الجنيه المصري.. تاريخ المحروسة المحفور على الورق


٠٤ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٥:٢٨ م بتوقيت جرينيتش

رؤية - إبراهيم جابر

القاهرة - تبقى العملات النقدية شاهدة على تاريخ دولها حاملة لتفاصيل ماضيها، وحاضنة لتاريخ ملوكها وإمكانيات اقتصادها، لاسيما إن تحدثت على دولة ستبقى دومًا هي الأولى في كل تقدم يحدث بمنطقة الشرق الأوسط، بالتأكيد نقصد "مصر".

تعتبر مصر صاحبة أول عملة نقدية في المنطقة، فرغم انحدار قيمة عملتها منذ منتصف القرن العشرين، إلا أنها تسرد لنا تفاصيل تاريخ امتد أكثر من 118 عامًا، خلال هذا التقرير نرصد ونحكي لكم قصة صدور الجنيه ومراحل تطوره، والمرة الوحيدة التي احتوى فيها على صورة لفلاح مصري بسبب "حلم".

"الجنيه المصري"

يعد الجنيه المصري العملة الأقدم في المنطقة، وبدأ النظام النقدي بمصر عام 1834م، بعد صدور مرسوم خديوي من محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة بشأن مشروع قانون لإصدار عملة جديدة تستند إلى نظام المعدنين (الذهب والفضة)، لتحل محل العملة الرئيسية المتداولة آن ذاك وهو القرش، وفى عام 1836 تم سك الجنيه المصري وطرح للتداول، وتم تداول القرش باعتباره 1/100 من الجنيه.


وقسم القرش إلى 40 بارة، حتى توقف إصدارها عام 1885م، وأعيد تقسيم القرش إلى عشر أجزاء سميت بـ "عشر قروش"، وأطلق عليها المصريين اسم "الباريزة" لأنها ضربت ودمغت في العاصمة الفرنسية باريس، حتى تم تغيير الاسم في عام 1916 إلى "مليم".

أصدر البنك الأهلي المصري الأوراق النقدية لأول مرة في 3 أبريل 1899، والذي كان يحل محل البنك المركزي المصري حتى توحدا في الأخير عام 1961، وأطلق عليه المصريين لقب "الجنيه الجبلي" نظرا لكونه ذو قيمة شرائية كبيرة، وكانت قيمته تساوي 7.4 غرام ذهب، واستخدم هذا المعيار ما بين عام 1885 وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، حيث تم ربط الجنيه المصري بالجنيه الإسترليني حتى عام 1962م، وكان الأخير يساوي 0.9 جنيه مصري.

"أصل التسمية"

أصل كلمة الجنيه من دولة غانا الأفريقية، والتي كان الذهب يُنهَب منها ويُشحن إلى بريطانيا وكان الجنيه عملة لبريطانيا والتي كانت متداولة فيها قبل 400 عامًا تقريبا، نظراً لأن مصر كانت تحت الاحتلال البريطاني عند إصدار الجنيه، فقد طغت الأسماء البريطانية على العملات المستخدمة بمصر منذ ذلك الحين.


"عم أدريس"

في عام ‏ 4 ‏يوليو 1924 صدر مرسوم ملكي باعتماد الجنيه المصري، والذي كان يحمل صورة فلاح ‏‏مصري غطى بياض لحيته وجهه الذي يحمل سمرة جنوب مصر (النوبة)، وطغت التجاعيد على ملامحه المتبقية، وكست العمامة رأسه، فلم يكن سلطان عثمانيًا ولا ملك البلاد ولا أحد سلاطين السلطة.


وتعود قصة الفلاح المصري، إلى عم أدريس والذي كان مسافرا مع الأمير فؤاد في أدنى درجة من ميناء بريطانيا بعد أن فقد كل ما يملك في ديون القمار وعاد هاربًا إلى مصر، وخلال الرحلة نهض "إدريس" من نومه على حلم يقصه على مولاه الأمير، ذكر له فيه أنه سيصبح "ملك مصر" رغم أنه ليس مرشحًا حيث كان للسطان وريثًا وهو أخوه الأكبر كمال الدين، وعدد من أسرة محمد علي، بحسب موقع الملك فاروق.

