عقود نفطية بـ"اليوان والذهب".. "التنين الصيني" يطارد الدولار الأمريكي


٠٤ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٣:٣٦ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

يعد الاقتصاد الصيني ثاني أكبر اقتصاد مستهلك للنفط في العالم، وعلى الرغم من ذلك، لا تنتج إلا كميات قليلة جداً من النفط الذي تستهلكه.

هذه الأمور تجعل من سوق النفط الصيني سوقًا هامة بشكل خاص لكبار المنتجين، وخاصة خلال الفترة الحالية التي من أهم سماتها وفرة عرض النفط في الأسواق العالمية.

كما أنها تتطلع لملاحقة أمريكا -القوة الاقتصادية الأولى في العالم - ومنافستها في كثير من القطاعات والصناعات، ومواجهة السياسة الحمائية التي يتبعها الرئيس دونالد ترامب منذ توليه الرئاسة.

مؤشر لعقود نفط مقومة باليوان

تستعد الصين - أكبر مستورد للنفط في العالم - لإطلاق عقود نفط خام آجلة مقومة باليوان الصيني وقابلة للتحويل إلى ذهب، الأمر الذي قد يساهم في خلق أهم مؤشر نفطي آسيوي ويسمح لمصدري النفط بتجاوز المعايير التي تفرضها المؤشرات المقومة بالدولار الأمريكي عن طريق التداول باليوان.

ووفقا لنشرة "أويل برايس" الأمريكية؛ ستكون العقود الآجلة للنفط الخام أول عقد للسلع الأساسية فى الصين مفتوح أمام صناديق الاستثمار الأجنبى وبيوت التجارة وشركات النفط.

تحايل على العقوبات الأمريكية

قالت مجلة "نيكي آسيان ريفيو" اليابانية إن التداول باليوان سيسمح لمصدري النفط مثل روسيا وإيران بالتحايل على التجارة المقومة بالدولار الأمريكي، وتجاوز العقوبات الأمريكية.

تحويل العقد النفطي إلى ذهب

وأشارت إلى أنه لجعل العقد النفطي الآجل المقوم باليوان أكثر جاذبية، تخطط الصين لتوفير آلية تحويل اليوان إلى الذهب فى بورصة شانغهاى وهونج كونج.

وقد بدأت بورصة شانغهاي الدولية للطاقة في تدريب المستخدمين المحتملين، وتقوم باختبارات نظم التشغيل الفعلي بعد الاستعدادات الفنية النهائية التي جرت خلال شهري يونيو ويوليو. وسيكون هذا أول عقد للسلع الآجلة في الصين مفتوحًا أمام الشركات الأجنبية مثل صناديق الاستثمار وشركات الاستثمار التجارية وشركات البترول.

وقال لوقا جرومين، مؤسس شركة أبحاث الاقتصاد الكلي في الولايات المتحدة، في مقابلة مع مجلة "نيكي آسيان ريفيو": "قد تبدأ قواعد اللعبة العالمية للنفط في التغير بشكل كبير".

يذكر أن الصين عملت لعدة سنوات على إطلاق عقد نفط آجل مقوم باليوان، لكنها فشلت في ذلك بسبب التأجيلات المتعددة.

وفي 2017، يبدو أنه قد حان الوقت المناسب لكي تطلق الصين عقود النفط الآجلة والمقومة باليوان. لكن ما زال القلق يسيطر على بعض التجار الأجانب من نجاح خطوة تسعير العقد باليوان.

ووفقا للمحللين، فإن آلية دعم عقود النفط الآجلة المقومة باليوان بغطاء ذهبي، ستلائم مصدري النفط، خاصة أولئك الذين يفضلون تجنب الدولار الأمريكي في التجارة.

وقال الاسدير ماكليود، رئيس قسم البحوث في شركة "جولد موني" -شركة خدمات مالية مقرها تورونتو وتهتم بالمعاملات المالية للذهب"- إن وجود عقود النفط والذهب الآجلة المدعومة باليوان يعني أن المستخدمين سيحصلون على خيار الدفع بالذهب الطبيعي.

