ميليشيا الحشد الشعبي.. "إجرام" تحت غطاء القانون


٢١ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٣:٢٥ م بتوقيت جرينيتش

رؤية – محمد عبدالله

بموجب القانون العراقي تعتبر فصائل وتشكيلات الحشد الشعبي كيانات قانونية تتمتع بالحقوق وتلتزم بالواجبات باعتبارها قوة مساندة للقوات الأمنية العراقية، تخضع للسلطة المباشرة لرئيس الوزراء وهو "شيعي" بموجب نظام الحكم العراقي القائم منذ الإطاحة بصدام حسين في 2003 والذي قسّم المناصب العليا في الدولة بين الطوائف المختلفة في البلاد.

مرجعية دينية وغطاء قانوني

تأسست ميليشيا الحشد الشعبي العراقية في 13 يونيو/حزيران 2014 بناء على فتوى المرجع الشيعي علي السيستاني بوجوب "الجهاد" لتحرير العراق من داعش، قبل أن تتبناها حكومة العبادي وتضمها إلى وزارة الدفاع إثر موافقة مجلس النواب على قانون دمج ميليشيا الحشد بالجيش النظامي، رغم معارضة القوى السنية ومقاطعتها للتصويت، لتصبح بذلك ميليشيا الحشد أول ذراع عسكرية رسمية لإيران داخل جيش عربي.

وتتألف ميليشيا الحشد من مئات آلاف الشباب الشيعي العراقي الذين ينضوون في أكثر من 42 فصيلاً. ويتوزّع هؤلاء المقاتلون على فصائل كبيرة رئيسية بعضها له وجود سابق على فتوى السيستاني، وأخرى أصغر حجماً وأقل عدداً تشكلت بعد الفتوى. أبرز هذه الفصائل، سرايا السلام، منظمة بدر، كتائب حزب الله العراق، عصائب أهل الحق، حركة حزب الله النجباء وغيرها.

يعزو مراقبون كثرة عدد الفصائل التي يتكون منها الحشد الشعبي أو الشيعي إلى الرغبة في الحصول على امتيازات سلطوية وعسكرية. فكل شخص تجتمع لديه المؤهلات الشخصية مع التغطية العشائرية العددية والتمويل، يعدّ نفسه القائد الذي على الإيرانيين والجيش العراقي التنسيق معه مباشرة.


جرائم طائفية

سجل حافل من الانتهاكات التي ترقى إلى جرائم التطهير العرقي بحق أهل السنّة في المدن العراقية التي تم استعادتها من تنظيم داعش الإرهابي.

منظمات حقوقية وهيئات دولية اتهمته بإرتكاب جرائم عدة من بينها التعذيب والإخفاء القسري والقتل وتنفيذ اعدامات عشوائية، بالإضافة إلى سلب ونهب ونسف منازل مدنيين ومساجد أهل السنّة.

بدأت الانتهاكات في 2014، عندما اجتاحت القوات الحكومية وميليشيات الحشد مدينة جرف الصخر، وقامت باعتقال مئات الأسر والعوائل السنية وتهجير مئات آخرين وتدمير المنازل والمساجد، حتى أطلق الأمريكان على الطريق المؤدي إليها "طريق الموت"، اذ تحولت المدينة (60 كم جنوب غرب بغداد) إلى معقل للمليشيات "الطائفية".

وفي محافظة صلاح الدين، لم تسلم ممتلكات المدنيين من انتهاكات الحشد الشعبي في بلدة "آمرلي" التابعة لمدينة طوزخورماتو. وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» وقتها إن لديها ما يثبت أن ميليشيا الحشد نهبت ممتلكات المدنيين السُنة الذين فروا بسبب القتال، وأحرقت منازلهم ومحالهم، ودمرت على الأقل قريتين تدميراً شاملاً.

وفي أغسطس/آب من نفس العام، قتلت مليشيات الحشد نحو سبعين مصلياً وأصابت عشرات آخرين بجروح أثناء أدائهم صلاة الجمعة بمسجد مصعب بن عمير بمحافظة ديالى، وقبل ذلك جرت عمليات عنف عديدة لا سيما في بعقوبة والمقدادية .

حتى ضريح الرئيس العراقي الراحل، صدام حسين في تكريت، لم يسلم من عبث الميليشيا الطائفية، بعد أن أظهرت الصور واللقطات بناية سُوّيت بالأرض في قرية العوجة، جنوب تكريت، اتضح أنها البناية التي كانت تحوي قبر صدام حسين.

والملاحظ في كل هذه الانتهاكات وما سيأتي ذكره لاحقاً، وقوعها في المناطق السنّية، الأمر الذي يؤشر إلى الطائفية التي تحرك هذه الميليشيات الإجرامية، ومحاولتها تغيير ديموغرافية المدن السنية وطرد أهلها منها وتدمير مساجدها. ففي مايو 2016 ، فجرت ميليشيا الحشد جامع الكرمة الكبير، وأحرقت دائرة الجنسية والأحوال المدنية وسط الكرمة بمحافظة الأنبار، كما أحرقت جامع إبراهيم الحسون في منطقة الرشاد شرقي البلدة، وتعرض مختطفين من أهالي الكرمة والصقلاوية في محيط الفلوجة إلى تعذيب وانتهاكات على يد الشرطة الاتحادية ومليشيا الحشد الشعبي.

