"بقاء الأسد" ولعبة التحولات السياسية في سوريا


٢٧ أغسطس ٢٠١٧ - ٠٦:١٢ م بتوقيت جرينيتش

رؤية – محمود طلعت

"لم ننتصر نعم لكننا لم نخسر المعركة أيضا".. هكذا صاغ الرئيس السوري بشار الأسد في تصريحاته الأخيرة، معادلة مجريات القتال الدائر في بلاده منذ سنوات.

واعتبر كثيرون التصريحات التي أكد فيها الرئيس السوري بشار الأسد، إفشال ما سماه المشروع الغربي في بلاده، مجرد رسائل استفزاز للخارج، ومهدئات لرفع معنويات أنصاره في الداخل.

حلفاء الأسد

دعم واضح على الصعد العسكرية والسياسية ساهم فيه حلفاء الأسد "روسيا وإيران وحزب الله" ولكل غايته من ورائه؛ فإيران استثمرت في نظام الأسد ضمن لعبة واسعة لتسوية حسابات مع خصومها في المنطقة وتوسيع دائرة نفوذها وسط مناخ إقليمي يسوده الاضطراب.

بالمثل فعلت روسيا التي كادت شمسها تغرب عن الشرق الأوسط تماما؛ حيث دفعت موسكو بأحدث ما في ترسانتها العسكرية من أسلحة لتوقظ نظام الأسد في لحظة كان أقرب ما يكون فيها إلى السقوط.

وتقدم القوات الروسية دعمًا للأسد ضد معارضيه منذ سبتمبر 2015، واتخذت قواعد ومراكز عسكرية في المحافظات، ولا سيما قاعدة حميميم الجوية في ريف اللاذقية.

ويرى محللون عسكريون أنه كان من الصعب أن تستطيع قوات الأسد والميليشيات الموالية لها السيطرة على مدينة حلب في ديسمبر 2016 الماضي، لولا الغطاء الجوي الروسي أثناء عمليات الاقتحام.

خصوم الأسد

المعارضة السورية بدورها لم تبخل دون قصد في زيادة فرص بقاء النظام في دمشق، حيث أخفقت في تقديم نفسها للعالم كبديل قوي قادر على سد الفراغ حال سقوط النظام في سوريا.

وبين الحلفاء والخصوم ظهر لاعب لا يقل أهمية في تحديد مسارات الصراع، وهو تنظيم داعش بكل ما يمثله من تهديد تجاوز الجغرافيا في سوريا والمنطقة ليفرض تحديا أكثر إلحاحا أمام المجتمع الدولي.

وصرف ظهور التنظيم وانتشاره وما يشكله من مخاطر، الأنظار عن هدف إزاحة الأسد إلى دحر داعش كأولوية قصوى بالنسبة للمجتمع الدولي. ولهذه الأسباب وغيرها أتيح للأسد ليس فقط أن يرقى ولكن أن يقدم نفسه شريكا للمجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب.

تحوّل سياسي

وفي الأشهر القليلة الماضية طرأ تحول سياسي كبير، في مواقف بعض الدول من الأزمة في سوريا، وذلك بإسقاط مطلبهم الذي طال أمده، بأنه يجب على رئيس النظام السوري بشار الأسد أن يرحل.

صحيفة التايمز البريطانية، ألمحت إلى احتمالية قبول الدول الغربية بمشاركة الأسد في انتخابات يسمح له بالمشاركة بها، لافتةً إلى تغيّر جذري في موقف بريطانيا وحليفاتها من الدول الغربية تجاه القضية السورية.

وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، ألمح لهذا التغيير قائلا "دأبنا على القول بضرورة تنحّي بشار الأسد كشرط مسبق، ولكن نقول الآن إنه يجب أن يذهب في إطار مرحلة انتقالية، ومن حقه أن يخوض غمار انتخابات ديمقراطية".

وبالنسبة لفرنسا التي عرفت منذ اندلاع الثورة السورية بموقفها المعادي للنظام السوري، وطالبت برحيل الأسد ومحاسبته، على ما أسمته "جرائم حرب"، موقفها تغير مع وصول الرئيس الحالي، إيمانويل ماكرون، إلى كرسي الرئاسة.

وبالرغم من تأييده لرحيل النظام السوري بالطرق السلمية قبل تسلمه الرئاسة، أشار ماركون في تصريحين خلال يوليو الماضي، إلى أنه لا يرى بديلًا شرعيًا للأسد، وأن فرنسا "لا تعتبر الأسد عدوًا لفرنسا بل عدوًا للشعب السوري".