وأضاف "إنها آلية من المحتمل أن تجذب منتجي البترول الذين يفضلون تجنب استخدام الدولار، ولكنهم في نفس الوقت غير مستعدين بعد لقبول اليوان لسداد مبيعاتهم النفطية للصين".

فيما قال جرانت ويليامز، مستشار شركة فولبس لإدارة الاستثمارات، إنه يتوقع أن يسعد معظم منتجي النفط لتبادل احتياطياتهم من النفط بالذهب. وقال "إنها عملية تحويل ثرواتهم من سائل أسود إلى معدن أصفر، إنها خطوة استراتيجية للتبادل النفطي بالذهب، بدلاً من الدولارات الأمريكية، والتي يمكن طباعتها في الخزانة الأمريكية بسهولة".

الصين سوق نفطية واعدة

تستغل الصين الفرصة التي يتيحها التراجع الحالي في أسعار النفط حتى تقوم ببناء احتياطيات النفط الإستراتيجية الخاصة بها.

في أواسط عام 2016، ذكرت الصين أن احتياطياتها الإستراتيجية من النفط الخام قد بلغت 237.5 مليون برميل، وقد يؤدي توقف إستيراد النفط بهدف بناء الاحتياطيات الاستراتيجية إلى دفع أسعار النفط إلى الانخفاض بشكل غير متوقع، ولكن هذا الأمر لا يبدو محتملاً.

وفي الوقت الراهن، تعمل الصين على بناء المزيد من المنشآت لتخزين المزيد من النفط الخام الذي تستورده.

وأسهمت مصافي النفط الصينية الخاصة (الغير مملوكة للدولة)، التي تسمى أحياناً "أباريق الشاي"، بشكل كبير في زيادة الطلب على النفط في البلاد.

خلال النصف الأول من عام 2017 الجاري، حافظت المصافي المملوكة للدولة على إنتاجها المكرر الذي أظهر الثبات، إلا أن المصافي الخاصة رفعت من إنتاجها بعد أن رفعت الحكومة الحصص المسموح بإستيرادها من النفط الخام لهذه المصافي.

وارتفع مجموع إنتاج مصافي النفط في الصين بنسبة 3٪ خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي مقارنة بذات الفترة من العام الماضي، ووصل إلى 11.1 مليون برميل يومياً.

ومنذ يناير 2015 وحتى يونيو 2017، تبادلت المملكة العربية السعودية وروسيا المراكز كأكبر مصدري النفط الخام إلى الصين، حيث بلغت صادرات المملكة العربية السعودية إلى الصين ما معدله 1.03 مليون برميل يومياً.

وفي ذات الفترة بلغت صادرات روسيا ما معدله 1.02 مليون برميل يومياً.

في الوقت الذي رفعت فيه روسيا من صاداراتها إلى الصين، بقيت صادرات المملكة العربية السعودية ثابتة إلى حد كبير. ومع ذلك، فإن المصدر رقم واحد للنفط إلى الصين يتغير بشكل مستمر.

اليوم، يبدو أن الأمور تسير في مصلحة روسيا، التي ساعدها فتح خط أنابيب النفط من سيبيريا إلى الصين، كما استفادت كذلك بعد أن قررت قبول دفع الصين ثمن النفط المصدر بعملتها المحلية (اليوان)، في الوقت الذي يتم الدفع في معظم صفقات النفط الذي يتم تداوله عالميا بالدولار.

وخلال قمة بريكس المنعقدة حاليا في شيامن بالصين، أعلنت "روس نفط"، كبرى شركات النفط الروسية، عن إبرام اتفاق استراتيجي وعقد توريد نفط طويل الأجل مع شركة "CEFC" للطاقة الصينية.

