التجربة الكورية "الهيدروجينية" والخيارات الأمريكية


٠٤ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٢:٢٤ م بتوقيت جرينيتش

رؤية – محمد عبدالله

بقدر غير خاف من النشوة أعلنت بيونج يانج نجاحها في تجربة قنبلة هيدروجينية يمكن حملها على صاروخ باليستي عابر للقارات.

التليفزيون الكوري بث لمواطنيه البشرى بنجاح التجربة النووية السادسة خلال أحد عشر عاماً، مؤكداً أنها كانت أنجح من كل سابقاتها.

فبأمر من الزعيم الشاب كيم جونج أون أجريت التجربة التي خلفت هزات أرضية وسياسية على السواء، ترى كوريا الشمالية أن تجريتها الأخيرة مهمة لاستكمال برنامجها للأسلحة النووية، بينما رأى جيرانها ودول العالم بمن فيهم حلفائها التقليديون أن العواقب ستكون وخيمة.


قلق الخصوم

الخصوم الأقربون كانوا الأكثر قلقًا بطبيعة الحال، وبوجه خاص كوريا الجنوبية واليابان فلا قبل لأحدهما منفردة بردع الطموحات النووية لبيونج يانج.

في الجارة الجنوبية انعقد اجتماع لمجلس الأمن القومي، وطالب الرئيس الكوري الجنوبي بفرض أقسى العقوبات على الجارة الشمالية لعزلها تماماً، وأظهرت هيئة الأرصاد الكورية الجنوبية المناطق التي شعرت بالهزات الأرضية الناجمة عن التجربة النووية.

أما اليابان التي تعرف دون غيرها من دول العالم معنى السلاح النووي باعتباره ضحيته الوحيدة حتى اليوم، فقد اعتبرت التجربة النووية لكوريا الشمالية "خطوة لا تغتفر" وهو تنديد شعبي جاء بموازاة تصاعد مطالبات شعبية يابانية بامتلاك قوة ردع عسكرية لصد التهديدات النووية لكوريا الشمالية.


إحراج بكين

الحليفان القويان لكوريا الشمالية، روسيا والصين لم يكونا أقل غضباً، بكين تحديداً صعدت لهجة إدانتها ولم توجه دعوتها المعتادة إلى كافة الأطراف لضبط النفس وهو ما رصد فيه مراقبون جرعة غضب صينية زائدة من بيونج يانج، بينما تستضيف الصين قمة مجموعة بريكس الاقتصادية وفي ذلك من الحرج لبكين ما لايخفى، خاصة وأنها ليست المرة الأولى، بل الثالثة التي تجري فيها كوريا الشمالية تجربة من هذا النوع على وقع استضافة جارتها الصينية لفعاليات دولية مهمة.

الأقوى على الإطلاق

مخاوف التسرب النووي الناجم عن تجربة كهذه حملت كل من الصين واليابان على إجراءات رقابية عاجلة لرصد أية إشعاعات متوقعة.

مسؤولون في وزارة الدفاع الكورية الجنوبية أعلنوا أمام البرلمان أن تجربة تفجير القنبلة الهيدروجينية التي أجرتها بيونج يانج قدرته شدتها بـ 50 كيلوطناً.

هذه الكمية من الطاقة تعني أن التجربة كانت أقوى بخمس مرات من الاختبار النووي الذي أجرته كوريا الشمالية في أيلول/ سبتمبر من عام 2016، وأقوى بثلاث مرات من القنبلة الأمريكية التي ألقيت على هيروشيما نهاية الحرب العالمية الثانية.


الحل العسكري غير مستبعد

في الولايات المتحدة جاء الرد الأولي تغريدات للرئيس دونالد ترامب جدد فيها التأكيد على وجهة نظره بعدم جدوى الحوار مع بيونج يانج وأنه نهج فشل وسيفشل.

بالنسبة لواشنطن ورغم محاولات احتواء الأزمة بالطرق الدبلوماسية، لم تعدّ خيارات الحل العسكري مستبعدة خاصة في حال وقوع تهديد مباشر لأراضيها.

