الاحتلال ينتقم من المقدسيين بالتطهير العرقي


٢٢ أغسطس ٢٠١٧ - ١٠:٥١ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - محمد عبد الكريم
 
القدس المحتلة - لم يقدر الاحتلال الإسرائيلي على ابتلاع فكرة انتصار المقدسيين في أخر مواجهة على حقهم بالمسجد الأقصى المبارك، بعد أن أزالوا البوابات والكاميرات عن أبواب المسجد، فكان الانتقام بهدم المنازل وسحب الإقامات من المدينة المقدسة.
 
تطهير دفع بمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، لاصدار تقرير قبل ايام، كشفت خلاله النقاب عن الإجراءات المتبعة من قبل الاحتلال في إلغاء إقامات الآلاف من الفلسطينيين المقدسيين على طول السنين.
 
حيث قالت المنظمة أن إلغاء إسرائيل إقامات آلاف الفلسطينيين في القدس الشرقية على مر السنين يوضح النظام المزدوج الذي تنفذه إسرائيل في المدينة، حيث يفرض نظام الإقامة متطلبات شاقة على الفلسطينيين للحفاظ على إقاماتهم، فضلا عن عواقب وخيمة لمن يخسرونها.
 
ومنذ بداية احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967 وحتى نهاية 2016، ألغت إسرائيل إقامة 14,595 فلسطينيا من القدس الشرقية على الأقل، بحسب وزارة الداخلية، مبررة معظم عمليات الإلغاء على أساس عدم إثباتهم أن القدس "محور حياتهم"، لكنها ألغت مؤخرا أيضا إقامة فلسطينيين متهمين بمهاجمة إسرائيليين كعقوبة لهم وكعقوبة جماعية ضد أقارب المتهمين المشتبه بهم. يدفع النظام التمييزي العديد من الفلسطينيين إلى مغادرة مدينتهم في ما يصل إلى عمليات ترحيل قسري، كانتهاك خطير للقانون الدولي.
 
قالت سارة ليا ويتسن، مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "تدّعي إسرائيل معاملة القدس كمدينة موحدة، لكنها تحدد قوانين مختلفة لليهود والفلسطينيين، ويزيد التمييز المتعمد ضد فلسطينيي القدس، بما في ذلك سياسات الإقامة التي تهدد وضعهم القانوني، من انسلاخهم عن المدينة، اضافة الى رفض تجديد الإقامات، مع عقود من التوسع الاستيطاني غير المشروع وهدم المنازل والقيود المفروضة على البناء في المدينة، أدى إلى زيادة الاستيطان غير المشروع من جانب المواطنين اليهود الإسرائيليين في القدس الشرقية المحتلة، مع تقييد نمو السكان الفلسطينيين في الوقت ذاته. يعكس ما سبق هدف الحكومة الإسرائيلية المتمثل في "الحفاظ على أغلبية يهودية قوية في المدينة"، كما جاء في الخطة الرئيسية لبلدية القدس ("مخطط القدس لعام 2000")، والحد من عدد السكان الفلسطينيين. حيث حدد المخططون هدفهم بجعل نسبة السكان "70% يهود و30% عرب"، قبل أن يعترفوا بأن "هذا الهدف غير قابل للتحقيق" في ضوء "الاتجاه الديموغرافية" وعدلوه ليصبح 60 إلى 40. شكل الفلسطينيون 37 بالمئة من سكان القدس في 2015 وفقا لـ "مكتب الإحصاء المركزي" الإسرائيلي.
 
وضمت إسرائيل القدس الشرقية بعد احتلالها عام 1967، وبدأت بتطبيق قانونها الداخلي على المدينة. طبقت "قانون دخول إسرائيل" لعام 1952 على فلسطينيي القدس الشرقية وقدمت لهم إقامة دائمة، نفس الإقامة الممنوحة لأجنبي يريد العيش في إسرائيل. يجوز للمقيمين الدائمين العيش والعمل والحصول على مزايا في إسرائيل، ولكن هذا الوضع مستمد من حضورهم، ويمكن سحبه إذا استقروا خارج إسرائيل، ولا يُنقل تلقائيا لأولاد أو زوج/ة غير المقيم/ة ويمكن إلغاؤه بناء على تقدير وزارة الداخلية.
 
