المسجد الأقصى.. تاريخ من الانتهاكات


١٥ يوليه ٢٠١٧ - ٠٩:٤١ ص بتوقيت جرينيتش

هدى إسماعيل

المسجد الأقصى تلك الواجهة التي يحتمي فيها الفلسطينيون من طغيان الاحتلال الصهيوني، الجدران التى عاصرت جرائم ارتكبها الاحتلال، والتي أصبحت عرض مستمر، كان آخر تلك الاعتداءات ما حدث أمس الجمعة، حيث قرر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" إغلاق المسجد الأقصى المبارك بالكامل وحظر إقامة صلاة الجمعة فيه، وذلك للمرة الأولى منذ العام 1969 على إثر حرق المسجد الأقصى آنذاك.

وأغلق جنود الاحتلال مداخل البلدة القديمة ومنعوا المواطنين من الدخول أو الخروج، ووضعوا الحواجز الحديدية على محيط أبواب البلدة القديمة، كما أغلقوا جميع أبواب المسجد الأقصى وأخرجوا جميع المصلين من ساحاته، وتم إعلانه منطقة عسكرية مغلقة حتى إشعار آخر، وذلك عقب عملية مزدوجة أدت لاستشهاد 3 شبان فلسطينيين ومقتل شرطيين من الاحتلال.

البداية 1967





في 7 يونيو أي بعد حرب النكسة بعدة أيام، اقتحم أحد الجنرالات اليهود وهو "مورخاي جور" ومعه جنوده إلى المسجد الأقصى، وقاموا برفع العلم الإسرئيلي على ذلك المقدس الديني الشريف.

وكانت أول مرة يمنع فيها المصلين من دخول المسجد الأقصى، بسبب مصادرة "مورخاي" مفاتيح أبوابه كلها، وإغلاقه على مدى أسبوع كامل، منعوا خلاله الصلاة والأذان، وفي يوم 15 يونيو أقام الحاخام "شلومو غورن" أحد حاخامات اليهود، وخمسون من أتباعه صلاة اليهودية في ساحة المسجد الأقصى، وبعدها بأيام شب في الجناح الشرقي للمسجد حريق ضخم.

التهمت النيران فيه كامل محتويات الجناح بما فيه ذلك المنبر التاريخي المعروف بمنبر صلاح الدين، كما هدد الحريق قبة الجامع الأثرية المصنوعة من الفضة.

وفي نفس العام امتدت يد العدوان الصهيوني لإحراق المسجد الأقصى؛ مما أدى إلى إحراق الجناح الشرقي من المسجد الأقصى.

أما في عام 1990 حاولت حركة "أمناء جبل الهيكل" اقتحام الأقصى لوضع حجر أساس "للهيكل" المزعوم، وارتكاب مذبحة الأقصى الأولى على يد قوات الاحتلال ضد المسلمين المحتجّين، ما أدى لاستشهاد 34 وإصابة 115.

وفي عام 1996 كانت "انتفاضة الغضب" حيث قام يهود متطرفون بحفر نفق تحت الجدار الغربي للمسجد، واندلعت انتفاضة الغضب، ثم مذبحة الأقصى الثانية، حيث استشهد 62 فلسطينياً وأصيب 1600.

وفي عام 1999 دعا الحاخام المتطرف "إسحاق ليفي" إلى تقسيم المسجد الأقصى بين اليهود والمسلمين، وفي ديسمبر من نفس العام قرر إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بمنع هيئة الأوقاف الإسلامية من مواصلة الترميمات في المسجد حيث هددت سلطات الاحتلال بمنع بقطع المياه حتى يتوقف الترميم.
 
ثم عادت الانتهاكات تتجدد مع حلول عام 2000، مع اقتحام جديد قادة زعيم حزب الليكود المتطرف، ورئيس الوزراء الإسرائيلي "أرييل شارون"، وسط حماية عسكرية مشددة, وقتلوا العديد من المصلين.

وفي عام 2007، اقتحمت قوات الاحتلال ساحة الحرم القدسي، واصطدمت مع آلاف المصلين الفلسطينيين، فضلًا عن قيام مجموعات كبيرة من المستوطنين بمسيرة حول المسجد الأقصى المبارك رافعة شعارات عنصرية تدعو إلى قتل السكان العرب.

وفي عام 2009، شهد الأقصى مجازر عديدة لليهود بداخله، حيث أحبط الفلسطينيون محاولة اقتحام يهود متطرفين للمسجد الأقصى، بعد أن اعتكفوا فيه منذ يومين، وتطورت المواجهات بين الفلسطيين المرابطين داخل الأقصى وخارجه وبين الشرطة الإسرائيلية، بعد أن حاصرت الشرطة منطقة الحرم، ومنعت المصلين والزوار من الدخول إلى المسجد.

