أبرز المشاهد الوطنية في حياة فنانين مصريين من أصول يهودية


٠٦ يوليه ٢٠١٧ - ٠٤:٣٤ م بتوقيت جرينيتش



كتب - عاطف عبد اللطيف

شهدت السينما المصرية منذ ثلاثينيات القرن الماضي وجودًا كبيرًا ومؤثرًا لفنانين يهود ومن أصول يهودية أثروا وأسهموا بأعمالهم في التعبير عن مراحل فارقة من تاريخ مصر وعبروا كذلك عن المتغيرات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها مصر في تاريخيها الحديث والقديم.

وعلى جانب آخر فمنهم الكثيرون الذين أثرت عليهم انتماءاتهم الدينية إلى اليهود وتنامي حلم أرض الميعاد مع ميلاد الدولة الإسرائيلية الصهيوينة وتنكروا لمن أعطاهم الشهرة والمال والمأوى والوطن ومن هؤلاء راقية إبراهيم التي أصبحت أهم ممثلة في فترة الأربعينيات والخمسينات لكنها لم تحافظ على محبة المصريين لها.

وعندما تم عرض فيلم "زينب" في مهرجان (كان) السينمائي الدولي بفرنسا اختلفت مع الوفد المصري المصاحب لها، وادعت أنها تتعرض لاضطهاد من الحكومة المصرية بسبب كونها يهودية، إلا أن هناك من حفظوا لمصر الجميل وناصروا القضية الفلسطينية واتسموا بالروح المصرية الأصيلة وأسهموا في تسليح الجيش المصري، وهو ما ترصده "رؤية" في السطور التالية.




المساهمة في تسليح الجيش المصري

سجلت الفنانة الراحلة نجمة إبراهيم، والتي اشتهرت بتقديم أدوار الشر على الشاشة الفضية والمسارح رغم ما عرف عنها من طيبة القلب ودماثة الخلق، مواقف مشرفة خاصة دروها في فيلمي "ريا وسكينة" و"نحن لا نزرع الشوك"، فبعد أن بلغ نجاح فيلم "ريا وسكينة" شأنًا كبيرًا كتب زوجها عباس يونس وقتها مسرحية بعنوان "سر السفاحة ريا" لتقدمها نجمة إبراهيم على المسرح بفرقتها التي أسستها عام 1955 بالاشتراك مع زوجها.

وقد تجلت أكثر مواقفها الوطنية تأثيرًا في حياتها حينما خصصت إيراد الليلة الأولى من المسرحية لتسليح الجيش المصري بعد إعلان الرئيس جمال عبد الناصر- وقتها- قراره الشهير كسر احتكار السلاح واستيراد السلاح للجيش المصري من دول الكتلة الشرقية بعد أن كان معظم تسليحه من دول الغرب، وقد حضر محمد أنور السادات، عضو مجلس قيادة الثورة- آنذاك- ليلة الافتتاح التي خصص إيرادها لتسليح الجيش المصري وبعد انتهاء المسرحية صعد على خشبة المسرح وقام بمصافحة الممثلين وشد على يد الراحلة نجمة إبراهيم بشدة.




دعم القضية الفلسطينية

وكان للمطربة الراحلة ليليان زكي المعروفة بــ ليلى مراد، حظ وطني خالص بعد أن عرفت كمطربة يهودية الديانة، ولكنها مصرية الجنسية، وفي عام 1946 فاجأت ليلى مراد الجميع حينما أشهرت إسلامها بعد أن تزوجت من الراحل أنور وجدي الذي جمعته بها العديد من الأعمال الفنية الناجحة، منها أفلام "قلبي دليلي" و"ليلى بنت الأغنياء" و"ليلى بنت الأكابر" و"ليلى" و"ليلى بنت الريف"، وحين تفاقمت أزمة فلسطين على سطح الحياة السياسية في مصر، اختارت ليلى أن تكون مع مصر وفلسطين، وظهر فيلم "شادية الوادي" وفيه استعراض لقضية فلسطين، وتعاطفت مع القضية والشعب الفلسطيني.

