الفاروقي.. "أسلمة المعرفة" ونهضة المسلمين


٠٣ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٣:٢٢ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمود سعيد

من أسباب تخلف الأمة الإسلامية، أنها أمة تجهل تاريخها وتجهل أمجادها وبطولاتها وتجهل عظماءها، وعلينا جميعا أن ندرك أن الأمم الحية فقط هي التي تعتني بحياة عظمائها وكبارها، وتستقي من علمهم وعملهم وسيرهم النور الذي يقودهم في ظلمات وأنفاق الجهل والتخلف والغلو والأمية “الثقافية والدينية”.

ومن هؤلاء الذين يجب على الأمة أن تدرس حياتهم وتبحث عن آثارهم، وتنقب عن علومهم وأفكارهم وأبحاثهم ومؤلفاتهم، الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي (1921 – 1986م) الباحث والمفكر الفلسطيني المتخصص في الأديان المقارنة، فهو من أوائل من نظروا لمشروع إسلامية المعرفة أو “أسلمة المعرفة”، فقد أراد أن يتعلم أصحاب “المادية” أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن السعادة ليست من المادية، وإنما هي في المزج المتسق بين إشراقة الروح ونزعات الجسد،
 
فحق للشباب الذين يبحثون اليوم عن القدوة، أن يعلموا أن المفكر الموسوعي إسماعيل الفاروقي “حامل همِّ الشرق في الغرب” كان بحرا للعلوم، فهو متضلع في الفلسفة، والأديان، والتاريخ، وغالب العلوم الإنسانية الأخرى، هذا فضلا عن إجادته العربية والفرنسية والإنجليزية إجادة تامة، وما تحرك الفاروقي إلا لأوضاع المسلمين البائسة، وحماسته الشديدة لتغيير هذا الواقع من خلال الاستفادة من العلوم المعاصرة، وأسلمتها، في تجربة فريدة، وهو بحق سطر صفحات من نور في تاريخ الحضارة الإسلامية، يقول عنه الدكتور الدكتور جمال البرزنجي: استدعيت الفاروقي لعشاء في بيتي عام 1972، وتحدث الضيف أمام جمع من أتباع ديانات شتى لمدة ساعة، وفي ختام الحديث، رفع قسيس يده طالبا التعقيب، فقال: “لقد تعلمتُ عن المسيحية هذه الليلة وحدها أكثر مما تعلمته في دراستي لها خلال الثلاثين سنة الماضية”.

وقد أولى الفاروقي القضية الفلسطينية وقضايا العالم الإسلامي أهمية بالغة، ورسم للشباب السبل لنهضة الأمة، عن طريق العلم والبحث ومواكبة التطورات العالمية والعلمية، وذلك دون التفريط في ثوابت الأمة العقدية والأخلاقية، ويمكن القول أن المحاور العلمية التي اهتم بها الفاروقي كانت أربعة: الحضارة الإسلامية، ومقارنة الأديان، وأسلمة المعرفة، والظاهرة الصهيونية.

سيرته الذاتية

وُلِد الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي في مدينة يافا الفلسطينية عام 1921م لإحدى الأسر الفلسطينية العريقة والثرية. عمِل والده قاضيا شرعيا، تلقى الفاروقي تعليمه الإسلامي التقليدي المبكر في المسجد، ثم التحق بمدرسة كاثوليكية فرنسية، هي “كلية الفرير” (القديس يوسف) في فلسطين التي حصل منها على الشهادة الثانوية عام 1936م. وتبع ذلك خمس سنوات أمضاها في كلية “الآداب والعلوم” بالجامعة الأمريكية في بيروت، حصل فيها على بكالوريوس الفلسفة في عام 1941، والتحق إثرها بالخدمة الحكومية. وعام 1945، وفي سن الرابعة والعشرين، أصبح حاكماً لمنطقة الجليل.