وفي عام 2010، تواصلت مذابح اليهود داخل المسجد الأقصى، حيث قامت قوات الاحتلال بدخول الساحات الخاصة بالمسجد وسيطرت عليها بالكامل، وأغلقت المسجد في وجه المصلين، وسمحت لليهود بالتجول فيها بحرية وأداء الطقوس الخاصة بهم.

عام 2011، قامت جماعات يهودية بالصاق صور العلم الاسرئيلي على حوائط المسجد الأقصى بعد أن اقتحمته، وأخرجت المصلين منه، فيما قامت فرق من شرطة ومخابرات الاحتلال باقتحام المسجد الأقصى على مدار يومين، وتتجول في ساحاته، وتقيم شعائرها الدينية بداخله.

كما تكررت محاولة احراق المسجد، ففي شهر إبريل من نفس العام، قام أحد جنود الاحتلال بالقاء قنبلة حارقة على المسجد الأقصى، لكن المصليين تمكنوا من منع اندلاع حريق كان سيحدث.

وفي بداية عام 2012 لم يكتف اليهود تلك الممارسات السابقة فقط، بل قاموا في ليلة رأس السنة الميلادية باقتحام المسجد عن طريق مجموعة من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وفي عام 2013 وقعت حادثة مشهورة حين اعتدى ضابط من شرطة الاحتلال الإسرائيلي على المشاركات في حلقات علم داخل باحات المسجد الأقصى المبارك، وركل القرآن الكريم بقدمه، وأسقطه على الأرض.

وفي مطلع شهر مارس من نفس العام اقتحمت قوات الاحتلال ساحات الأقصى من باب المغاربة وباب السلسلة، من الشرطة والوحدات الخاصة، وألقت الأعيِرة المطاطية والقنابل الصوتية باتجاه الشبّان.

كما حاصرت العشرات من المصلين في المسجد القبلي ووضعت السلاسل على أبوابه، وكانت النتيجة إصابة أكثر من 60بالإختناق.

وفي مطلع عام 2014، اقتحم أكثر من 20 جنديا إسرائيليا بزيهم العسكري،  و16 عنصرًا من مخابرات الاحتلال، وأكثر من عشرين مستوطنًا، اقتحموا المسجد، وفي 8 أكتوبر منعت قوات الاحتلال المصلين الفلسطينيين من دخول باحات المسجد الأقصى للصلاة، بمناسبة ما يمسى عيد "العرش أو السكوت" العبري.

فضلًا عن بناء كنائس بالقرب منه، ومتحف يهودي جديد، وقامت عبر تاريخها باعتداءات وحشية إجرامية بالضرب العنيف على المسنين في الأقصى رجالًا ونساءً.

مجرد إدانات





تنديد وقلق وإدانة هو كل ما يصدر من المجتمع الدولي ضد الانتهاكات الصهيونية على المسجد الأقصى ،إلا أن كل تلك الإدانات لم توقف المواجهات المستمرة والاقتحامات اليومية، ومحاولات السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من المسجد الأقصى، تمهيداً لتقسيمه زمانياً ومكانياً بين المسلمين واليهود.

الجامعة العربية أعلنت إدانتها الكاملة للقرار الإسرائيلي، واعتبر الأمين العام للجامعة العربية "أحمد أبو الغيط أن مثل هذا السلوك من شأنه إذكاء التطرف وتصعيد التوتر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبخاصة في القدس الشرقية".

أما الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فاستهجن وقوف الأمة "متفرجة" على إغلاق الأقصى الذي وصفه بالحدث الإجرامي الخطير.

وأعربت الكويت عن إدانتها واستنكارها الشديدين لمنع إسرائيل إقامة صلاة الجمعة في الحرم القدسي وإعلانه منطقة عسكرية، ومنع المصلين من دخوله للمرة الأولى منذ قرابة نصف قرن ، ووصف مصدر مسؤول في الخارجية الكويتية الإجراء ‏الإسرائيلي بأنه استفزاز لمشاعر المسلمين وانتهاك لحرية ممارسة الشعائر الدينية.

كما طالب الأردن إسرائيل بفتح المسجد الأقصى فورا أمام المصلين، وقال: إنه أجرى اتصالات مكثفة للضغط من أجل تحقيق هذا المطلبن ، ودعا إلى عدم اتخاذ أي إجراءات من شأنها تغيير الوضع التاريخي القائم فيالقدس والمسجد الأقصى والحرم القدسي الشريف.

