مسؤولية الجن عن انتحار البشر بين الحقيقة والخرافة


٣١ يوليه ٢٠١٧ - ٠٣:٣٥ م بتوقيت جرينيتش


رؤية - عاطف عبد اللطيف

خلص العلم إلى أن العوامل والظروف النفسية السيئة من أهم العوامل التي تدفع البشر للانتحار والتخلص من حياتهم، ورغم إقرار الدين الإسلامي صراحة بوجود الجان إلا أنه لا اعتراف أو صلة بين عالم الميتافيزيقا وانتحار البشر الذين ورد ذكرهم صراحة في نص القرآن الكريم والسنة المحمدية، كما كشف القرآن الكريم عن حقائقهم الغائبة عن نطاق حواس البشر في سورة الرحمن في قوله تعالى "وَخَلَقَ الْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ"، كما سميت إحدى سور القرآن الكريم بالجن، ولكن ماذا عن مسؤولية الجن عن دفع البشر للانتحار والتردي، خاصة أنه للأسف الشديد يوجد من يعتقد في أن سبب انتحار البعض يرجع إلى قدرات للجان أو عوامل ترتبط بقوى ما وراء الطبيعة.

انتشار الظاهرة

انتشرت ظاهرة الانتحار في الخمسين سنة الأخيرة بصورة مفزعة خاصة في دول أوروبا ذات الدخول المرتفعة السويد والدانمارك وسويسرا، وأخذت ترتفع بشكل كبير في الدول الغربية على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بصورة كبيرة قياسًا إلى المنطقة العربية والخليجية ومصر رغم ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والمشاكل الاجتماعية في تلك الدول، وهناك العديد من المواقع الرسمية الغربية والدول ذات مستوى الدخول المرتفعة والرفاهية المطلقة تدعم طرق الانتحار والتخلص من الحياة بدون ألم وتروج لمواطنيها طرق الموت بسهولة ويسر.

الرفاهية الغربية

وبشكل عام يلجأ بعض البشر إلى الانتحار عند تخطيه الخط الأحمر للرفاهية وزوال سعيه نحو تحقيق الذات وتلبية أغلب المطالب العقلية المادية، ولذلك تجد أن الانتحار يرتفع قياسًا في الدول ذات الدخول المرتفعة وبعد إشباع مواطنيها لشهواتهم وملذاتهم أو أهدافهم وتحقيق رغباتهم فيصبح الانسان لا يجد ما يفكر فيه ويستحق عناء البحث والسعي لإدراكه، ولا يرى إلا الموت بديلاً فيدفعه ذلك إلى الانتحار، وغالبًا ما يدخل المنتحر في حالة نفسية سيئة تنتهي بالاكتئاب الشديد، وهي المرحلة التي تدفعه إلى الانتحار.

أسباب وشواهد

ويعيش الإنسان في مرحلة ما قبل الانتحار فترة حضانة استعدادًا للموت مدتها 3 أشهر، ويعطي رموز وإشارات حركية وتلميحات لا إرادية مبعثها الاكتئاب الشديد وقد يقوم بمحاولات انتحار "أولية وبسيطة" في ذروة اكتئابه، ويكون قراره يائس بائس ويفتقد القدوة والمثل الأعلى في حياته ويقوم بالانتحار بإلقاء نفسه من فوق عمارة أو يتمدد على قضبان السكك الحديدية أو يتجرع سمًا زعافًا أو يطلق النار على نفسه أو بواسطة آلة حادة، وهو ما يعرف بالانتحار بالتفكير وهناك من ينتحر دون أن يفكر في وسيلة انتحار، وهو النوع الذي يصاب بيأس عارم، يقطع معه صلته بالتفكير، ويكون كل اتجاهه للموت دون تفكير.

والأمر كله مرجعه لقلة الوازع الديني عند البعض ويأسهم من الحياة وقلة حيلتهم في بحث عن حلول للمشاكل التي تعترض حياتهم، وعدم إيمان باستمرار الحياة، وليس للجن وخرافات ما وراء الطبيعة أي علاقة علمية أو نفسية في دفع الإنسان للتخلص من حياته.

تراكمات نفسية

إن العوامل البيئية المحيطة تؤثر في العوامل النفسية للإنسان، خاصةً من يعيش منفردًا سواءً في العمل أو المنزل أو في الحياة ويحيا دون صداقات أو غير متزوج هو إنسان أكثر عرضة للانتحار من المتزوج، لكون المتزوج يكون لديه متنفس – الزوجة - يعيش معه ويتعايش مع مشكلاته وأوجاعه ويفرغ معه شحناته المعيشية والاجتماعية والنفسية أولاً بأول ويمنع التراكمات النفسية أن تتراكم لديه وتؤثر على قرارته وتفكيره وتدفعه إلى الانتحار.