إلى هنا وحياة الفاروقي كانت طبيعية وعادية، إلا أن حياته تغيرت بشكل كامل مع اندلاع القتال في فلسطين عام 1948م، حيث شارك في بعض عمليات مقاومة الاحتلال الصهيوني، ولكنه بعد الهزيمة انتقل وعائلته إلى لبنان مع عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية ونال شهادتي ماجستير من جامعتي “إنديانا” و”هارفارد”. ثم حصل في عام 1952 على الدكتوراه في الفلسفة من “جامعة إنديانا” عام 1952م عن رسالته المعنونة “نظرية الخير: الجوانب الميتافيزيقية والإبستمولوجية للقيم”.

الأزهر والفاروقي

ورغم حصول الدكتور إسماعيل الفاروقي على أعلى الشهادات والدرجات العلمية من أرقى جامعات العالم، إلا أنه استشعر نقصا في تكوينه المعرفي، فقد اقتصرت دراساته – حتى ذلك الحين – على دراسة الفكر والفلسفة الغربية، وأحس الفاروقي أنه بحاجة للاطلاع والتعمق في الثقافة والفكر الإسلامي، على الدراسات الإسلامية حتى يستكمل تكوينه العلمي؛ فتوجه إلى مصر و تفرغ لمدة أربع سنوات (1954-1958) لدراسة العلوم الشرعية في الأزهر الشريف، وقد برهن على عميق فهمه وتمثله للتراث المعرفي الإسلامي حين وقع اختياره على ابن تيمية (728 هـ) ليكون مرجعيته فيما استشكل عليه من أمور فكرية وبخاصة ما يطرحه عليه المستشرقون في الغرب بشأن الإسلام، وفي هذا الصدد يقول الفاروقي: “يظُنُ بعض الناس أن أفكاري من صنعي، ولكن كلما استشكل علىّ أمر أجدُ جوابه عند شيخ الإسلام ابن تيمية”.

ثم عاد الفاروقي بعد تجربته الأزهرية الثرية في مصر، إلى “أمريكا الشمالية”، وأصبح أستاذاً زائراً للدراسات الإسلامية في معهد الدراسات الإسلامية في جامعة ماكجيل في كندا، وزميلاً في “كلية اللاهوت” في الجامعة نفسها، بين عامي 1959-1961. وتوافرت له في المعهد فرصة دراسة المسيحية واليهودية. ثم بدأ مسيرته المهنية أستاذاً للدراسات الإسلامية في المعهد المركزي للبحوث الإسلامية في كراتشي 1961-1963. وعاد في العام الذي يليه إلى أمريكا أستاذاً زائراً لتاريخ الأديان في جامعة شيكاغو، وغيرها من جامعات العالم.

إسلامية المعرفة

كان لتعثر جهود الإصلاح أثره الكبير على الفاروقي الذي أدرك حالة التراجع الإسلامي من جهة ومدى التناقض بين التصورات الغربية الوضعية عن المعرفة وبين مثيلاتها الإسلامية من جهة ثانية. يقول الفاروقي “إن جيلنا هو الذي اكتشف هذا التناقض عندما عايشه في حياته الفكرية، على أن العذاب النفسي الذي ولدّه هذا التناقض فينا جعلنا نستيقظ مرعوبين ومُدركين تماما ما تتعرض له الروح الإسلامية من انتهاك في جامعات العالم الإسلامي. ولهذا فنحن نُنبه العالم الإسلامي إلى هذا الشر، ونسعى ولأول مرة في التاريخ إلى تطوير خطة توقف سريانه وانتشاره، وتتصدى لنتائجه، وتُعيد التعليم الإسلامي إلى نهجه القويم” وقد ذهب مؤسسو المعهد إلى أن الأزمة التي تُعاني منها الأمة هي أزمة فكرية، وأن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ما هي إلا تجليات لهذه الأزمة الأم. وقد قدم هؤلاء رؤية يمكن وصفها بالمتفردة حيث وقفت موقف النقد من المعرفة الغربية للمرة الأولى – عربيا على الأقل – كما أنها تبنت إستراتيجية أو خطة مقترحة للعمل عرفت باسم (إسلامية المعرفة) وهكذا اجتمع في هذه الرؤية النقد والتقويض جنبا إلى جنب مع البناء والتأسيس.