اليوان بديل الدولار

الثقة بأي عملة لاستعمالها كعملة احتياط دولي لا تأتي من فراغ ولا تتكون خلال فترة زمنية قصيرة، فهناك عوامل اقتصادية وغير اقتصادية عدة تخلق هذه الثقة إلى جانب صمود العملة أمام أحداث مناوئة لا يستهان بها على مدى فترة غير قصيرة من الزمن.

ومنذ أواخر عام 2002 والدولار يسجل انخفاضات مستمرة تجاه العملات الرئيسة الأخرى، ففي أغسطس 2007 بلغ أدنى مستوياته في مقابل الإسترليني منذ 1981، وهو 2.006 دولار، والأدنى تجاه اليورو 1.42 منذ بدء التعامل بالأخير في 1999.

ومنذ ذلك الوقت توقع محللون ومراقبون للنظام المالي العالمي قرب انتهاء دور الدولار كعملة للاحتياط الدولي، وبروز عملة أخرى أو مجموعة من العملات بدلاً منه.

وسعت الصين لجعل اليوان عملة دولية يمكن من خلالها إجراء التبادلات التجارية وتسهيل التجارة البينية مع دول العالم اعتمادا على توفير منصات مباشرة تربط بين اليوان الصيني وعملة الدولة التي يتم التداول معها بشكل مباشر بدون وجود عملة وسيطة كالدولار.

وبعد عامين من قيام بنك الشعب الصيني بصدمة الأسواق العالمية بعد التخفيض المفاجئ لقيمة اليوان بنسبة 1.9% في 2015، يتسم أداء العملة الصينية الآن بالقوة مقابل الدولار، ويتزامن ذلك أيضاً مع ارتفاع احتياطي الصين من النقد الأجنبي على مدار ستة أشهر متتالية.

وفي أكتوبر 2016، اعتمد صندوق النقد الدولي، اليوان الصيني كعملة عالمية بجانب الدولار الأمريكي والين الياباني والجنيه الإسترليني واليورو، الأمر الذي سيُضيف زخما للواردات الصينية.

ولم يعد ينظر إلى اليوان على أنه مصدر خطر للاقتصاد العالمي، بفضل نمو الاقتصاد الصيني بنسبة 6.9% في النصف الأول من العام الحالي.

وسعيا منها لرفع قيمة اليوان والحفاظ على استقراره كعملة دولية، رفعت الصين احتياطياتها من الذهب لتتجاوز 4000 طن خلال شهر يونيو الماضي، بهدف تنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار الأمريكي في الوقت الذي انخفضت فيه قيمة العملة الأمريكية فضلاً عن تعزيز مكانة البلاد في السوق المالية العالمية.

وقال تشو يينج هاو، المحلل البارز بمركز بكين للتبادلات الذهبية، إن الاحتياطيات الذهبية الوفيرة يمكن أن تعزز أيضا مكانة الصين فى السوق المالية العالمية وتسرع عملية تدويل اليوان على المدى الطويل.

وأشار إلى أن أحد المعايير التي تحدد ما إذا كانت العملة يمكن أن تؤهل لتصبح عملة متداولة عالميا للقيمة هي كمية الذهب التى تمتلكها البلاد.



في ظل احتدام الصراعات بين القوى الكبرى في العالم، وسعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتغليظ العقوبات بحق كوريا الشمالية وحصارها على كافة الأصعدة، وتطرقه إلى قطع العلاقات التجارية مع الدول الداعمة والحليفة لكوريا الشمالية.

قد لا تستجيب بعض الدول التي تربطها علاقات استراتيجية بكوريا الشمالية، مثل الصين، التي لطالما ظلت منافسًا شرسًا للولايات المتحدة الأمريكية على الصعيد الاقتصادي.

وخطوة مثل إطلاق عقود نفطية آجلة مقومة باليوان وقابلة للتحويل إلى ذهب يعد ملاذًا وطوق نجاة للدول التي تعاني من العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وسيفتح لها سبلًا أخرى لمباشرة معاملاتها النفطية.



اضف تعليق