ويتوفر طريق للمواطنة للمقدسيين الفلسطينيين، لكن اختارت الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين عدم المضي فيه لانطوائه على تعهد بالولاء لإسرائيل، السلطة المحتلة. ولا تُمنح الجنسية لكل من يتقدم بالطلب. فمنذ عام 2003، قدم طلب الجنسية نحو 15 ألف فلسطيني من أصل 330 ألف، ووافقت السلطات الإسرائيلية على أقل من 6 آلاف منهم.
 
وعلى مدى عقود، ألغت السلطات الإسرائيلية إقامة فلسطينيين مقدسيين استقروا خارج إسرائيل فترة 7 سنوات أو أكثر دون تجديد تصاريح خروجهم أو عند حصولهم على إقامة دائمة أو جنسية البلد الذي استقروا به. مع ذلك، حدثت معظم عمليات الإلغاء بعد عام 1995، بعد إعادة وزارة الداخلية تفسير قانون دخول إسرائيل لعام 1952 للسماح بإلغاء إقامة أولئك الذين لم يعملوا للحفاظ على القدس "كمحور لحياتهم". بموجب التفسير الجديد، بدأت السلطات الإسرائيلية أيضا بإلغاء إقامة المقدسيين الفلسطينيين الذين يعيشون في أجزاء أخرى من فلسطين خارج حدود بلدية القدس أو ممن درسوا أو عملوا في الخارج لفترات طويلة.
 
كما ألغت السلطات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة إقامة الفلسطينيين في القدس الشرقية وفق قانون دخول إسرائيل لانتهاكهم "الالتزام الأدنىبالولاء لدولة إسرائيل". استخدم هذا الإجراء لأول مرة ضد 4 من أعضاء حماس المنتخبين في المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، كماأصدرت السلطات، بعد أكتوبر/تشرين الأول 2015، قرارا يعطي المبرر لسحب إقامة الأفراد المتهمين بالاعتداء الجسدي على إسرائيليين وضد أسر المشتبه بهم.
 
لذلك، فإن إلغاء إقامات الفلسطينيين من القدس الشرقية، الذين من المفترض أن يكونوا محميين في ظل الاحتلال الإسرائيلي بموجب "اتفاقية جنيف الرابعة"، كثيرا ما يجبرهم على مغادرة الإقليم الذي يعيشون فيه. ويشكل هذا ترحيلا قسريا عندما يتسبب بالنزوح إلى أجزاء أخرى من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وترحيل عندما يحدث إلى خارج البلاد. ولا تسمح اتفاقية جنيف بهكذا تدابير إلا على أساس مؤقت و"لأسباب عسكرية حتمية". حيث أن عدم الحفاظ على القدس كـ "محور للحياة" لا يفي بالمعايير التقييدية للاتفاقية.
 
وحبسب "نظام روما الأساسي" لـ "المحكمة الجنائية الدولية" فإن أي ترحيل لأي جزء من سكان الأراضي المحتلة أو نقلهم قسرا يشكل جريمة من جرائم الحرب. ويمتد الحظر المفروض على النقل القسري إلى ما هو أبعد من قيام قوة عسكرية مباشرة بنقل تجمع سكاني خاضع لسيطرتها، ليصل إلى الحالات التي تقوم فيها القوة العسكرية بتعقيد وزيادة مشقة حياة السكان لدرجة اضطرارهم فعليا للرحيل. يحمي قانون حقوق الإنسان أيضا الحق في ترك البلاد والعودة إليها بحرية.
 
كما يحظر القانون الإنساني الدولي صراحة على سلطة الاحتلال إجبار من هم تحت احتلالها على التعهد بالولاء أو الإخلاص لها.
 
وفي قرار صدر في مارس/آذار 2017، قضت "محكمة العدل العليا" الإسرائيلية بأن فلسطينيي القدس الشرقية يتمتعون "بوضع خاص"، باعتبارهم "سكان البلاد الأصليين"، ينبغي للسلطات أن تأخذه في الحسبان عند تحديد وضعهم. تمشيا مع الحظر الصارم للقانون الدولي على التشرد القسري أو الترحيل، على السلطات الإسرائيلية منح سكان القدس حق الإقامة المؤهلين له بوصفهم سكان أراض محتلة وكذلك بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. كما ينبغي ألا يضطر الفلسطينيون إلى الحصول على الجنسية في ظل الاحتلال لتأمين وضعهم وحقوقهم.
 