يُعد الفاروقي من أوائل من اشتغلوا على تمحيص الأسس الفلسفية التي تأسست عليها المعرفة الغربية ومقارنتها بالأسس الإسلامية، وخلص من خلال المقارنة إلى أن هناك اختلافات لا مجال لإنكارها تجعل من التسليم الإسلامي المطلق للمعرفة الغربية أمرا مُتعذراً، وهذه الاختلافات هي: الاعتقاد بأن الغيب لا يُمكن أن يكون مصدراً للمعرفة، وأن العلم هو ما يتعلق فقط بالحقائق الموضوعية التي ترصدها الحواس، وأنه يخلو من أي موجهات أخلاقية أو قيمية، وأن غايته القصوى إشباع الحاجات المادية لبني البشر وتحقيق سعادتهم دون أن يُعنى بالارتقاء بهم.

على النقيض من هذا تقف المعرفة الإسلامية التي تتأسس ـ حسب الفاروقي – على مبدأ “وحدة الحقيقة” الذي يعني أن الله سبحانه وتعالى هو مصدر المعرفة، وأن وحيه الإلهي قد تضمن إلى جوار صفاته عز وجل (الحقيقة المطلقة العليا) بعض الإشارات الكونية (الحقائق الموضوعية)، وأنه ليس ثمة تعارض بين الوحي من جانب وبين العقل والعلم من جانب آخر؛ فالعقل هبة من الله للإنسان وتقع على عاتقه مهمة مزدوجة هي استيعاب الوحي واكتشاف الأسباب والسنن الكونية. ويذهب الفاروقي إلى أن هناك ما يحول بين العلم الإسلامي وبين الانزلاق إلى ما انزلق إليه العلم الغربي من إنكار لوجود الإله ومن نهب للطبيعة وإعلان للسيطرة عليها؛ ذلك أنه يعمل في إطار من القيم والأخلاق المستمدة من الوحي مصدر العلم والمعرفة؛ ونظراً لأخلاقيته فهو يرتبط بالجماعة والأمة إذ الأخلاق هي مجموعة ضوابط تنظم علاقة الفرد بالمجموع العام، ولا يمكن أن يكون مجال تطبيقها الدائرة الفردية وحسب.

من ناحية أخرى أولت خطة إسلامية المعرفة ـ التي حدد ملامحها الدكتور الفاروقي – اهتماما ملحوظا بالتعليم الأوليّ حين دعت إلى إعادة تأسيس النظام التعليمي الراهن على نحو يكفل القضاء على الازدواجية التي تقسمه إلى نظامين أحدهما إسلامي والآخر علماني واعتماد نظام موحد يحل محلهما يضُم العلوم الحديثة إلى جانب مبادئ العلوم الشرعية، فالإسلام يمقت تقسيم الناس إلى طبقتين طبقة عامة الناس وطبقة العلماء الشرعيين؛ فالناس سواسية في اكتساب المعرفة الحديثة وفي التعرف على مبادئ دينهم. ويتميز هذا النظام الجديد بأنه يجعل من دراسة الحضارة أمرا إلزاميا في كافة المراحل التعليمية لأنها وحدها الكفيلة بغرس روح الانتماء في نفس الدارس وتعريفه بتاريخه وجوهر حضارة أمته على نحو يجعله في منأى عن التأثر السلبي بالأفكار الوافدة.

