التضخم في مصر.. قطار ينذر الاقتصاد بـ "كارثة"


١٣ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٢:٢٤ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

تواصل معدلات التضخم في مصر ارتفاعها لتصل إلى مستويات قياسية جديدة وهو ما يطرح العديد من إشارات الاستفهام حول جدوى السياسة النقدية الهادفة إلى الحد من هذه المستويات المرتفعة.

أعلى مستوى منذ 31 عامًا

سجل معدل التضخم في مصر أعلى مستوى في 31 عامًا خلال يوليو الماضي ليبلغ 34.2%، بزيادة 3.3% عن شهر يونيو، وفقا لبيانات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

جاءت القفزات المتسارعة في معدل التضخم في الفترة التي تلت تعويم العملة المحلية "الجنيه"، ففي سبتمبر 2016 سجل 14.1%، وقفز إلى  30.2% في فبراير 2017، ثم زاد إلى 30.9% في يونيو، وواصل ارتفاعه في يوليو ليبلغ 34.2%.

وبالنظر إلى متوسط التضخم السنوي في مصر، سجل 11.5% في 2015، و10.2% في 2016، وقفز في 2017 إلى 23.7%، وهناك توقعات باستمرار مستويات التضخم في الارتفاع لتقارب 24.8% في 2018.

الأسباب

تعويم الجنيه؛ يعد تحرير سعر الصرف السبب الرئيسي في ارتفاع معدل التضخم، فمع انخفاض سعر الصرف الجنيه سجلت أسعار السلع الوسيطة "المستخدمة في الإنتاج" ارتفاعا، وهذا ما دفع المنتجون إلى تحويل هذا الارتفاع إلى المستهلك النهائي للحفاظ على هوامش الأرباح.

كذلك سجلت أسعار السلع المستوردة ارتفاعا واضحا نظرا لارتفاع حصتها من الناتج المحلي الإجمالي، ففي 2003 كانت عند 14%، واليوم تقارب 21% من الناتج المحلي الإجمالي.

السياسة المالية؛ لا يعد تعويم الجنيه القضية الوحيدة في ارتفاع الأسعار في مصر، فهنالك عوامل أخرى، تأتي في مقدمتها السياسة المالية التي اتبعتها الحكومة مؤخرًا من خلال خفض دعم الطاقة ورفع الأسعار.

ارتفعت أسعار الوقود بنسبة 100% مقارنة بالمستويات التي كانت عليها في عام 2014.

كما ارتفعت أسعار الكهرباء وفق شرائح ما بين 29% - 124%.

رفع ضريبة القيمة المضافة بواقع نقطة مئوية لتبلغ 14%، الأمر الذي انعكس على أسعار السلع بشكل مبالغ فيه.

فيما لجأت الحكومة إلى طبع النقود بشكل متسارع عن الأعوام السابقة لتمويل جزء من عجز الموازنة، دون أن يقابلها زيادة في الإنتاجية، إضافة إلى ثبات معدلات الإنتاج والاستثمار دون زيادة تسهم في إصلاح الوضع الاقتصادي.

وارتفع معدل طباعة النقود ليتراوح بين 70 و80 مليار جنيه سنويًا، بعد أن كانت تتراوح بين 8 و12 مليار جنيه سنويا قبل 2011.

المنافسة في قطاع السلع الاستهلاكية؛ تعتبر محدودة في مصر، الأمر الذي يتيح للمنتجين إلى السيطرة على قنوات التوزيع، فمن خلالها يضع المنتجون سياسات تسعير خاصة بهم أكبر من تلك التي كانوا يدفعونها لتغطية تكلفة السلع المستوردة وهو ما انعكس في ارتفاع الأسعار بأعلى من التوقعات، حيث سجلت قفزات متسارعة وغير مسبوقة في الأسواق.

وتحتل مصر المرتبة 112 من أصل 138 دولة في مؤشر كفاءة أسواق السلع على مستوى العالم.

إلى أين يتجه التضخم؟

هناك العديد من العوامل ستحدد توجه معدل التضخم في مصر خلال الفترة المقبلة، وهي:

الطلب المحلي؛ من المتوقع أن تشهد الأسواق موجة جديدة من الارتفاعات في الأسعار في حال ارتفاع الطلب المحلي، ومن ثم حدوث قفزات جديدة في معدلات التضخم.

التضخم المستورد؛ في حال استمرار الارتفاع في حصة السلع المستوردة إلى الناتج المحلي الإجمالي، سيسجل معدل التضخم ارتفاعات جديدة.

