بين رأسي "المعمدان" و"أرفيوس".. فتش عن المرأة !


٠٨ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٦:٠٤ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

"المرأة"  سر يقبع خلف لوحتين من أعظم اللوحات العالمية وهما لوحة "رأس يوحنا المعمدان" التي انكب عدد كبير من الفنانين لرسمها، ولوحة " رأس أورفيوس".

"سالومي" والغواية



تعددت اللوحات التي صورت قصة " سالومي" وعبر عنها الرسامون والمؤرخون والعازفون كل بطريقته وتناوله وإبداعه.

"سالومي" الفاتنة، تلك الغانية التي فعلت ما يعجز عنه مائة جندي، تاريخيا هي ابنة الملك هيرودس الثاني حسب المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس، عاشت في فترة ما بين السنة الرابعة عشرة إلى الحادية والسبعين بعد الميلاد وكانت قد تزوجت من هيرودس فيلبس الثاني وبعد وفاته، تزوجت من أرسطوبولوس كلخيس الذي كان ملك كلخيس وأرمينيا.

في العهد الجديد، "سالومي" هي ابنة هيروديا التي كانت على علاقة مع أخ زوجها هيرودس والتي اعتبرها يوحنا المعمدان "النبي يحيى" إنسانة خاطئة وهي من دفعت ابنتها إلى طلب رأسه عندما رقصت لعمها الرقصة المعروفة "برقصة الشيطان".

لم تختلف القصة كثيرا في الدين الإسلامي، فسالومي هي السيدة التي وقعت في حب النبي يحيى وأرادت أن تقبّله فرفض واعتبرها إنسانة ملعونة كأمّها، فأمرت بقتله.

روى إنجيل متى قصتها في (الإصحاح الرابع عشر 6-11 ) "فلما صار مولد هيردوس، رقصت ابنة هيروديا في الوسط  فسرت هيروديا، ومن ثم وعد بقسم أنه مهما طلبت يعطيها، فهي إذا كانت قد تلقت من أمها، قال أعطني هاهنا على طبق رأس يوحنا المعمدان، فاغتنم الملك، لكن من أجل الأقسام والمتكئين معه أمر أن يعطى فأرسل وقطع رأس يوحنا في السجن، فأحضر رأسه على طبق ودفع للصبية".

تعددت اللوحات التي صورت رقصة "سالومي" الشيطانية وتفاصيل أخرى من الحكاية فظهرت تارة وهي ترقص وتغوي الملك وتارة أخرى وهي تمسك برأس يوحنا المعمدان، وقد كتب هرمن سودرمان مأساة بعنوان "نيران القديس يوحنا" وكتب أوسكار وايلد "سالومي"، ووضع الموسيقار ريتشارد سترواس أوبرا بعنوانها.

أورفيوس وانتقام "الباخيات"



جسدت لوحة "فتاة تحمل رأس أورفيوس" للرسام غوستاف مورو وهي تشبه إلى حد كبير لوحة سالومي ورأس المعمدان فنًا ملحميًا أسطوريًا شهيرًا.

وتحكي الأسطورة قصة "أورفيوس" الموسيقي الرقيق في أساطير الرومان والإغريق.

كان أورفيوس يعزف على قيثارته – هدية الإله أبوللو -  موسيقى عذبة تستميل الحيوانات والأشجار والأحجار وتوقف الأنهار من جمالها وعذوبتها.

تزوج أورفيوس حورية الغابة محبوبته أوريديوس الرقيقة، وذات يوم بينما "أوريديوس" تجمع الزهور جاءها ثعبان أرسله "أريستايوس" الذي كان يتربص بها وبزوجها  ودس الثعبان سمه في أوريوريدس.

جن جنون أورفيوس واشتد ألمه حين علم بمقتل زوجته، وبدأ يعزف الحان الحزن الشجية فأبكى أهل القرية والحيوانات والطيور، لم يتحمل أورفيوس الفراق وقرر أن يلحق بزوجته إلى العالم السفلي.

استغل أورفيوس سحر موسيقاه في عبور نهر ستكس الذي يفصل بين عالم الأحياء وعالم الموتى وقام "شارون" المكلف بنقل الموتى بنقله بعد أن سحرته الموسيقى.

واجه أورفيوس بعدها حارس البوابــة "سربيوس" وهو كلب ضخم بثلاثة رؤوس وأنياب وكاد أن يستسلم بيد أنه تذكر قيثارته في اللحظة الأخيرة فأخذ يعزف بها إلى أن هدأت ثورة الوحش.

سار أورفيوس بين الأشباح إلى أن وصل إلى هاديز ملك العالم السفلي الذي دهش من وجود شخص حي في مملكة الأموات وحاول بالعزف على قيثارته أن يستميل قلب هاديز ويقنعه بإعادة أوريديوس إلى عالم الأحياء بشرط أن لا يلتفت وينظر وراءه حتى يصلا إلى عالم الأحياء.

وافق "أورفيوس" على شرط هاديز وبدأ رحلة العودة ، كان أورفيوس يمشي في التلال والجبال والغابات، وهو يمني نفسه برؤية زوجته قريبا وسماع صوتها وعودته إليها من جديد وكان قلبه يتقطع خوفا من أن تعجز زوجته على اللحاق به أو تضل الطريق، توقف أورفيوس ليسمع خطاها ولكنه لم يسمع شيئا، حاول أن يقنع نفسه أنها خلفه حتى لا يخالف الشرط وينظر خلفه.

أخذت أورفيوس اللهفة ونفد صبره والتفت لرؤية زوجته فرمقها بنظرة  كانت الأخيرة، حيث إنه أخل بالشرط، وقام هاديز بإرجاعها إلى عالم الموتى.

حزن أروفيوس وجلس دون طعام أو نوم يائسًا منهارًا بعدما فقد زوجته للمرة الثانية، وأخذ على نفسه عهدًا أن ينقطع عن النساء ويعتزلهن حتى يلحق بزوجته إلى العالم السفلي.

بيد أن رقة أورفيوس وجماله وعزفه الساحر جعلوه مطمعًا للنساء، ففي أحد الأيام بينما كان يعزف شاهدته نساء تابعات لديونيسوس (باخوس) ويطلق عليهن أحيانا اسم الباخيات نسبة إليه.

حاولن استمالته غير أنه لم يلتفت إليهن، فصرخن جميعا بصوت واحد: "الآن إذن خذ غضب اللواتي احتقرتهن".

وانهلن عليه ومزقنه بأيديهن قطعة قطعة ثم ألقوا برأسه وقيثارته في النهر.

مات "أورفيوس" وجرف النهر رأسه إلى شاطئ جزيرة ، حيث عثرت عليها إحدى ربات الإلهام وجمعت أطرافه ودفنتها قرب جبل الأوليمب.

رمزت قصة هبوط أورفيــوس إلى العالم السفلي إلى فكرة العاشق الذي يحاول استعادة حبيبته وتخليصها من براثن الهلاك لكنه يفقدها ويفقد ذاته في النهاية نتيجة حرصه المفرط.

أصبحت أسطورة أورفيوس إلهامًا لكثير من القصص القصائد والمسرحيات والمعزوفات الموسيقية.

هكذا كان للمرأة حضور قوي في الأساطير القديمة وانعكست قوتها في اللوحات الفنية منذ القدم حيث عرفت المرأة بكيدها وحضورها القوي وانتقامها الشديد.




اضف تعليق