ومن المستبعد أن يكون للجن أي دور علمي أو نفسي في دفع البعض للانتحار ولم يثبت ذلك إلا من باب الخرافات التي قد تنتشر في العالم العربي من قدرة الجن على دفع البشر إلى الانتحار بقدراتهم الخرافية في التأثير وجلب الضيق والكبت للبعض.

الاكتئاب.. وليس الجن

والإنسان غير المتزوج والذي يعيش في عزلة أكثر إحساسًا بالفشل والوحدة والعقاب المجتمعي خاصةً إذا كان بلا صداقات من الجنسين، يحس بأنه غير سوي، كما يفقد الرغبة في العيش والحياة الجنسية والاستمتاع بالملذات الحياتية ويرفض الانخراط في المجتمع ولا يتعايش مع آلام وأوجاع المحيطين به، ولا يعبأ بها، ورغبته في التخلص من حياته أعلى، والإنسان المنطوى أكثر عرضةً للانتحار من الشخص الاجتماعي الذي يحسن تفريغ شحناته الاجتماعية والنفسية التي يمر بها، ورغم أن المتزوج تكون الضغوط عليه أعلى من غير المتزوج، خاصة الضغوط المادية والاجتماعية وتحمل مسئوليات المعيشة والأسرة إلا أن تفريغ الشحنات النفسية أولاً بأول من الأسباب العلمية التي تجنب الانسان الانتحار أو حتى الاكتئاب والضيق النفسي.

كما أن الكثير من الدراسات العلمية التي أجريت في جامعة فلوريدا الأمريكية أثبتت قابلية المتزوجين للعيش والاستمتاع بنمط حياتهم رغم الضغوط الحياتية والمعيشية أكثر من الأشخاص غير المتزوجين، كما اكتشفوا ارتفاع نسب المكتئبين بين العزاب أكثر من المتزوجين لوجود شريك حياة يفرغ شحنات الغضب والكلام.

ارتباط خاطئ

اعتقاد وربط البعض بين قدرات الجن أو عالم الغيبيات وانتحار البعض بالجان، إلا أن الظروف النفسية والعوامل المحيطة بالإنسان ونقص الإيمان بالله تعالى وقدرته جل شأنه على تصريف الأمور وتدبير الشئون خيرها وشرها هي الدافع الأول وراء الإقدام على الانتحار والتخلص من الحياة، وهي من الأمور التي تدخل صاحبها موارد التهلكة في الدنيا وتستوجب الدخول في زمرة أهل النار يوم القيامة بصريح نص القرآن والسنة.

علم الاجتماع ينظر إلى ظاهرة الانتحار أنها يتم قياسها بغض النظر عن علاقتها بالجن من عدمه، ولابد من الوقوف عليها عند ارتفاع نسبتها في المجتمع، ويعمل علم الاجتماع على تتبع ودراسة الظواهر عند استفحالها ويقارن بين نسبتها في أوقات ماضية وأخرى حاضرة ويعمل على البحث في عواملها وعلاجها.

وحاليًا تعج وسائل الإعلام العربية بالحديث عن حالات انتحار لشباب دون الـ 18 عامًا، وهي ظاهرة تستحق الدراسة اجتماعيًا وسلوكيًا، قد يكون مبعثها انتقادات الآخرين للشباب بالفشل العلمي أو التحصيل الدراسي، أو الشعور بالإحباط من المجتمع المحيط، فيقرر الإنسان عندها الانتحار.

حبكات فنية

الأفلام السينمائية قد تكون السبب في اعتقاد المجتمعات العربية في قدرات الجن على دفع الإنسان للانتحار، وأبرز الأمثلة فيلما "الإنس والجن" و"التعويذة"، وهي اعتقادات من سبيل الحبكة الدرامية أكثر منها للحقيقة العلمية المؤكدة، ويجب البعد عن الربط بين قدرات الجن التي خصهم بها المولى عز وجل وبين قدرات لم تخصص لهم كقدرتهم على دفع بني الإنس إلى الانتحار أو جلب السعادة أو التعاسة أو دفع البعض للاكتئاب أو أي من القدريات التي هي بيدي الله سبحانه وتعالى وحده دون أحد من خلقه سواءً من الإنس أو الجن على السواء.

كما أن الخرافات رواج عربي داخلي ويلقى أذانًا صاغية من قليلي الحيلة ممن اعتادوا إلقاء تبعات تعثرهم الحياتي والمجتمعي على القوى الخفية والعوامل غير المرئية والمبالغة في قدرات الجن إلى حد إضفاء صفات خارجة عن نطاق الجن والإنس معًا.


الكلمات الدلالية الإنس والجان

اضف تعليق