فرنسا.. الورقة الرابحة في الأزمة الليبية


٢٩ يوليه ٢٠١٧ - ١١:١٦ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – دعاء عبد النبي

رغم العديد من المحاولات السابقة التي فشلت في التوصل لاتفاق بين رئيس الوزراء الليبي فايز السراج والقائد العسكري في شرق ليبيا خليفة حفتر، جاء لقاؤهما في باريس للمرة الأولى في رسالة قوية لنجاح الدبلوماسية الفرنسية في جمع أطراف الأزمة الليبية والوصول لاتفاق وإصدار بيان.. اتفاق قد يشرعن وجود بعض الأطراف على الأرض دون حل الأزمة.. لوجود قرائن عديدة تحول دون تنفيذ هذا الاتفاق على أرض الواقع، ولكنه يجعل باريس تنافس على مصالحها الخارجية في ليبيا والتي غابت عنها لسنوات.

مبادرة ماكرون

أفضت المبادرة الفرنسية التي أطلقها الرئيس إيمانويل ماكرون بشأن الأزمة الليبية إلى اتفاق تعهد من خلاله حفتر والسراج بالالتزام بوقف إطلاق النار والتحضير لتنظيم انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة وتفادي اللجوء إلى السلاح العمليات الغير مرتبطة بمكافحة الإرهاب.

وعقب الاجتماع خاطب ماكرون الصحفيين "توجد شرعية سياسية تقع في أيدي السيد السراج. وتوجد شرعية عسكرية تتمثل في القائد العسكري حفتر. لقد قررا أن يعملا معا. هذا عمل قوي".

تمت صياغة المبادرة الفرنسية، عقب التشاور مع كل من مصر والمغرب والجزائر والإمارات.

وفي ما يلى أبرز البنود العشرة الرئيسية الواردة بنصّ البيان للاتفاق المشترك :

ــ  حلّ الأزمة الليبية سياسيًا والالتزام بعودة النازحين وإقرار العدالة الانتقالية.

ــ  الالتزام بوقف إطلاق النار، والامتناع عن استخدام أي قوة مسلحة لا ترتبط بمكافحة الإرهاب.

ــ  الالتزام ببناء دولة القانون في ليبيا، وتطبيق اتفاق الصخيرات.

ــ  مواصلة عمل مبعوث الأمم المتحدة لدى ليبيا.

ــ  نزع سلاح المقاتلين، وإعادة دمج المسلحين الراغبين في الانضمام إلى القوات النظامية الوطنية.

ــ العمل على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أقرب وقت ممكن، وبدعم وإشراف منظمة الأمم المتحدة.

ورغم التوصل لاتفاق بين طرفي الازمة، إلا ان سر الدور الفرنسي المفاجئ أثار العديد من التساؤلات حول أسبابه وأهدافه.

أسبابه

يرى المراقبون أن فرنسا اختارت ملف إحياء الملف الليبي والدفع به كأولوية، لعدة أسباب قد تكون أهمها انخفاض شعبية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لفشله في تحقيق وعوده الانتخابية ومنها محاربة البطالة وتحقيق الرفاعية لشعبه، وبعد اتهامه من قبل معارضيه بأنه "مبتدئ في عالم السياسة الخارجية وغير ضالع بدهاليزها.

والسبب الثاني، سعي ماكرون لتقوم بلاده بلعب دور قيادي في الشان الأوروبي لاسيما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفشل إيطاليا في التوصل لتوافق حيال الأزمة الليبية.

من ناحية أخرى، يرى المراقبون أن فرنسا لا تسعى لفرض نفوذها في ليبيا لأنها في النهاية تسير ضمن المجموعة الأوروبية، ولا يمكنها حل هذا الملف الشائك وحدها، فالفكر الماكروني بعيد كل البعد عن الإرث الاستعماري ويسعى لإظهار فرنسا بدور قيادي أوروبي والدفع بمبادرات ناجحة على الصعيد الخارجي، من أجل محاولة التغلب على الشأن الداخلي.

انفراج الأزمة.. أم شرعنة للآخر

وبعيدًا عن الدور الفرنسي، كان لابد من البحث عن فعالية وجدوى الاتفاق.. هل يعد بداية لانفراج الأزمة الليبية، أم محاولة لبحث أحدهما عن شرعنة تواجده في الحديقة الخلفية للآخر؟

تساؤلات أثارها الاتفاق الأخير الذي صدر برعاية فرنسية، لاسيما وأن هناك مناطق يسيطر عليها إرهابيون لا يمكن السيطرة عليها، فضلًا عن غياب مجلس النواب الممثل الشرعي المعترف به لليبيا من هذا الاتفاق.

ويرى المحللون أن حفتر له وزن كبير على الساحة الليبية، خاصة في المنطقة الشرقية وذلك لعدم تدخل الناتو بها وحفاظه على المؤسسة العسكرية بها، فضلًا عن إطلاق عملية الكرامة التي خلفت قاعدة جماهيرية له في الشرق الليبي.

بينما يعد السراج ضابط اتصال بين الأطراف الليبية في المنطقة الغربية لوجود أطراف متقاتلة، سيسعى للتوافق بينها، وهي أطراف تمتلك السلاح وتبحث عن دور لكتائبها في مؤسسات الجيش والشرطة وأغلبهم من المرتزقة، وقد لا يخضعون تحت مظلة جيش حفتر.

ومن ثم فمثل هذا الاتفاق سيعطي شرعية للواء خليفة حفتر لمحاولة احتواء الجانب الغربي في ليبيا، بينما سيسعى السراج لشرعنة وجوده في المنطقة الشرقية، في الوقت الذي يعاني فيه الشعب الليبي من الاقتتال الداخلي وتردي الخدمات بما يدفعهم للترحم على النظام السابق ، لتبقى فرنسا هي الورقة الرابحة في الأزمة عبر قيادتها لزمام المبادرة لحل الأزمة الليبية.

ويرى المحللون، أن ما حدث هو اختزال للمشهد الليبي المعقد في شخصين، وتجاهل لصراعات الشرعيات في ليبيا، فهناك تيارات ترفض السراج وأخرى ترفض حفتر وتيارات ترفضهما معًا، ومن ثم فاعتماد الثنائية هذه عبر "السراج وحفتر" هو استمرار لمعضلة الشرعية ذاتها، في الوقت ذاته تأتي مبادرة ماكرون لإعادة تموقع فرنسا في المشهد الليبي بعد تركيز جهودها على الأزمة في مالي وتدشين بداية عهده بمبادرة سياسية إقليمية ليسير على نهج سلفه هولاند القائمة على لعبة مزدوجة: مساندة الشرعية الدولية عبر الأمم المتحدة، والدفع نحو تدخل عسكري جديد في ليبيا بدعوى محاربة الإرهاب ودعم حفتر.


اضف تعليق