فعلي لسان وزير دفاعها جيم ماتيس، أكد أن بلاده لديها العديد من الخيارات العسكرية التي أراد الرئيس الاطلاع عليها، وقد أوضح أن بلاده تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها وعن حليفتيها كوريا الجنوبية واليابان ضد أي هجوم، مشدداً على التزام بلاده أمام ذلك صلب لا يلين.

وتابع "إن أي تهديد للأراضي الأمريكية بما في ذلك غوام وكذلك الحلفاء سيقابل برد عسكري فعال وكاسح".

أقوى إجراءات ممكنة

على الفور دعت عدة دول على رأسها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان ودولاً أوروبية أخرى لعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لبحث سبل الرد على التهديدات الكورية الشمالية.

بدورها حضت المبعوثة الأمريكية في الأمم المتحدة مجلس الأمن الدولي على اتخاذ "أقوى إجراءات ممكنة" لمعاقبة كوريا الشمالية بعد تجربتها "النووية" الأخيرة.

وقالت نيكي هالي في الاجتماع الطارئ للمجلس في نيويورك "حان الوقت لاستنفاد كل الطرق الدبلوماسية قبل أن يصبح متأخرا جدا" معالجة هذه القضية.

وحذرت أيضا من أن البلدان التي ترتبط بعلاقات تجارية مع كوريا الشمالية، تساعد في انجاز طموحاتها النووية.

خيارات محدودة

من جانبه، يرى وسيم الأحمر، المحلل السياسي بمحطة "فرانس 24" أن الخيارات الأمريكية "محدودة" حتى قبل التجربة الأخيرة والسادسة خلال العقد الأخير، مشيراً إلى أن الرئيس ترامب ورث هذا الملف من سلفه باراك أوباما الذي ورثه بدوره من أسلافه.

الولايات المتحدة وبحسب الأحمر تبدو وكأنها كانت تستفيد من الاستفزازات الكورية الشمالية من أجل تعزيز وجودها العسكري في منطقة بحر الصين، وبدت كأنها لا تحاول علاج الملف الأساسي والمتمثل في الرغبة الكورية الشمالية في التحول إلى دولة نووية.

العقوبات سواء الدولية أو تلك التي تهدد بها الولايات المتحدة بمعاقبة الدول التي تقيم علاقات تجارية مع كوريا الشمالية تبقى محدودة وتم تجربتها من قبل مع إيران وكوبا وحتى كوريا الشمالية نفسها ورغم ذلك لم تثنها عن المضي قدماً في طموحاتها النووية.

صحيفة "لوبينيون" تعلق على ما يجري بأن واشنطن تقف عاجزة أمام كوريا الشمالية. وتضيف بأنه كان على الولايات المتحدة أن تفهم أن الصين الحليف الأقوى لكوريا الشمالية لا يمكن أن تقبل بالتهديد الذي تشكله الصواريخ الأمريكية في شبه الجزيرة الكورية.


الصبر الاستراتيجي

الزعيم الشاب الذي يتهمه الكثيرون بأنه "مجنون" يبدو أنه نجح في فرض أجندته على الولايات المتحدة ليقول أنه بإمكاننا إطلاق الصواريخ فوق اليابان الحليف الاستراتيجي لواشنطن ودون أن تتحرك الولايات المتحدة وهو ما يمس هيبة الرد الأمريكية في هذه المنطقة.

فإعلان الحرب من جانب واشنطن يفتح الباب أمام احتمالات يصعب التكهن بنتائجها، كما أن الصمت عليها يقلل من هيبة الردع الأمريكية، وبالتالي يبقى خيار الحوار المباشر والذي دعت إليه كلا من الصين وروسيا .

الخاسر الأكبر.. سيول

بيد أن الخاسر الأكبر في هذه الأزمة التي تعيشها شبه الجزيرة الكورية، هي الجارة الجنوبية التي تستضيف على أراضيها معدات وأسلحة وجنود أمريكيين للرد على أي تهديد من بيونج يانج.

إلا أنه وفي حال قررت أيا من الولايات المتحدة أو بيونج يانج الحرب، فلا شك أنها ستمر عبر الأراضي الكورية الجنوبية الحليف الأقوى للولايات المتحدة، وهو ما يعني أن سيول ستدفع الثمن المباشر لأي تهديد لعمل عسكري في هذه المنطقة.


اضف تعليق