وبعد سيطرتها على الضفة الغربية عام 1967، ضمت إسرائيل من جانب واحد 72 كيلومترا مربعا إلى بلدية القدس، من ضمنها الجزء الشرقي من القدس و28 قرية محيطة بها في الضفة الغربية. كانت هذه المنطقة، التي يطلق عليها بشكل شائع القدس الشرقية، تضم 66 ألف فلسطيني، أي 24 بالمئة من سكان البلدية الجديدة. تنطبق الأوامر العسكرية الإسرائيلية على بقية الضفة الغربية، في حين تطبق إسرائيل قوانينها المدنية الخاصة على القدس الشرقية. لا تعرف هيومن رايتس ووتش أي دولة اعترفت بضم إسرائيل للقدس الشرقية، ما يجعلها أرضا محتلة بموجب القانون الدولي.
 
منذ ذلك الحين، نقلت إسرائيل الآلاف من مواطنيها اليهود إلى القدس الشرقية، وهي جريمة حرب بموجب القانون الدولي، مع رفضها الموافقة على معظم خطط تقسيم المناطق في الأحياء الفلسطينية التي تقترح عمليات توسع، ما جعل الفلسطينيين أمام خيار وحيد متثمل في بناء وتوسعة منازلهم من دون تصاريح والعيش تحت تهديد هدمها. منذ يناير/كانون الثاني 2012، هُدم 617 مبنى، منها منازل، لعدم وجود تصاريح، وفقا لـ "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية" (أوتشا).
 
إضافة إلى ذلك، تميّز الحكومة في مخصصات الميزانية. وفقا لمنظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية "إر أميم"، لم تخصص إسرائيل سوى 10.1 بالمئة من ميزانية البلدية لعام 2013 للمشاريع والإنفاق في الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية، رغم أن الفلسطينيين يشكلون 37 بالمئة من السكان. نتيجة لذلك، تعاني معظم الأحياء الفلسطينية من ضعف البنية التحتية وعدم كفاية الخدمات الصحية والترفيهية والتعليمية، مقارنة بمثيلاتها الإسرائيلية ذات الطرق المعبدة جيدا والعديد من المنتزهات والملاعب، فضلا عن جمع القمامة بشكل مثالي ووجود أماكن كافية للأطفال في المدارس. يعيش 67 بالمئة من فلسطينيّي القدس الشرقية تحت خط الفقر، بحسب المنظمة الإسرائيلية "جمعية حقوق المواطن في إسرائيل".
 
وألغي قرابة 80 بالمئة من الإقامات الدائمة خلال فترة احتلال إسرائيل على مدار 50 عاما وفقا لأرقام الحكومة الإسرائيلية، التي بدأت بالتوثيق عام 1995 مع بدء وزارة الداخلية، بناء على قرار محكمة العدل العليا لعام 1988، بمطالبة الفلسطينيين ببرهنة أن "محور حياتهم" في القدس الشرقية للحفاظ على إقاماتهم.
 
فقدان الإقامة يُجبر الفلسطينيين إما على مغادرة القدس أو البقاء فيها بشكل ينتهك القانون الداخلي الإسرائيلي. يخول قانون دخول إسرائيل اعتقال وترحيل كل شخص لا يملك إقامة قانونية. كما أنه من دون إقامة قانونية، لا يستطيع الفلسطينيون العمل رسميا، أو التنقل بحرية، أو تجديد رخص القيادة، أو الحصول على شهادات ميلاد للأطفال (الضرورية لتسجيلهم في المدرسة). كما يمكن أن يفقدوا مزايا برنامج التأمين الوطني الإسرائيلي الذي يوفر مستحقات الرعاية الاجتماعية، مثل الرعاية الصحية وإعانات البطالة ودفعات الدعم للأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة. قال فلسطينيون من القدس الشرقية إن الخوف من فقدان هذه الإقامة يؤثر على حياتهم اليومية، ويحدد أين على العائلات العيش ويعرقل فرصهم التعليمية والمهنية.
 