كذلك طرحت إسلامية المعرفة تصورا للعملية المعرفية مفترضة أن إنتاج معرفة إسلامية يقتضي أمرين: الأول، الاطلاع الواسع على المنتج المعرفي الغربي، ومنهجيات البحث العلمي، والانتقادات الموجهة إلى المعرفة الغربية من جانب المفكرين الغربيين وهذا الاطلاع العميق يعني لدى الفاروقي وقوفا من الباحث المسلم على آخر التطورات العلمية، ومعرفة ما الإضافات التي يمكن تقديمها إليها. والثاني، أن يكون الباحث متمكنا من التراث، ومن هنا نبتت فكرة الدعوة إلى تيسير التراث وقد اقترح الفاروقي إجراءات عملية في سبيل تيسيره من قبيل القيام بتبويبه وتصنيفه وفقا لتقسيمات العلوم الاجتماعية وأقسامها، والتعريف بمصطلحاته بلغة يسيرة ومفهومة، ونشر بعض الكتب التراثية الهامة مع تقديم شروح لها. ويبين الفاروقي أن الغاية من وراء الاهتمام بالتراث أن يصبح بمقدور الباحث المسلم أن يجيب على أسئلة ثلاث: ما هي مساهمة التراث الإسلامي في القضايا التي تثيرها العلوم الاجتماعية والإنسانية، وأين يتفق ويختلف معها، وكيف يمكن أن يُسهم في تصحيح وتقويم مسار المعرفة الإنسانية والاجتماعية المعاصرة.
 
أهم مؤلفاته

للفاروقي رصيد هائل من المؤلفات والأبحاث العلمية، حري بالأكاديميين ترجمة ما لم يعرب منها حتى الآن، وقد صدر له عددا من المؤلفات باللغة الإنجليزية ولم يتم تعريبها، نذكر منها: Historical Atlas of the Religions of the World الأطلس التاريخي لديانات العالم، The Great Asian Religions أديان آسيا الكبرى، Christian Ethics الأخلاق المسيحية. وقريب من هذا كتاباته عن اليهود والظاهرة الصهيونية من مثل أصول الصهيونية في الدين اليهودي وIslam and The Problem of Israel الإسلام ومشكلة إسرائيل.

أما بقية إنتاجه المعرفي فهو يدور حول الحضارة الإسلامية التي خصها الفاروقي بمؤلف ضخم أسماه “أطلس الحضارة الإسلامية” والذي نُقل إلى العربية بعد رحيله، وقد حاول من خلاله أن يعرّف بجوهر الحضارة الإسلامية وخصائصها المميزة وأن يؤكد على دور التوحيد في تشكيل جميع جوانبها حتى المادية منها، ولا ننسى في هذا المقام كتابه الأكثر أهمية، والذي نشره بالإنجليزية تحت عنوان (Al Tawhid; Its Implications for Thought and Life) التوحيد وآثاره في الفكر والحياة. كما أن للفاروقي عدداً من البحوث حول (إسلامية المعرفة) الذي يُعد بحق المُنظّر الأول لها، وبعضها تمت ترجمته ونُشرت من خلال المعهد العالمي للفكر الإسلامي ودورية (المسلم المعاصر).

وللفاروقي مجموعة مهمة جداً من البحوث والدراسات المنشورة باللغة الإنجليزية حررها ونشرها بعد وفاته عطاء الله صديقي تحت عنوان: (Islam and Other Faiths) الإسلام والعقائد الأخرى، ووله الكثير من المؤلفات الأخرى منها، كتب “العلوم الطبيعية والاجتماعية من وجهة النظر الإسلامية”، و “الإسلام والعصر الحديث”، و”ثلاثية الأديان الإبراهيمية”، و”الفكر والثقافة الإسلامية”، “أسلمة المعرفة”، “في نقد النصرانية “، و “الأصول الصهيونية في الدين اليهودي”، و”صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية”.

وكذلك من أهم مؤلفاته كتاب “الملل المعاصرة في الدين اليهودي”، وهو عبارة عن مجموعة محاضرات في الديانة اليهودية، تعرض نشأة الدين اليهودي، والتلمود والقبالاه. كما يتحدث الكتاب عن عصر التنوير وأثره في الديانة اليهودية، وينطلق من ذلك إلى الحديث عن نشأة الملة الإصلاحية وأهم روادها، وكذلك فعل مع الملة الأرثوذكسية والملة المحافظة، ويختتم الكتاب بالحديث عن الصهيونية ونشأتها وعلاقتها بالملل اليهودية المعاصرة.

