض الروح القتالية لقوات الاتحاد الأفريقي بسبب الوضع المادي لجنودها، والذي تسبب في انسحاب أهم قوةٍ عسكريةٍ مشاركةٍ في التحالف، ألَا وهي القوات الإثيوبية، التي تشارك بأكبر عدد من الجنود، وما تعانيه البعثة المكلفة بحفظ السلام في الصومال وملاحقة عناصر "حركة الشباب" والقضاء على إرهابها من مشكلاتٍ مادية ولوجيستية وغيرها، ممّا يُؤثر سلبًا على تنفيذ مهام هذه البعثة.

استفزاز عواطف المسلمين بعد ظهور "داعش" في الصومال
"لا مرحبًا بهم إنهم صالو النارِ" بهذه الكلمات التي اقتطفتها "حركة الشباب الصومالية" من آيات القرآن الكريم، قامت بطرح أحدث إصدارتها المرئية -في محاولة للفت الأنظار بعد ظهور "داعش" في الصومال واستفزاز مشاعر المسلمين لكسب تأييدهم- وكعادتها وعادة كافة التنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة، انتزعت "حركة الشباب" هذه الكلمات من سياقها، وأقحمتها في سياق الإرهاب التي أطلقت عليه كذبًا بالجهاد، والعنف والوحشية التي فسرتها بإقامةَ الحدود والعمل بالشريعة، وما لهذا علاقةٌ بذاك.

الإصدار المرئي.. وتزييف الحقائق
حيث يعرض هذا الإصدار -الذي بلغت مدته خمسة وخمسون دقيقةً - مزيجًا بين توثيق عمليات لعناصر الحركة، وتصويرها على أنها انتصارات للإسلام وفتوحات أنعم الله بها على المجاهدين -حسَب تعبير الحركة- وبين عمليات تقوم بها قوات الاتحاد الأفريقي والقوات الكينية والصومالية صورتها الحركة على أنها انتهاكات واعتداءات على الأعراض والأموال، واحتلال يستوجب النضال.

شحذ الهمم لمواصلة القتال
كما اشتمل الإصدار الذي بثته "مؤسسة الكتائب" -الجناح الإعلامي للحركة- على رسائل موجهة للمقاتلين لشحذ الهمم وتحميس الشباب لمواصلة قتالهم من أجل إقامة الشريعة والحكم بما أنزل الله -حسبما يزعمون- وفي هذا الصدد عرض الإصدار صورًا لمشاهد القتل والتشريد الذي حاق بكثير من المسلمين في أنحاء متفرقة من العالم؛ كما هو الحال في: سوريا، والعراق، وفلسطين، والشيشان، وإفريقيا الوسطى، واليمن، وليبيا، وبورما، وغيرها، ويذكر الإصدار أن الصومال جزء من البلدان الإسلامية التي تتعرض لما أسمته الحركة "الحرب العالمية على الإسلام"، وأن أهلها عانَوْا -ولا يزالون- من البطش والاحتلال والظلم وانتهاك الحرمات واغتصاب المسلمات، ولا يَخفى هدف ذلك من استثارة حماس الشباب واستفزاز عواطفهم تحت ما تطلق عليه هذه الجماعات "نصرة الدين وإنقاذ المستضعفين".

إثارة غضب الكينين والصوماليين
ثم ينتقل الإصدار من مرحلة إلى مرحلة أخرى لا تقل خطورة في محتواها عن سابقتها؛ وهي إثارة غضب الكينيين والصوماليين ضد حكوماتهم، والعمل على إيقاع الفتنة بين الشعوب وحكامهم؛ باللعب على وتر التهميش والاضطهاد وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من مشكلات تواجه المجتمعات الأفريقية عامة وليس شرق أفريقيا فحسب، وهو أسلوب اعتادت الجماعات الإرهابية على سلوكه لإيجادِ ثغرة تتسلل من خلالها إلى نفوس المواطنين.

الجهاد المسلح
ويختتم الإصدار بالتأكيد على عناصر الحركة بضرورة مواصلة ما تطلق عليه "الجهاد" وما هو من الجهاد في شيءٍ، مُطالِبةً مسلمي شرق إفريقيا عمومًا على لسان متحدث باسمها يُدعى "شيخ علي ديري" بأن يهبّوا للجهاد المسلّح؛ دفاعًا عن أرضهم وكرامتهم وردعًا لقادة الكفر البغاة المتكالبين على الأمة الإسلامية -بحسَب معتقادتهم-.

من جانبه يرى الأزهر الشريف والمؤسسات الدينية، أن قيام حركة الشباب بنشْر هذا الإصدار في هذا التوقيت لهو محاولةٌ لإثبات الوجود، والإبقاء على حظوظها في السيطرة على المشهد في الصومال، خاصةً بعد ظهور "تنظيم داعش" على الساحة، كما أن الحركة تعمل من خلال هذا الإصدار على استثارة الشباب المسلم ضد حكوماتهم، وتحاول استدراجهم للاندراج في مسالكهم، والوقوع في براثن التطرّف، تحت زعْم الدفاع عن الدين وحمْل راية العقيدة.

وبين هذا وذاك لاتزال دول القارة السمراء تقع بين أنياب ومخالب الجماعات الإرهابية والمتطرفة، فجماعتي "بوكو حرام" و"حركة الشباب الصومالية" سلاحان يفتكان بأمن القارة، ويهددان أبناءها ويزيدان من معاناتهم، ويعملان على نشر الفكر الخبيث بين أوساطهم؛ فيجعلهم أمام اختيارين كلاهما مر ولا ثالث لهما بين أمرين: إما الانسياق واعتناق الفكر المتطرف، أو البقاء عرضةً لفقد السلم والحياة الآمنة.

ولكن على الرغم من خطورة الموقف يطرق الأمل أبواب القارة السمراء معلنًا أن التخلص من الإرهاب ليس مستحيلًا، بل يتطلب جهودًا شاقة على الصعيدين الميداني والفكري.




التعليقات

  1. راميا ٠١ يوليه ٢٠١٧ - ١٠:٠٨ ص

    مقال رائع

  2. سوسن ٠١ يوليه ٢٠١٧ - ١٠:٠٩ ص

    تسلم الايادي .. ابدعتي

  3. محمود أبوضيف ٠٣ يوليه ٢٠١٧ - ٠٢:٢٧ م

    حسبي الله ونعم الوكيل

اضف تعليق