وزير الخارجية الفرنسي، جون إيف لودريان، أكد أن فرنسا تريد كسر حالة الجمود في الأزمة السورية، وأنه "ليس هناك شرط مسبق لرحيل الرئيس السوري بشار الأسد"، معتبرا الأولوية في سوريا حاليا تتمثل في الحرب ضد تنظيم داعش.
 
وبالنسبة لواشنطن فيرى سياسيون أن كلفة مغادرة الأسد باتت أكبر من كلفة بقائه، حيث تتحرك إدارة ترامب من منطلق التعايش مع فكرة بقاء الأسد من دون التصالح معه ووفقاً لخطوط براغماتية وعسكرية تنال تأييد وزارة الدفاع الأمريكية.

مواقف عربية

في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، أعلنت الحكومة الأردنية على لسان محمد المومني، وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال، والمتحدث باسم الحكومة، أن العلاقات مع النظام السوري، بقيادة بشار الأسد، "مرشحة لأن تأخذ منحى إيجابيًا".

وقال المومني، في برنامج بالتلفزيون الرسمي للدولة "نذكر حينما قرّرت الجامعة العربية إغلاق السفارات السورية طلبنا الاستثناء في هذا الأمر"، موضحا "نظرا لخصوصية العلاقة بيننا وبين الشقيقة سوريا، استمرت السفارة الأردنية في سوريا بالعمل، كما أن السفارة السورية في عمان ما تزال تعمل".

وقررت جامعة الدول العربية، في نوفمبر 2011، تعليق عضوية سوريا، وسحب السفراء العرب من دمشق، وهو ما عدته دمشق محاولة عربية لتنفيذ مخطط أمريكي غربي يحاول تدمير سوريا وابعادها عن محور المقاومة.

وتأتي تصريحات الوزير الأردني بعد يومين من إعلان الأردن وروسيا عن تفعيل مركز عمّان لمراقبة اتفاق خفض التوتر في مدينتي درعا والقنيطرة جنوبي سوريا.

تقول بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري بشار الأسد في أعقاب لقاء عقدته مع وفد أردني يزور دمشق حاليا إن "النبض بين سوريا والأردن متواصل ويعكس تطلع الشعب العربي إلى مشروع نهضوي تحرري".

وأكدت مستشارة الأسد أن زيارة الوفد الأردني لسوريا في هذا الوقت "خطوة صحية" بعد ظهور "بوادر هزيمة المشروع الإرهابي التكفيري"، مشددة على أن "خطواتنا المستقبلية يجب أن تكون مدروسة، وأن ننظر للمستقبل بتفاؤل".

رؤية تحليلية

موقف مصر في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي كان إلى جانب النظام السوري، ومع أن القاهرة انطلاقا من ذلك تعطي أكثر من مؤشر على أنها مع خيار بقاء الرئيس بشار الأسد، إلا أن موقفها يكتنفه شيء من الغموض حيال مستقبل الأسد في الحل النهائي المنشود للأزمة السورية، بحسب صحيفة "الحياة" اللندنية.

يقول الكاتب السعودي خالد الدخيل في مقال له بصحيفة الحياة، إن السؤال الذي على القاهرة مواجهته الآن: ما الذي تأمل تحقيقه؟ ربما أنها، ومعها الرياض وعواصم عربية أخرى، ترى أن الحضور العربي في سوريا في هذه المرحلة بات ضرورة ملحة.

ويشير الدخيل إلى أن "بقاء الأسد الآن يعتمد على قوات أجنبية كبيرة، ولا يستطيع البقاء من دونها؛ فات زمن إقناع الأسد بالتخلي عن اعتماده على إيران أو اعتماد إيران عليه؛ ثم هل يمكن إقناع السوريين بقبول بقائه بعد كل ما حصل؟".

ويضيف "نعم دخول مصر بموافقة سعودية وعربية سيوازن الدور الإيراني، ويعزز الدور الروسي، ويحد من الدور التركي. لكن مرة أخرى كيف؟ ولأي هدف؟ لا تستطيع القاهرة إعلان موقف من الوجود الإيراني المكثف في سوريا موافقتها عليه ضد مصالحها، وتتصادم مع الرياض. معارضتها له ستعكر علاقتها مع الأسد ونظامه.

ويوضح الكاتب السعودي أن الأمر يحتاج إلى حل يبدأ إما بخروج الأسد، أو ببقائه كسبيل لخروجه؛ من دون ذلك ستبقى سوريا مهددة بالتقسيم، أو بدخولها النفق الأفغاني.

ويرى محللون سياسيون متابعون للشأن السوري، أن تغير موقف الغرب من بقاء الأسد يأتي في ظل أنباء عن توافق دولي حول تسوية سياسية في سوريا، الأمر الذي توقعه المبعوث الأممي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، بأن أكتوبر المقبل سيكون شهرًا حاسمًا في الأزمة السورية.


اضف تعليق