هذا فضلا عن بعض ترجماته إلى اللغة الإنجليزية مثل ترجمته لكتاب “حياة محمد” لمحمد حسين هيكل، وترجمة كتاب التوحيد لمحمد بن عبدالوهاب، وترجمة بعض كتابات الشيخ محمد الغزالي، وخالد محمد خالد.
 
الفاروقي و حاضر العالم الإسلامي

حاول الفاروقي في مؤلفاته توصيف أمراض وأزمات العالم الإسلامي بدقة، فمن وجهة نظره أن توصيف أعراض المرض يساهم في تحديد طرق علاجه، والعجيب أن عبارات الفاروقي التي قالها منذ عقود تجيبنا اليوم على الكثير من الأسئلة التي تدور في أذهان الشباب، يقول الفاروقي: “يتجه العالم الإسلامي في الوقت الحاضر نحو مرحلة حرجة من مراحل تاريخه، فهو يواجه المدنية الغربية بكل ما فيها من زيغ وانحراف، وبكل ما فيها من تجرد من الإنسانية وتنكر لها، تلك المدنية التي فرضت نفسها على أرجاء العالم تقريباً، وتحاول جاهدة أن تفرض نفسها على العالم الإسلامي، ولقد حاولت ذلك في فترة الاستعمار المكشوف بالقوة السافرة، أما في فترة ما بعد الاستعمار، فهي تحاول ذلك بأساليب أكثر دهاء وخبثاً.

ويضيف: “العالم الإسلامي اليوم مقسم إلى دويلات متناحرة تصل الخلافات بينها إلى درجة المواجهة المسلحة، ووسائل الإعلام فيها والمؤسسات التعليمية في معظمها تعبر عن رأي القوى المحلية أو الأجنبية التي تناهض الإسلام وحضارته، ومما يجعل المواجهة أكثر شؤماً، أنها ليست قاصرة على ضخامة العقبات في الطريق، أو على الوضع المتخلف المرعب للعالم الإسلامي، بالمقارنة بالعالم الغربي في قوته المادية، ونفوذه العسكري، لقد كانت الأمة الإسلامية في القرن السابع لا تتجاوز تلك الأعداد البسيطة في شبه الجزيرة العربية، وقد ووجهت بالإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية ذائعتي الصيت آنذاك”، ويتابع: “وبعد قرن من الزمان، أصبحت نفس الأمة أكثر عدداً، وأحرزت انتصارات عسكرية واسعة، في الوقت نفسه الذي كانت محرومة فيه من العلم والتكنولوجيا، ومن فرصة التمدن. لقد واجهت ثلاث حضارات ممزقة: الحضارة اليونانية، والحضارة الفارسية، والحضارة الهندية، وقد انبثق النصر من جديد، فقد امتصت هذه الأمة، واستوعبت كل ما يمكن أن تقدمـه هذه الحضارات، بل وأثرتها بالتجربة والبحث. ثم أعادت صياغة الثقافة الإنسانية والمدنية في أطر وقوالب تتفق والروح الإسلامية.لقد كان الخلق فريداً.. حضارة جديدة قوامها التوحيد الخالص، وإثبات الوحدانية المطلقة، والتنزيه لله سبحانه وتعالى”.

الداء والدواء

إذا فالفاروقي يرى ان أمر هذه الأمة لن يصلح إلا ما صلح به أولها، اي خير القرون، ويضيف “بذلك مكنت الحضارة الإسلامية الجموع التي اعتنقت الإسلام على اختلاف أصولها العرقية، وعلى اختلاف مذاهبها الاعتقادية من مسيحية ويهودية وزرادشتية، وبوذية، وهندوسية .. مكنت كل هؤلاء من الانضواء تحت راية الإسلام، بل اعتبروه قضيتهم، وجعلوه يعيد صياغة حياتهم، طبقاً لمنطقه الخاص من القيم والأخلاق، وعلى ذلك فالفرق بين الأمة الإسلامية في تلك العصور القديمة، وبين مسلمي هذه الأيام، هو غياب الرؤية الإسلامية الواسعة الشاملة التي أشرقت عندهم، وغابت عندنا، بتحديد أكثر.. بينما كانت الرؤية الإسلامية كشعلة متوهجة في عقول وقلوب أنصارها الأوائل، فإن نورها قد أعتم، وجذوتها قد خبت عند أتباعها الحاليين.