لم يقتنع الأمير بحكي خادمه الوفي الذي استمر معه 20 عامًا، واستمر أدريس يحكي له نفس القصة مرارا وتكرارا حتى دعي لمقابلة المندوب السامي البريطاني المستر‏ ، بعد تنازل الأمير كمال عن الحكم ورفض الإنجليز لتولي الأمير عبد المنعم بن الخديوي عباس.


ولبى فؤاد الدعوة، وفؤجى باختياره ملكًا لمصر بعد موت السلطان حسين كامل، وأمره ألا يبلغ أحد، وأصيب بذهول حتى عاد إلى بيته، ‏فوجد‏ ‏إدريس‏‏ ‏فابتسم‏ ‏إليه‏ ‏وقال‏ ‏له‏ ‏انهض‏ ‏يا‏ ‏إدريس‏ ‏"بك"، ‏وقال‏ ‏له‏ ‏لقد‏ ‏تحقق‏ ‏حلمك‏، ‏وأصبحت‏ ‏ملك مصر، وستكون صورتك على أول جنيه تصدره حكومتي، وبالفعل صدر جنيه يحمل صورة إدريس.

"العلامة المائية"

تطورت طباعة الجنيه طوال القرن العشرين، حيث كان يطبع في الخارج وفي العام 1968 أنشأ البنك المركزي المصري دارا للطباعة، بدأت بالعملات الورقية فئة الجنيه والعشرة قروش والـ25 قرشا وغيرها في الأول من ديسمبر من عام 1968.


وبدأ استخدام العلامة المائية على العملة المصرية عام 1930، واتسمت العملة المصرية باعتمادها على عدد من الآثار التي تتمتع بها مصر، حيث ظهر في عهد الملك فاروق جامع محمد علي على الجنيه و الـ25 قرشا والـ50 قرشا والخمسة قروش والعشرة قروش، كما وضعت وضعت صورة زعماء وملوك مصر السابقين مثل الملك توت عنخ آمون الملكة نفرتيتى وبعد ثورة يوليو وضع على عملات العشرة قروش صورا لفئات الشعب مثل الجندي، والفلاح، والعامل وسيدة مصرية وشقيقتها السودانية رمزا لوحدة وادي النيل.


"تطور الشكل"

تغير شكل الجنيه المصري 8 مرات، على مدار تاريخه فظهر في أول إصدار له عام 1899 يحمل صورة الجمل، وبظهره اسم بنك مصر واستمر حوالي 31 عامًا، ثم تغير في عهد الملك فؤاد الأول من اللون البرتقالي إلى الأزرق والبني ليحمل وجهه رأس أبي الهول وفي الخلف صورة لأحد المساجد باللون الأخضر.

وفي عام 1950 حمل الجنيه صورة الملك فاروق الأول، ومن الخلف صورة معبد إيزيس في أسوان، وتغير عام 1952 إلى الوجه القديم في عهد الملك فؤاد مع الإبقاء على معبد إيزيس في الوجه الآخر.


وشهد عام 1963، إصدار جديدا  للجنيه حيث بقي الوجه عليه صورة رأس أبي الهول ولكنه صادر هذه المرة عن البنك المركزي المصري بعد أن كان يصدر عن البنك الأهلي المصري، وبدلًا من معبد إيزيس على الوجه الآخر ظهرت زخرفات وكتابة للجنيه المصري باللغة الإنجليزية.


وفي عام 1968، ظهر الجنيه في شكل جديد حيث حمل أحد وجهيه مسجد السلطان قايتباي، والوجه الآخر معبد أبي سمبل، ثم في عام 1979 صدر الجنيه الورقي بشكله المعروف حاليًا حاملًا بوجهيه مسجد السلطان قايتباي ولكن مع تغير في الزخارف واللون، وحمل من الخلف صورة مختلفة لمعبد أبي سمبل.

وحولت الحكومة المصرية عام 2006 الجنيه الورقي إلى آخر معدني بالإضافة إلى العملات الورقية الأخرى الأقل قيمة (الربع والنصف جنيه)، والتي ما زالت مستمرة حتى الآن.


اضف تعليق