شبح "الكرد" يعتلي أسوار "الجدار التركي"


٠٩ أغسطس ٢٠١٧ - ١١:٠٨ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - ولاء عدلان
 
يبدو أن فكرة الحدود السياسية التي عرفها العالم في القرن التاسع عشر واقتصرت على مجرد خطوط وهمية ترسم على الخرائط على شكل نقاط أو خطوط، تسير نحو الانقراض أو التطور باتجاه مزيد من العزلة والتمييز، فبعد هدم جدار برلين الشهير عام 1989، وجدنا دولا تستنسخه تحت عناوين سياسية وأمنية، فعلى الحدود المغربية استحدثت أسبانيا جدار سبتة لمكافحة الهجرة غير الشرعية وعمليات التهريب، وفي قلب الأراضي المقدسة قامت إسرائيل عام 2002 ببناء جدار الفصل العنصري ضاربة عرض الحائط بحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مطلع العام الجاري وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرا لبناء جدار على طول الحدود الجنوبية للولايات المتحدة مع المكسيك.
 
وبالأمس أعلنت تركيا انطلاق عمليات تشييد جدار على طول الحدود التركية الإيرانية، في أطار خطتها لبناء جدار بطول لمنع تسلل عناصر حزب العمال الكردستاني عبر الحدود مع إيران والعراق وسوريا، فتركيا دولة أقرب إلى شبه الجزيرة، إذ يحدها من الشمال البحر الأسود وجورجيا ومن الشرق أرمينيا وإيران ومن الجنوب العراق وسوريا والبحر المتوسط ومن الغرب بحر إيجة واليونان وبلغاريا.
 
وتقوم الحكومة في الوقت الحالي ببناء جدار بطول 911 كيلومترا على الحدود مع سوريا، لمنع تسلل مسلحي حزب العمال وداعش ومكافحة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وكانت السلطات التركية شرعت في 2013 في بناء أول لبنة في هذا الجدار، وأعلنت بالشهر الماضي عن الانتهاء من بناء نحو690 كم من الجدار من أصل 828 كم على الحدود مع سوريا.
 
مشروع الجدار بصورته الموسعة أعلن عنه على لسان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في يناير الماضي، وتأمل أنقرة  في أن يساعد في منع تسلل المسلحين الأكراد عبر الحدود، في حين يعتبره الأكراد محاولة لمحاصرتهم أكثر في كردستان سوريا على وجه التحديد، أما المعارضة السورية فاعتبرته اعتداء على السيادة السورية، إذ يمتد الجدار من اللاذقية إلى الحسكة.
 
جدار "الفصل" الملغوم
 
يقول عضو المكتب السياسي لحزب الوحدة الديمقراطي الكوردي في سوريا، رشيد شعبان، في تصريحات لشبكة "رووداو"، إن الهدف من بناء الجدار الجديد هو إحكام الحصار على منطقة عفرين، إذ يقوم الجيش التركي بتجميع أسلحته الثقيلة في المنطقة الحدودية مع عفرين، وبناء الجدار داخل حقول الأهالي من اللاذقية إلى الحسكة.
 
فيما يرى البعض أن بناء الجدار على أرض لواء الاسكندرون من قِبل تركيا ما هو إلا دليل جديد على أن السلطات التركية عازمة على فصل اللواء عن وطنه الأم سوريا.
 
السلطات السورية أيضا اعتبرت مشروع الجدار تجاوزا وخرقا للمواثيق، إذ يقتضي اقتطاع أراضٍ سورية في مناطق مختلفة، دون اتفاق مسبق مع الدولة السورية، هنا تجدر الإشارة إلى أن لواء اسكندرون الحدودي هو أرض سورية سلبتها تركيا عبر اتفاقية وقعتها مع فرنسا عام 1939 تقضي بإلحاق اللواء تحت الحكم التركي، إلا أن الحكومة السورية لا تعترف بهذه الاتفاقية إلى اليوم، استناداً إلى المادة 4 من صكّ الانتداب الذي يحرم على الدولة المنتدبة "فرنسا" التنازل عن أي جزء من الأراضي المنتدبة عليها "سوريا".
 
وعلى النقيض من هذا الموقف "الأسدي"، رحبت حكومة طهران بمشروع الجداري التركي على حدودها، وقال بهرام قاسمي، الناطق باسم الخارجية الإيرانية، في مؤتمر صحفي، طهران تنظر بإيجابية إلى أي إجراءات تساهم في تعزيز أمن الحدود.. المسؤولون الأتراك أبلغونا بالأفكار التي لديهم، فهذا الجدار العازل لا يقام على نقطة الصفر الحدودية ونحن نرحب بأي خطوة تساعد على إرساء الأمن في المنطقة.
 
الأكراد مفتاح السر

منهج البراجماتية في العلاقات الإيرانية التركية، ملحوظ في العديد من قضايا المنطقة، لكن هذه المرة كلمة السر هي الأكراد، فطهران أيضا يقع على أراضيها جزء من كردستان الكبرى التي يسعى الشعب الكردي لتحريرها وإعلانها دولة مستقلة، "كردستان" هي عبارة عن أجزاء تسكنها مجموعة عرقية متميزة "الكرد" وتقع في شمال شرق العراق وشمال غرب إيران وشمال شرق سوريا وجنوب شرق تركيا التي يشكل الأكراد نحو 25% من سكانها.
 
يمكنا فهم محاولات الحكومة التركية لغلق أبوابها الحدودية، في أطار محاولاتها لمواجهة النزوح السوري الذي مثل عبئا على اقتصادها خلال السنوات الأخيرة، وأيضا في أطار محاولاتها للحد من تسلل العناصر الإرهابية والمعارضة إلى أراضيها في ظل سعيها لإحكام قبضتها الأمنية منذ محاولة الانقلاب الشهيرة مطلع العام الماضي، لكن لا يمكن تجاوز الهاجس التركي من تكرار تجربة كردستان العراق، لاسيما وأن رئيس الاقليم مسعود البارزاني أكد أنه عازم على إجراء استفتاء الاستقلال عن بغداد في ديسمبر المقبل، دون تراجع.
 
وفي حال إعلان دولة كردية بنهاية العام الجاري وهو ما تشير إليه أحدث الاحصائيات التي تؤكد أن غالبية كرد العراق البالغ عددهم نحو 4.6 ملايين نسمة تؤيد الاستقلال، يتوقع الخبراء أن تشجع هذه الخطوة الأكراد في المناطق الحدودية في تركيا وسوريا وحتى إيران على المطالبة بالمزيد من الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وربما السعي للانفصال أو الانضمام إلى دولة كردستان الوليدة لتحقيق حلم كردستان الكبرى، ولا ننسى هنا أن حزب العمال الكردستاني تأسس من أجل هذا الحلم بالاساس، ما يعني أن شبح الانفصال يؤرق أردوغان بالفعل ويدفعه للتخلي عن سياسة الباب المفتوح.



اضف تعليق