انتفاضة جديدة





أما الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي فقد دشنوا هاشتاج انتفاضة القدس، وعملية المسجد الأقصى، إذ اعتبروها نقلة نوعية للعمليات في القدس.

وعبّر مغردون عن رضاهم عن العملية وعن أملهم في أن تهمد لانتفاضة جديدة، حيث غرد عمر الحسن قائلا: "اعتقال الاحتلال الشيخ محمد حسين مفتي القدس والديار المقدسة وقتله 3 فلسطينيين وغلقه المسجد الأقصى أمام المصليين كل ذلك سيشعل انتفاضة جديدة".

وشدد المتفاعلون مع هاشتاج انزل صلي بالأقصى أن القدس وفلسطين ستبقى القضية المركزية وبوصلة العرب، ودعوا الزعماء العرب للاصطفاف مع الشعب الفلسطيني وإلى تجريم التطبيع.

وضع الأقصى في القانون الدولي




من الواضح أن اتجاه تل أبيب لنزع السيادة الأردنية عن الأقصى واستبدالها بالسيادة الإسرائيلية، إجراء مخالف للرصيد القانوني الذي حدّد وضع مدينة القدس إن كان دولياً  أو عبر اتفاقيات إسرائيل الثنائية،  فقرار التقسيم رقم 181 حين عرّف دولة فلسطينية وأخرى إسرائيلية، جعل من مدينة القدس كياناً خارج هذه القسمة، وأحاله إلى سيادة دولية تديرها الأمم المتحدة، وبعد أربعة أعوام من القرار تخلّت الأمم المتحدة عن الفكرة في العام 1951، لكنّها لم تعترف حتى بسلطة الأمر الواقع الإسرائيلية على القدس الغربية في ذلك الحين، "حيث كانت القدس الشرقية التي تضم الأقصى تحت السيادة الأردنية في حينها".

وبعد احتلال الشق الشرقي للقدس عام 1967 جوبهت محاولة إسرائيل توحيد شطري المدينة بإدانة دولية واسعة، بينما صدر قرار مجلس الأمن رقم 242 بوجوب الإنسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، ليؤكد حتى يومنا هذا أن أية محاولة إسرائيلية لفرض سيادة على الأقصى هي انتهاك صارخ لقرارات الشرعية الدولية، حتى وإن حاولت إسرائيل ستر عوار هذا الإجراء وإضفاء بعض الشرعية عليه من خلال تمريره عبر الكنيست.

وفي عام 1980 أصدر مجلس الأمن قراره رقم 478 والذي أدان فيه إسرائيل لاعتمادها ما عُرف في حينه باسم "قانون القدس الأساسي" والذي أعلن القدس مدينة موحّدة تحت السيادة الإسرائيلية، ونصّ قرار مجلس الأمن على عدم الاعتراف بالقانون الإسرائيلي المذكور، ودعا دول العالم إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من القدس، لانها بذلك تصطدم ، بالعديد من النصوص التي حصّنت ملكية الموروثات الأثرية والثقافية والدينية، لا سيّما اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية وقت النزاع المسلح لعام 1954.

أما الاتفاقات الثنائية مع كل من الأردن ومنظمة التحرير، فتعهّدت بموجبها إسرائيل باحترام الولاية الأردنية على المواقع الإسلامية في القدس وفقاً للمادة رقم 9 من اتفاقية وادي عربة الموقعة عام 1994، مما يعني أن إقرار الكنيست لأي قانون من شأنه المسّ بالدور الأردني في القدس يعدّ بمثابة مخالفة صريحة لاتفاقية السلام مع دولة الجوار التي تمتلك أطول شريط حدودي مع فلسطين المحتلة، ويعدّ نصف سكانها أو أكثر من أصول فلسطينية، عدا عن أنّ المعاهدة نصّت على تعهد كل طرف بعدم الدخول في أي التزامات تتعارض مع بنود المعاهدة ذاتها، تحت مسؤولية إعادة النظر بالاتفاقية وتقييمها من جديد.

كما توافق الجانبان الفلسطيني والاسرائيلي بموجب معاهدة أوسلو، على تأجيل بحث ملف السيادة على القدس إلى مفاوضات الوضع النهائي، مما يعني أنّ أي خطوة أحادية الجانب تساوي خرقاً آخر لاتفاقية أوسلو وما لحقها من معاهدات أبرمت بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية دولية.

وتبقى القضية الفلسطينية ويبقى الأقصى قضية الحاضر والمستقبل ننتفض لها في يومنا بمجرد حدوث انتهاكات وتذوب بداخلنا بمجرد انتهاء اليوم ولكن المؤكد أن بداخل كل عربي أمل بانتهاء النكبة وأمنيه بالصلاة في الأقصى.



اضف تعليق