مذبحة سربرنيتشا.. "جرح غائر" في ضمير العالم


١١ يوليه ٢٠١٧ - ٠٦:٥٢ م بتوقيت جرينيتش

رؤية – محمود سعيد

تحيي البوسنة والهرسك، اليوم الثلاثاء، مرور 22 عاما على مجزرة سربرنيتشا، ذكرى مجزرة سربرنيتشا التي راح ضحيتها نحو ثمانية آلاف مسلم، مذبحة سربرنيتسا تعرف أيضا باسم الإبادة الجماعية في سربرنيتشا/سربرنيتسا ((بالبوسنوية: Genocid u Srebrenici))، إبادة جماعية شهدتها البوسنة والهرسك في يوليو 1995 وراح ضحيتها حوالي 8 آلاف شخص من المسلمين البوشناق أغلبهم من الرجال والصبيان في مدينة سربرنيتشا خلال حرب البوسنة والهرسك ونزح عشرات الآلاف من المدنيين المسلمين من المنطقة. وقد ارتكب المجزرة وحدات من الجيش الصربي تحت قيادة الجنرال راتكو ملاديتش. وصف الأمين العام للأمم المتحدة هذه المجزرة على أنها أسوأ جريمة على الأراضي الاوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

وتوجد وحدة شبه عسكرية صربية معروفة باسم "العقارب" (بالأبجدية السيريلية الصربية: Шкорпиони) شاركت في المجزرة وكانت رسمياً جزءاً من وزارة الداخلية الصربية حتى عام 1991م.

مجزرة المناطق الآمنة

في أبريل/نيسان عام 1993م أعلنت الأمم المتحدة مدينة سربنيتشيا شرق البوسنة منطقة آمنة بضمانة الأمم المتحدة التي أرسلت كتيبة هولندية 400 مقاتل للحماية وبناء على ذلك سلم المسلمون أسلحتهم وبعد التسليم هاجمت القوات الصربية المدينة وذبحت جميع الرجال واغتصبت النساء.

وخضع جيب سربرنيتشا للحصار العسكري منذ بداية حرب البوسنة عام 1992 وحتى وقوع المذبحة قبل شهور قليلة من انتهاء الصراع عبر الوساطة الدولية.

عمدت تلك القوات إلى فصل الرجال قبل قتلهم عن النساء والأطفال والمسنين، الذين تم ترحيلهم، كما تم اغتصاب العديد من النساء. وقد دفنت الجثث في مقابر جماعية تم نبشها لاحقا وتوزيع الرفات على مقابر أخرى أصغر ومشتتة من أجل إخفاء حجم المجزرة.

وحكمت محكمة الجزاء الدولية في شباط/مارس 2016 على رادوفان كراديتش الذي عرف بـ "سفاح البوسنة" بالسجن 40 عاما بتهمة "الإبادة" وفقا للمحكمة. وكان الجنرال راتكو ملاديتش الملقب بـ "جزار البلقان" قد اعتقل في أيار/مايو 2011 وتم نقله إلى لاهاي حيث لا يزال قيد المحاكمة ويتوقع أن يصدر الحكم النهائي بحقه في تشرين الثاني/نوفمبر 2017.

أرقام وضحايا

وتقف مقبرة سربرنيتشا شاهدا على فظاعة المذبحة حيث تضم رفات أكثر من ستة آلاف من مجمل الضحايا الذين وصل عددهم المؤكد إلى ثمانية آلاف و732.

ويقول تشامل دوراكوفيتش عمدة منطقة بودرينيه -حيث تقع سربرنيتشا, على بعد 164 كيلومترا شمال شرق العاصمة سراييفو- إن هناك أربعة آلاف و500 شخص ما زالوا في عداد المفقودين.

أما حلمه فهو رؤية العدالة تتحقق "بحق العديد من الصرب الذين شاركوا في المجزرة ولم تطلهم يد القانون". ويضيف "نحن لم ننس ولن نغفر للمجرمين الذين اشتركوا في المذبحة".

ويشاركه هذا الحلم مدير المركز الإسلامي في سربرنيتشا علي توباكوفيتش. ويقول إن الصرب لا يقولون الحقيقة فيما يتعلق بمسؤوليتهم عن المجازر. ويذكر أن وثائق مؤكدة لدى صربيا تشير إلى اشتراك 18 ألف جندي صربي في مذبحة سربرنيتشا.