يجوز لمن فقد إقامته الطعن في إلغائها والاعتراض على قانونيته، أو تقديم التماس إلى وزير الداخلية لاستعادتها. يمكنها خلال ذلك الحصول على إقامة مؤقتة في القدس. نجح بعض الفلسطينيين في استعادة إقاماتهم، لكن أغلبها كان بعد إجراءات قانونية وإدارية مطولة لا يستطيع الكثيرون تحمل تكاليفها.
 
هذا وتسيطر إسرائيل بشكل فعال على سجل السكان الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتصدر السلطة الفلسطينية وثائق هوية للفلسطينيين في هذه الأراضي، لكنها لا تستطيع فعل أكثر من ذلك إلا بالتنسيق مع إسرائيل، التي ألغت طلبات التسجيل ومبادرة لم شمل العائلات أو رفضت طلبات أكثر من 230 ألف فلسطيني منذ عام 1967، وكثير منهم على أساس بقائهم خارج الضفة الغربية وغزة لفترة طويلة جدا.
 
قدم عضو الكنيست الاسرائيلي "يؤال حسون" مشروع قانون جديدة يقضي بإخراج جميع القرى الفلسطينية التي تم ضمها للقدس بعد حرب 1967 خارج حدود "بلدية القدس" وتسليمها للسلطة الفلسطينية وفقا لنص القانون الذي كشفت عنه النقاب يوم الأربعاء، صحيفة "اسرائيل اليوم" المقربة من نتنياهو مؤكدة ان كشفها هذا بمثابة سبق صحفي ينشر هنا لأول مرة.
 
وأطلق عضو الكنيست "حسون" من المعسكر الصهيوني على مشروع القانون اسم "انقاذ القدس كعاصمة يهودية ديمقراطية" والذي يتضمن تسليم مناطق شعفاط، العيسويه، جبل المكبر، بيت حنينا، صورباهر، وعدة قرى وضواحي مقدسية اخرى يقيم فيها حوالي 300 الف فلسطيني للسلطة الفلسطينية واخراجها خارج اطار القدس ما يعني التخلص من غالبية السكان الفلسطينيين في القدس المحتلة.
 
وجاء في صحيفة مسوغات مشروع القانون "يزداد عدد الفلسطينيين في القدس بشكل متواصل فقد شكلوا عام 1967 نسبة 26% فقط من مجموع سكان القدس وهم يشكلون اليوم 40% كما ان ضم هذه القرى للقدس يسبب تعقيدات امنية بسبب عدم امكانية الفصل بين مجموعات سكانية معادية تقيم في مناطق مأهولة وعمرانية مكتظة ونفذ سكان هذه المناطق جزءا كبيرا من العمليات الارهابية التي شهدتها المدينة في العامين الماضيين".
 
ويطالب مشروع القانون الحكومة الاسرائيلي بتقديم خطة ومسار واضح لإنقاذ طابع القدس "كمدينة يهودية ديمقراطية" في مدة اقصاها ستة اشهر على ان تعرضه بعد ذلك على الكنيست للمصادقة عليه كاقتراح قانون حكومي.
 
بدوره، اعتبر رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وليد عساف، ما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلية من تطبيق القوانين العنصرية للسيطرة على منازل في البلدة القديمة بالقوة، وتقديمها للمستوطنين كي يسكنوا بها، استمرارا لسلسة الخطوات الرامية إلى تهويد المدينة المقدسة، وإفراغها من العرب الفلسطينيين، وعزل البلدة القديمة عن باقي التجمعات المقدسية حولها.
 
وقال عساف: "إن هناك استهدافا كبيرا لبيوت المقدسيين في منطقة الشيخ جراح، من خلال تزوير عقود المنازل، وإفراغ سكانها بالقوة المفرطة وطرد الفلسطينيين المقدسيين منها". وأضاف ان هناك خطة لتحويل حي البستان في البلدة القديمة إلى حديقة يهودية.



اضف تعليق