سياسة سعر الفائدة؛ يستهدف من خلالها البنك المركزي خفض معدلات التضخم، إلا أنها لا تزال محدودة، فنسبة من لديهم حسابات مصرفية من البالغين لا يشكلون أكثر من 15%، وبالتالي تمرير أسعار الفائدة على مستويات الاستهلاك قد لا تجدي نفعا على المدى القريب.

كما أن رفع سعر الفائدة يمثل آلية فعالة في حالة ما إذا كان التضخم مدفوعا بالطلب الناتج عن زيادة السيولة في الشارع المصري، إلا أن حالة التضخم التي يعاني منها الاقتصاد مدفوعة بالأساس بارتفاع تكاليف الإنتاج الناتجة عن تحرير سعر الصرف وارتفاع فاتورة الواردات وتخفيض دعم الطاقة، الأمر الذي يؤكد حتمية فشل سياسة رفع الفائدة لخفض معدل التضخم.

بناء احتياطيات من النقد الأجنبي؛ تركز سياسة سعر الصرف التي تتبعها الحكومة المصرية بالدرجة الأولى على بناء احتياطيات من النقد الأجنبي وليس على دعم سعر صرف الجنيه.

هذه العوامل مجتمعة ستقود معدلات التضخم إلى تسجيل ارتفاعات جديدة على المدى القريب.

الحلول

هناك عوامل يمكن من خلالها تخفيض معدلات التضخم في مصر، هي:

تخفيض عجز الموازنة العامة؛ من خلال إلغاء الإنفاق الحكومي غير الضروري، وليس الاجتماعي، ومن ذلك إخضاع الصناديق الخاصة للموازنة، وانتهاج الضرائب التصاعدية، وترشيد الاستيراد، ووقف الواردات غير الضرورية، ويمكن الإشارة هنا إلى تجربة البرازيل التي عانت من معدلات عالية من التضخم منذ تراكم أزمة المديونية في السبعينات من القرن الماضي، وقيامها في 1993 بإجراء تغييرات في قانون التوجهات الخاصة بتخصيصات الميزانية وفرض زيادة بلغت 5% على الضرائب الفيدرالية.

زيادة الإنتاج بما يؤدى إلى خفض التكلفة الإنتاجية وزيادة المعروض من المنتجات، وبالتالى خفض الأسعار ويستلزم ذلك تعميقًا حقيقيًا للصناعة المصرية، وهذا الأمر مكن دول العالم المتقدم وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية من مواجهة التضخم، حيث تمتلك قاعدة إنتاجية ضخمة.

إصلاح منظومة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب ضرورة تحديد أهداف معينة للسياسات المالية والتحويلات الرسمية للبرامج الاجتماعية والمصروفات الرأسمالية.

إفساح المجال أمام مؤسسات القطاع الخاص لإقامة مشاريع البنية التحتية.

إعادة هيكلة شاملة لمنظومة التجارة الداخلية سواء على المستوى الفنى أو التنظيمى أو التشريعى بما يشمل إصلاحات فى الأفكار والتطبيقات التى تعتمد عليها، حيث يجب أن يتم تنظيم الأسواق لإلغاء دور الوسطاء وتشديد آليات الرقابة والعقوبات لمنع حدوث تضخم غير عادى ناتج عن عدم الرقابة على الأسواق وعدم تنظيمها، وأيضا لمواجهة الاحتكار.

تهيئة المناخ لتدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة من خلال العمل على إجراء إصلاحات في قوانين الاستثمار والسياسة الضريبية وزيادة مستوى الشفافية، وبإمكاننا هنا الإشارة إلى تجربة كوبا في معالجة التضخم الذي عانت منه نتيجة للعقوبات الأمريكية الشديدة التي تعرضت لها، حيث لجأت إلى الانفتاح على الخارج لجذب الاستثمارات الاجنبية.

استحداث تكنولوجيا قليلة استهلاك الوقود؛ البنوك المركزية الأوروبية لم تواجه ارتفاع معدلات التضخم الناتجة عن ارتفاع أسعار البترول خلال العقدين الماضيين برفع سعر الفائدة، لإدراكها أن التضخم الناتج عن زيادة تكاليف الإنتاج والذي ينعكس فى زيادة الأسعار لا تتم مواجهته بأي حال من الأحوال برفع أسعار الفائدة، وإنما تتم مواجهته بانتهاج السياسات التي من شأنها تخفيض نفقات الإنتاج.
 


اضف تعليق