ويؤكد إن منصبه الذي حصل عليه بالانتخاب يحتم عليه العمل في منطقة بودرينيه لمصلحة البوسنيين والصرب معا. وقد قام بتعيين نائب صربي له "للعمل لمصلحة الطرفين ولبناء مستقبل أفضل". ويعترف بصعوبة مهمته, لكنه يقول إنه لا يوجد حل آخر غير التعايش.
ويضيف أن حكومة جمهورية صربسكا تضع العراقيل أمام عودة نحو 250 ألفا من البوسنيين الذين تركوا بودرينيه خشية عودة الأغلبية المسلمة بالمنطقة التي تتاخم حدود صربيا" وتحملت العبء الأكبر عند بدء الهجوم الصربي في بداية الحرب في 1992 بسبب القرب الجغرافي من صربيا".

ويعيش في سربرنيتشا حاليا ما بين سبعة آلاف وعشرة آلاف شخص من البوسنيين والصرب, يمثل الصرب 70% منهم بينما يمثل البوسنيون النسبة المتبقية، في حين أن عدد سكان المدينة قبل الحرب وصل إلى 36 ألفا و666 مثل البوشناق أو البوسنيون 80% منهم.
وتسعى بلدية بودرينيه لإعادة بناء أكثر من ستة آلاف و500 منزل دمرتها الحرب وإعادة إنشاء مناطق صناعية ازدهرت منذ عهد يوغسلافيا السابقة. لكن دوراكوفيتش يقول إن المهمة صعبة بسبب عدم كفاية الأموال التي تقدمها الحكومة الاتحادية والتبرعات الدولية لتوفير الوظائف وتنفيذ المشروعات التي تشجع النازحين على العودة. ولم تستطع البلدية بناء أكثر من 15 منزلا في السنة.

الجثث لازالت تدفن

وسيدفن اليوم في هذه المناسبة 70 جثة بعد أن عثر على الرفات في مقابر جماعية وتم تحديد الهويات حديثا. وكان القضاء الدولي قد اعتبر أن هذه المجزرة ترقى لمستوى الإبادة رغم الرفض الصربي.

ومن المرتقب أن يصل عدد المدفونين في المقبرة إلى 6 آلاف و575، مع دفن الضحايا الـ71 هذا العام.‎

مسؤولية هولندا

وقد أكدت محكمة استئناف هولندية أن هولندا مسؤولة جزئيا عن مقتل 350 بوسنيا مسلما طردوا من قاعدة هولندية تابعة للأمم المتحدة بعد أن اجتاحت قوات صرب البوسنة منطقة سربرنيتشا خلال الحرب الأهلية في يوغوسلافيا السابقة.

ففي 11 يوليو/ تموز من عام 1995، لجأ مدنيون بوسنيون من بلدة سربرنيتشا إلى حماية الجنود الهولنديين، بعدما احتلت القوات الصربية البلدة، غير أن الهولندين أعادوا تسليمهم للصرب.

ويؤيد قرار محكمة الاستئناف في لاهاي قرارا صدر عام 2014 بأن قوات حفظ السلام الهولندية كان بوسعها أن تدرك أن الرجال الذين لجؤوا إلى القاعدة في قرية بوتوكاري سيتعرضون للقتل على أيدي قوات صرب البوسنة إذا أجبرتهم على الرحيل، وهو ما حدث بالفعل.
ويعتبر الحكم استثنائيا نظرا إلى أن الأمم المتحدة تتمتع بالحصانة من الملاحقة القضائية.

ورفضت المحكمة التماسا قدمه أقارب ضحايا آخرين في سربرنيتشا دفعوا فيه بضرورة تحميل الحكومة الهولندية مسؤولية حماية آلاف آخرين من المسلمين الذين احتشدوا أمام القاعدة.


وإحياء ذكرى مذبحة سربرنيتشا بات تقليدا سنويا يحضره آلاف الأشخاص لا سيما أهالي الضحايا، فالجرح بالغ المقام في ذاكرة مسلمي البوسنة.

 




اضف تعليق