"أبو مازن" بين مخاوف التهميش وقطع الأيادي العابثة بغزة


١٠ يوليه ٢٠١٧ - ٠٨:٣٠ ص بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

أنهى الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن زيارته إلى العاصمة المصرية القاهرة، والتي التقى خلالها بأبرز المسؤولين المصريين في طليعتهم الرئيس عبد الفتاح السيسي، ووزير الخارجية سامح شكري، إضافة إلى الوزير خالد فوزي رئيس المخابرات العامة المصرية.

الزيارة جاءت، بحسب البيانات الرسمية للرئاسة المصرية، بهدف استعراض أهم تطورات القضية الفلسطينية وجهود إحياء عملية السلام، وإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني، إلا أن ثمة أمور أخرى تكمن في زيارة الرئيس الفلسطيني إلى القاهرة، نستعرضها بالتحليل في التقرير التالي.

عملية السلام.. والمصالحة الفلسطينية أهم البنود المعلنة

فزيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، تأتي على رأس أولوياتها المعلنة، بحث التطورات على صعيد القضية الفلسطينية، وجهود إحياء عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية المتجمدة.

بيان مؤسسة الرئاسة الفلسطينية، تحدث عن بحث الزعيمين الفلسطيني والمصري، الجهود الفلسطينية الساعية لحشد الدعم والتأييد الدولي لتطبيق حل الدولتين، الفلسطينية والإسرائيلية، استنادًا لقرارات الشرعية الدولية، وكذلك مبادرة السلام العربية، فضلًا عن استعراض الجهود الأمريكية الأخيرة لإحياء عملية السلام، وخلال اللقاء، أكد الرئيس السيسي التزام مصر الكامل بالتوصل إلى حل شامل وعادل يضمن حقوق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، كما شدد الرئيس المصري على كون القضية الفلسطينية على رأس أولويات بلادها، حيث تعد ركيزة أساسية للسلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

على جانبٍ آخر، استعرض الرئيس الفلسطيني ملف المصالحة الوطنية وإنهاء حالة الانقسام الفلسطيني، التي أضعفت الموقف التفاوضي الفلسطيني في عملية السلام، حيث تفرض السلطة الفلسطينية سلطتها على الضفة الغربية والقدس الشرقية، فيما يغيب الوجود الرسمي للسلطة لحساب حركة حماس في قطاع غزة، بعد أحداث انقلاب 2007، وذلك خلال لقاءه بالوزير خالد فوزي رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية.

استعادة العلاقات بين السلطة الفلسطينية والقاهرة

مرت العلاقات بين السلطة الفلسطينية والقاهرة خلال الفترة الماضية، بحالة من الفتور أو البرود، تجلى ذلك في التقارب بين السلطات المصرية وحركة حماس مؤخرًا، على أساس جملة من التفاهمات، ترتبط أغلبها بالجانب الأمني لمصر من الجهة الشرقية، كما يتعلق بترتيبات جديدة في منطقة الشرق الأوسط تهدف لخلق توازانات جديدة.

كما ظهرت حالة التباعد بين رام الله والقاهرة، في حالة الغضب غير المُعلنة من السلطات المصرية، على إجراءات السلطة الفلسطينية التي مارستها لخنق قطاع غزة، في ظل الحصار الإسرائيلي الموجود أصلًا، فالسلطة الفلسطينية قد امتنعت عن سداد قيمة فاتورة الغاز المستخدم في تشغيل محطات الكهرباء في قطاع غزة، ما تسبب في توقف 4 منها، إلى جانب تقليص رواتب الموظفين في القطاع، في محاولة للضغط على حماس لتسليم السلطة في القطاع إلى حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية.

كل ذلك تسبب في حالة من البرود في العلاقات الفلسطينية المصرية على المستوى الرسمي، حيث ترى القاهرة في حالة ازداد الحصار المفروض على قطاع غزة سوءًا، خطرًا يتمثل في إمكانية اختراق الحدود المصرية من قبل الفلسطينيين بالقطاع.

التقارب بين القاهرة وحركة حماس

شهدت العلاقات بين السلطات المصرية وقيادات حركة حماس في قطاع غزة، تقاربًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية، فمع استشعار حركة المقاومة الفلسطينية، بانحسار النفوذ الإيراني والقطري في الفترة المقبلة، خاصةً مع الإصرار الإماراتي المصري لتغيير المعادلة في المنطقة، يدعمهم في هذا الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية، خاصة مع رغبات مشتركة في تحجيم التوغل الإيراني في دول منطقة الشرق الأوسط، وكذلك بدء تراجع الدور القطري في المنطقة عقب قرار الدول العربية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الدوحة، في الخامس من شهر يونيو الماضي.