كما أن ليلى مراد وأسرتها كانوا من الرافضين لمسألة ترك مصر والهجرة إلى فلسطين أو إلى ما يسمى بوطن اليهود وحلمهم، وعندما كانت صغيرة عارضت الحاخام في مصر ورفضت الهجرة وتوسلت إلى والدتها التي أيضًا كانت مقتنعة بعدم الهجرة إلى "أرض الميعاد" كمكان لا تعرفه ولم تعش فيه، حيث كانت تعتبر مصر هي الوطن والأم والدين.

ولم تكتف ليلى مراد بذلك بل قامت بإنتاج فيلم "الحياة حب"، وهو الفيلم الوحيد الذي مثلت فيه من إنتاجها وبأموالها لتؤكد موقفها من القضية الفلسطينية حين قامت بدور ممرضة في مستشفى لرعاية الضباط الجرحى العائدين من حرب فلسطين، ومن بينهم الضابط الذي أحبته، وبذلك أكدت ليلى مراد بما لم يدع مجالاً لأي شك أنها مصرية عربية قبل أن تكون يهودية، وأنها لم تتخل عن ديانتها وتختار الإسلام دينًا إلا عن قناعة نابعة من قلبها وروحها، وقد أسهمت ليلى مراد بأموالها في دعم القضية الفلسطينية بعد حرب 1948 ودعم الجيش المصري هناك، وكان هذا الموقف هو الأكثر شجاعة بين زملائها الفنانين اليهود والذين اختلفت مواقفهم الخاصة بالحرب وفلسطين.




بسمة ومنير ومراد

بدورها علقت الناقدة الكبيرة ماجدة موريس على دور الفنانين المصريين في السينما المصرية بغض النظر عن ديانتهم وكونهم ذوي أصول يهودية، وأشارت إلى أن الأمر لم يكن يتعلق باليهودية من عدمها في نسيج المجتمع المصري فيما قبل ثلاثينيات القرن الماضي.

فالشعب المصري لم تكن له حساسية تجاه اليهود قبل ميلاد الدولة الإسرائيلية على الأراضي العربية، وأن اليهود كانوا ذائبين في النسيج المصري في المناطق الراقية والحارات والأزقة، وأن الحساسية التي تولدت لدى جمهور السينما من الفنانين ذوي الأصول اليهودية كراقية إبراهيم تولدت بعد أربعينيات القرن الماضي أو لمواقف الفنانين أنفسهم ثم صارت حساسية مطلقة نتيجة كره كل ما هو يهودي بسبب إسرائيل.

وعن الدور الذي لعبه هؤلاء الفنانين في تاريخ السينما المصرية، تطرقت الناقدة إلى أن هناك مواقف كثيرة أثبت خلالها هؤلاء الفنانين أنهم فنانين كبار ونجوم لا يقلون عن نجوم السينما الأمريكية في هوليوود حتى أن الصحافة الأمريكية في فترة من الفترات تناولت ليلى مراد بالإشارة إلى أن أجرها تعدى أجر عديد من نجوم السينما الأمريكية وقتها.

كما أنها نافست سيدة الغناء العربي "أم كلثوم" على زعامة الغناء في مصر في وقت كانت فيه كوكب الشرق متربعة على عرش الغناء المصري، ناهيك عن الأدوار القومية التي قام بها العديد من النجوم اليهود في تاريخ السينما المصرية ومنهم نجمة إبراهيم التي ساهمت في تسليح الجيش المصري، متطرقة إلى أن منير مراد شقيق ليلى أيضًا كانت له مواقف لا تنسى في تاريخ السينما ولكنه لم يكن يحب أن يتطرق إلى الحديث عن نفسه كثيرًا.

معتبرة أن نزول الفنانة بسمة، وهي فنانة لجد يهودي، من أوائل المبكرين بالنزول إلى ميدان التحرير والمجاهرة بالخروج على نظام الرئيس السابق حسني مبارك في 25 يناير 2011م، أمرًا ليس بالغريب لأن لجدها مواقف وطنية لا تُنسى في التاريخ المصري.


اضف تعليق