قمة إجرام هذه الميليشيات الطائفية، كان في يونيو/ حزيران 2016، عندما لقى عشرات المدنيين في الفلوجة حتفهم تحت وطأة التعذيب واختطف أكثر من 600 شخص وإخفائهم قسراً، بالإضافة إلى تفجير خمسة مساجد ونهب مئات المنازل، حتى أن مستشفى الفلوجة لم يسلم من انتهاكات الميليشيا الطائفية التي قامت بسرقة الأدوية.


معركة الموصل

مع إعلان بدء معركة تحرير الموصل، في النصف الثاني من شهر إكتوبر 2016، والتي شاركت فيها ميليشيا الحشد إلى جانب القوات الحكومية، تضاعفت المخاوف "السنيّة" من تكرار الانتهاكات ضد المدنيين الفارين من مناطق القتال، لا سيما في ضواحي الموصل، حيث أظهر فيديو ميليشيات الحشد على أطراف الموصل تقوم بتعذيب أحد الأطفال لانتزاع اعترافات منه.

وجاء اتهام منظمة العفو الدولية لحقوق الإنسان، للحشد الشعبي والقوات الحكومية العراقية بارتكاب ما وصفته بـ"جرائم حرب" و"هجمات انتقامية وحشية" في حق السنّة الفارين من تنظيم "داعش" في الموصل، تأكيداً لهذه النبرة الطائفية الانتقامية التي تحدث بها أحد قادة الحشد.

وقال مدير الأبحاث وأنشطة كسب التأييد في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، فيليب لوثر، إن "السنّة العرب في العراق يواجهون، عقب نجاتهم من أهوال الحرب وطغيان الدولة الإسلامية، هجمات انتقامية وحشية على أيدي الميليشيات والقوات الحكومية، حيث يعاقبون على ما ارتكبه التنظيم من جرائم".

معركة تلعفر

تتعرض مدينة تلعفر غربي الموصل لحصار فرضته قطاعات من الحشد منذ أشهر قاطعة خطوط الإمداد من وإلى البلدة، في وقت تخوض فيه القوات العراقية - مسنودة بمليشيا الحشديْن الشعبي والعشائري وغطاء جوي من طيران التحالف الدولي- معارك في الجانب الغربي من الموصل بهدف استعادته من قبضة تنظيم داعش.

المعركة التي تخلو من وضع خطة لفتح ممرات آمنة لخروج المدنيين الذين يقدرّر عددهم بأكثر من 50 ألفاً تسببت في نزوح أكثر من 5 آلاف منهم بسبب القصف الجوي والمدفعي.

الطموح الإيراني في تلعفر التي تقع على الطريق المؤدي إلى سوريا غربي العراق والرغبة في السيطرة عليها أحد أهم الأسباب وراء مشاركة الحشد الذي يعتبر ذراع إيران الرسمي بالعراق، إلا أنه المؤكد وبحسب خبراء أن معركة تلعفر تختلف اختلافاً جذرياً عن معارك سابقة بمحافظتي الأنبار وصلاح الدين.


مخاوف مشروعة

لا شك بأن مستقبل العراق بعد تحول الحشد من ميليشيا طائفية إلى قوة نظامية ترعاها الحكومة العراقية وتدربها، يثير مخاوف السنّة والأكراد، خاصة وأن تاريخ هذه المليشيات منذ تأسيسها وحتى اليوم حافل بالجرائم والانتهاكات، الأمر الذي من شأنه أن يقوّض التسوية السياسية وجمع الفرقاء، الذين رأوا في تمرير القانون نهاية حلم الدولة المدنية ونسفاً لمبدأ الشراكة الوطنية، بحسب تصريحات نائب رئيس الجمهورية ورئيس كتلة "متحدون" أسامة النجيفي، الذي أكد أن تمرير القانون هو إخلال بمبدأ الدولة وإخلال بالتوازن في المؤسسات الأمنية ومحاولة لخلق أجهزة موازية للقوات المسلحة تشبهاً بدول وأنظمة أخرى، وهو ما يضعف الدولة العراقية، ويحول دون بناء عراق موحد مستقر.

ما بين تصريحات العبادي، بأهمية قوات الحشد الشعبي كقوة ضاربة يخشاها تنظيم داعش، وما بين رفض السنّة والكرد لدمج الحشد ضمن القوات الحكومية، تبقى الحقيقة المؤكدة بأنه بات ولأول مرة ذراعاً رسمية لإيران داخل أحد الجيوش العربية، وهو ما يشكل تهديداً حقيقياً ليس فقط لوحدة العراق، وإنما أيضاَ لدول الجوار، في ظل الأطماع الإيرانية الخفية والمعلنة في المنطقة.

إلا أنه  وعلى الرغم من إدانة منظمات حقوقية دولية الفظائع التي ارتكبتها ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران في مناطق عراقية بعد طرد داعش، فإن السلطات العراقية لم تتخذ أي إجراءات حقيقة لمحاسبة المسؤولين وقيادات هذه الجماعات، الأمر الذي يثير الشكوك حول مدى إمكانية محاسبة الميليشيا على جرائمها بحق المدنيين.


اضف تعليق