وعلى ذكر المساعي الإماراتية لتحجيم الدعم القطري للإرهابيين في قطاع غزة، فقد قدمت الإمارات منحة قدرت قيمتها بـ 5 ملايين دولار، بهدف إعادة تأهيل معبر رفح الاستراتيجي بين قطاع غزة ومصر، على أن تقوم الأخيرة بتوفير لوجيستيات المراقبة، كما تعتزم الإمارات تمويل إنشاء محطة جديدة لتوليد الطاقة في القطاع بقيمة 150 مليون دولار في قطاع غزة، كما ألمحت أبوظبي إلى إمكانية المشاركة في بناء ميناء بحري في القطاع.

وفي جانب الجهود المصرية لتعزيز النفوذ العربي في قطاع غزة، في ضوء التحالفات الجديدة في المنطقة، حيث بدأت القاهرة في التعامل بشكل مباشر مع حركة حماس في قطاع غزة، فقد توصل الجانبين إلى اتفاق مفاده إمداد القطاع بالغاز اللازم لتشغيل محطات الطاقة، خاصةً بعد امتناع السلطة الفلسطينية عن سداد قيمة الغاز القادم من كيان الاحتلال ، كما جرى الحديث عن إمكانية دخول منتجات وسلع استهلاكية مصرية للمرة الأولى إلى قطاع غزة منذ فترة طويلة، كما قررت السلطات فتح معبر رفح أمام حركة العبور الفلسطينية من وإلي قطاع غزة والأراضي المصرية في سبتمبر المقبل.

كل تلك الإجراءات الإيجابية من جانب مصر والإمارات، كان لابد لها من ثمن، دفعته حركة حماس مقدمًا، من أجل الفوز بدعم الدولتين العربيتين الكبيرتين، حيث توصلت الحركة مع السلطات المصرية إلى تفاهمات كبرى خلال الفترة الماضية، دفعتها للقيام بسلسلة من الإجراءات الأمنية، تهدف لضبط أمن الحدود، ومنع تسريب المتطرفين إلى سيناء، حيث أقامت السلطات الأمنية في قطاع غزة، منطقة أمنية عازلة على الشريط الحدودي بين القطاع ومصر بعمق مئة متر في مدينة رفح الفلسطينية، كما أبدت الحركة استعدادها لفعل "المستحيل" من أجل التقارب مع القاهرة، وتأمل في سبيل هذا لتطويل العلاقات معها على كافة المستويات، وإعادة تنشيط الحركة التجارية وتسهيل مرور الأفراد عبر المعبر الوحيد المُتاح بين الجانبين.

السلطة الفلسطينية.. ومخاوف من التهميش

مما سبق، يمكن أن نستنتج المغزى الحقيقي وراء زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن الأخيرة للقاهرة، وهي الزيارة التي تحدثت بعض المصادر عن إلغائها، إلا أنها قد تمت بالفعل، وسعى خلالها أبومازن لتدارك حالة الانفلات السريع في الأمور من بين يديه، لصالح الخصم العنيد للسلطة الفلسطينية المتمثل في حركة حماس، كما استشعر عباس للمرة الأولى، حالة الإصرار المصري الإماراتي على تبني استراتيجية من شأنها تغير الواقع اليومي والسياسي والأمني في قطاع غزة، بعيدًا عن الأيادي القطرية والإيرانية التي ظلت تعبث طوال الفترة الماضية داخل القطاع.

وعلى الرغم من مخاوف أبو مازن وكون التقارب مع حماس يمثل ورقة ضغط عليه إلا أن التقارب مع حركة حماس في الآونة الأخيرة أصبح خيارًا أمنيًا وسياسيًا ضروري وملح.

فالقاهرة ليست بصدد تعميق الخلاف بين غزة والضفة ، بل هي تعمل ضمن رؤية إقليمية لإنهاء الحالة الشاذة للقطاع ، وتسعى لإنهاء الخلافات لتهيئة الفلسطينيين ليكونوا أكثر وحدة وقربًا للتسوية .
 
تأتي زيارة أبو مازن لاستيضاح أهداف التقارب بين القاهرة وحماس ، والتأكيد على أن مساعدة حماس تقوّض جهود المصالحة.
ويبدو أن أبومازن ليس لديه خيار آخر، سوى القبول بالواقع الديموغرافي الجديد، الذي فرضته ظروف الأوضاع الأمنية المتوترة في منطقة الشرق الأوسط  خلال الفترة الأخيرة ويجب أن يساهم إلى جانب القاهرة وأبو ظبي في قطع الإيادي القطرية الإيرانية العابثة في غزة.


اضف تعليق