هل تصبح باريس مركزًا ماليًا بديلًا للندن؟


٠٩ يوليه ٢٠١٧ - ٠٥:١٥ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

منذ أن صوت البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفرنسا تبذل مجهودات حثيثة لجعل باريس مركزًا ماليًا عالميًا بدلًا من لندن.

ويحاول المسؤولون الفرنسيون جذب الشركات في بريطانيا من خلال تسليط الضوء على المناطق السياحية في العاصمة الفرنسية، إذ أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيجبر الشركات على نقل بعض أنشطتها إلى الاتحاد الأوروبي.

وأكدت الحكومة الفرنسية استعدادها لأن تفرش "السجاد الأزرق والأبيض والأحمر" (ألوان العلم الفرنسي) أمام المستثمرين ورجال الأعمال لأجل مغادرة لندن والاستقرار في باريس على خلفية عملية انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي (بريكست).

باريس تغري المستثمرين

في إطار فعاليات قمة مجموعة العشرين التي استضافتها مدينة هامبورغ الألمانية على مدار يومين، قدمت الحكومة الفرنسية إجراءات جديدة تهدف إلى إقناع القطاع المالي بمغادرة لندن للاستقرار في باريس على خلفية عملية انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي (بريكست).

وتشمل هذه الإجراءات القطاع الضريبي عبر إلغاء توسيع الرسوم على الصفقات المالية للعام 2018، وتحديد سقف الشريحة العليا للضريبة على الأجور التي تؤثر على الدخول الكبيرة للقطاع المالي بـ 20%، واستثناء "المكافآت" التي تكون كبيرة جدا في القطاع المالي في بعض الأحيان من تعويضات تسريح الموظفين "المجازفين" مما يفترض أن يعود بالفائدة على أرباب العمل.

وقالت السلطات الفرنسية إن ثلاث مدارس ثانوية دولية إضافية ستفتح في منطقة إيل-دو-فرانس (المنطقة الباريسية) حتى 2022، إلى جانب ست من هذه المدارس موجودة حاليا.

والإجراء المهم الآخر هو إطلاق الحكومة لمشروع محكمة جديدة هي "غرفة تجارية دولية متخصصة بالخلافات التي تتسم بتقنية قانونية عالية"، تضم إلى محكمة الاستئناف في باريس.

وقال رئيس الوزراء إدوار فيليب: "يمكن أن نشعر بالأسف لهذا القرار (بريكست) أو بالارتياح، لكنه قائم في كل الأحوال وعلينا استخلاص النتائج".

من جهتها، قالت رئيسة منطقة باريس فاليري بيكريس مخاطبة المستثمرين و"الذين خاب أملهم بنتيجة بريكست: "إننا مستعدون لأن نمد لكم السجاد الأزرق والأبيض والأحمر (ألوان العلم الفرنسي) كما فعلت لندن مع باريس في الماضي. نرحب بعودتكم إلى أوروبا".

وبدوره، أكد جيرار ميستراليه، رئيس منظمة "باريس يورو بلاس"، أن انتقال جزء من الأنشطة المالية من لندن الى باريس بعد البريكست، قد يتيح في ظرف عامين توفير 20 ألف فرصة عمل في فرنسا.

بريطانيا تتجاهل الإجراءات الفرنسية

قللت الحكومة البريطانية من أهمية الإجراءات الفرنسية، وأكدت على أن لندن هي أهم منصة مالية في العالم بأكبر حصة من هذه السوق في قطاع الخدمات المالية.

وقالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، إن زعماء عدة دول أعضاء في مجموعة العشرين أبدوا رغبة قوية في إقامة علاقات تجارية ثنائية جديدة طموحة مع بريطانيا، بعد انسحابها من الاتحاد الأوروبي.

وتسعى ماي إلى الحصول على أقصى "دخول ممكن" للشركات البريطانية إلى السوق الموحدة وسط مخاوف حول تأثيرات الخروج من أكبر تكتل تجاري في العالم على الوظائف والنمو.

إلا أن التوصل إلى اتفاق تجاري سيشكل مهمة جسيمة حيث تفتقر بريطانيا إلى مفاوضين مؤهلين، كما أن احتمال اللجوء إلى القوانين الأساسية لمنظمة التجارة العالمية تلوح في الخلفية.

وقد تتأثر مكانة لندن كأبرز مركز مالي في أوروبا، نظرا لأن البنوك ستفقد حقها في بيع الخدمات المصرفية والمالية في دول الاتحاد الأوروبي بعد البريكست.

مستقبل غامض ينتظر لندن

وظف قطاع الخدمات المالية البريطاني في عام 2016 أكثر من مليون شخص "3.1% من الوظائف المتاحة في أنحاء المملكة المتحدة"، وساهم في نحو 7.2% من إجمالي القيمة المضافة للمملكة المتحدة، أي أكثر من نصف إسهام لندن، لذلك سوف يمثل أي تهديد للقطاع، ولوضع لندن ومكانتها بوصفها مركزاً مالياً عالمياً رائداً، ضربة قوية.

ومن المتوقع أن تفقد لندن ما بين 4 آلاف إلى 230 ألف وظيفة مالية ومصرفية، وذلك وفقاً لتطورات مفاوضات "بريكست" الجارية والمستمرة فصولاً لمدة سنتين.

وفي السيناريو الأسوأ، ستشهد لندن نزوح مئات آلاف الوظائف إلى مدن أوروبية أخرى.

الأمر الذي سيكبد القطاع المالي في المملكة المتحدة 43.2 مليار يورو، ومن شأنه أن يحد من قدرتها على الوصول إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي.

ويعد تضرر القطاع المالي البريطاني والأوروبي من أكبر المخاوف التي اثارها "بريكست"، لأن لندن تعتبر مركزا ماليا عالميا، الأمر الذي دفع المفوضية الإوروبية إلى إعداد خطة لتنظيم صناعة مربحة جداً في قطاع لندن المالي تحديداً.

وتتيح الخطة المقترحة تنظيم بيوت المقاصة التي تسوي انواعاً معينة من العقود المبرمة باليورو، ولكن خارج الاتحاد الأوروبي.

آلاف الوظائف في لندن مرتبطة بأنشطة مقاصة اليورو والقيمة السنوية للنشاط تصل إلى تريليونات اليورو مع كون مراكز المقاصة في لندن هي المسؤولة عن حوالي ثلاثة أرباع هذا النشاط.

يقدر بأن بيت مقاصة لندن الذي تساهم بورصة لندن في ملكيته، يتعامل مع 930 تريليون يورو يومياً من إجمالي قيمة العقود المتداولة.
يعمل مركز المقاصة كوسيط بين المشتري والبائع للعملات والأسهم والسندات أو المؤشرات، مع تعامل الطرفين مع مركز المقاصة، بدلاً من التعامل مع بعضهما البعض، ما يؤدي إلى تسريع العملية.

وبسبب هذه النسبة الكبيرة من الصفقات التي يتولاها بيت لندن، فإن ما يحدث في العاصمة البريطانية يمكن أن يمارس تأثيراً بالغاً على استقرار منطقة اليورو رغم ان بريطانيا لا تستخدم اليورو.

لذلك تهدف خطة المفوضية الأوروبية إلى تمكين الاتحاد الأوروبي بشكل أكبر للسيطرة والرقابة على بيوت المقاصة التي تتعامل باليورو بعد خروج بريطانيا.


اضف تعليق