ويتابع: “وقد أسهمت هذه الحقيقة الفريدة أكثر من غيرها في انحدار المسلمين، وإذا لم نكتشف طريقاً لإعادة إشعال جذوة الإيمان من جديد، وتقوية عزيمتنا بنفس معيار الطاقة والفاعلية.. فإن المعركة الدائرة أمام أعيننا بين الحضارات، ربما تتأتى نتيجتها على غير ما نتمنى نحن المسلمين، وهي بناء على ذلك، أصعب من أن يدركها أي دارس لتاريخ العالم المعاصر، ليتعرف من خلالها على عوامل الاستقرار والاستمرار في الأمة الإسلامية، أو ليتعرف على عوامل التغيير والاضطراب لها”.

وفاته

تلقى الفاروقي تهديدات أكثر من مرة في أواخر السبعينيات، وأوائل الثمانينيات، وكانت التهديدات تقول: “إننا سنقتلك إذا لم تتوقف عن الحديث عن الفلسطينيين وحقوقهم وقضيتهم”، فلم يتخذ من الحيطة وليجة، فإذا بهم يقتلونه غيلة وغدراً، هـو وزوجتـه لمياء الفاروقي ليلة 18 رمضان 1406 هـ الموافق 27 مايو عام 1986م بالولايات المتحدة الأمريكية طعنًا بالسكاكين.

خرج الرجل القاتل وقد أجهز على عائلة الفاروقي، وحين ألقي القبض عليه قال إن وحياً من السماء أشار عليه بالتخلص من الفاروقي، ولقد أكد بعض المقربين من الفاروقي صلة الموساد بالعملية.

وقد نعته الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض بقولها: “إن موت العلماء الأفذاذ خسارة كبيرة ولا شك، وإن موت الدكتور الفاروقي بالذات باعتباره من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وصاحب المؤلفات النافعة، والترجمات القيّمة، وصاحب أطلس الحضارة الإسلامية، وغير ذلك من الكتب النفيسة، كان له وقع الصاعقة على نفوسنا، ولكن مما يعزينا في هذا المصاب الجلل، أن الرجل له آثاره الحميدة في المجالات العلمية والفكرية والاجتماعية، وإن غاب عنا بجسمه، فإن له من الآثار ما يخلّد ذكره، ويرفع قدره”، أما الدكتور قطبي المهدي: “لقد أبعدوا عنا جسمه عضوياً، ولكن الدكتور الفاروقي كان رجل أفكار ومبادئ، وهذه ستعيش في مئات من طلابه”، ويرى الدكتور سيد محمد سعيد: “كان وحتى قبل لحظات من اغتياله يعمل للإسلام، وإني لأعتبر موته دليلاً على تلك الروح الإسلامية التي ينبغي على كل منّا أن يتمثلها”.

أما الدكتور محجوب الكردي الأستاذ بجامعة “أم درمان الإسلامية” فيقول:”لقد كان الأستاذ الفاروقي وثيق الصلة بطلابه في قسم الأديان بجامعة “تمبل” يعرفهم جميعاً بأسمائهم، ويتصل بهم عن طريق التلفونات، أو الزيارة إن تيسرت، وكان يغضب إن مرض أحد الطلاب ولم يُخبر بذلك، وكان يفرح إذا اتصل به أحد طلابه في منزله ليستفسر عن مسألة علمية، بل كان بيته ملتقى للطلبة المسلمين، تتحول فيه اللقاءات إلى منتدى فكري، ومركز يشتعل حماساً بهموم الدعوة الإسلامية، ومنطلقاً للعمل الإسلامي، وكـان يحثّ طلبتـه على أن يكـونوا متفوقـين بدراستهم، نشطيـن في مجال الدعوة الإسلامية، بـل كـان يهتم بتنظيم المحاضرات والدروس للمسلمين السود داخـل السجون الأمريكية”.










اضف تعليق