المياه والأسمدة والوقود.. أزمات تحاصر الفلاح المصري


٠٩ سبتمبر ٢٠١٧ - ١٠:٢٨ ص بتوقيت جرينيتش

رؤية - عاطف عبد اللطيف

تعد الزراعة في مصر من أهم القطاعات الإنتاجية التي تعول عليها الدولة للنهوض من عثرتها الاقتصادية وطوق النجاة من الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد رغم أنها السبيل للخروج من مرحلة عنق الزجاجة، خاصة أن مصر في أساسها تعد بلدًا زراعيًا، وليس مقبولاً أن يتم استيراد 95% من الغذاء، في دولة تمتلك مئات الآلاف من الأفدنة الصالحة للاستزراع والتربة التي تقبل أغلبية المحاصيل والمناخ المعتدل الذي يؤهلها لإنبات وترعرع الحاصلات الزراعية الحيوية والهامة، واليوم نرى العديد من الأزمات التي يعاني منها الفلاح المصري، بعضها مشكلات أزلية، والأخرى مشكلات تفاقمت وازدادت عبر عقود من الزمان، وليست وليدة اللحظة، أبرزها الأسعار الجبرية التي تفرضها الحكومة على العديد من الحاصلات الاستراتيجية، خاصة القمح وقصب وبنجر السكر، دون النظر إلى مقتضيات السوق ووجوب أن تكون الأسعار استرشادية طبقًا للعرض والطلب ودون مراعاة فروق أسعار الأسمدة والبنزين والسولار وماكينات الري وقطع غيارها ومشكلات لا حصر لها تفاقمت عقب قرار تحرير سعر صرف الجنيه المصري ما أدى إلى غلاء كل المكونات التي تساعد على مزاولة حرفة الزراعة.

وفي يوم عيد الفلاح الذي يوافق 9 سبتمبر من كل عام، نعرض أهم المعطيات التي تشكل هواجس ومخاطر تعترض طريق انتعاش الزراعة في مصر والأزمات التي طفت على السطح وتؤرق حياة الفلاح المصري، أبرزها أزمات رفع الحكومة لأسعار طن السماد بواقع زيادة 900 جنيه للطن الواحد في الآونة الأخيرة، نتيجة لتحرير سعر صرف العملة المصرية "الجنيه" وارتفاع الدولار إلى مستويات غير مسبوقة مسجلاً 17 و18 و19 و20 جنيهًا مصريًا صعودًا وهبوطًا، وكذلك تحديد كميات الوقود التي يعتمد عليها الفلاح في تشغيل ماكينات الري الزراعية بالكروت الذكية، ومشاكل التأخر في تطهير الكثير من الترع والمصارف وردم بعضها في غفلة من وزارة الري والموارد المائية واعتماد الكثير من الحاصلات الزراعية على مياه الري الارتوازي التي يؤكد متخصصون أنها لا تكفي الأرض بخصائصها في الري، كما أنها تزيد تكلفة شراء السولار والبنزين وقطع الغيار على الفلاح، وهو ما فتح مجالاتٍ للتلاعب والغلاء وترعرع "السوق السوداء"، ناهيك عن أزمات افتقار الفلاحين للأمن الغذائي، وكونهم نهبًا للأمراض وتحديات الفقر والأسواق والغلاء.



الأسمدة

جاء قرار اللجنة التنسيقية للأسمدة التابعة لوزارة الزراعة في مصر، برفع سعر طن الأسمدة من 2000 جنيه إلى 2959.6 جنيه للطن الواحد من أسمدة اليوريا صادمًا، حيث وصل سعر الشيكارة الواحدة إلى ما يقرب من 150 جنيهًا بالجمعيات الزراعية، بينما كان سعرها لا يتجاوز أكثر من 100 جنيه، ليشكل كارثة حقيقية خنقت أنفاس المزارعين في صدروهم.

أتي ذلك في ظل اتجاه الدولة المصرية إلى رفع الدعم عن الكثير من القطاعات والمنتجات في مختلف المجالات الاقتصادية، خاصةً أن القرار قد يجبر الفلاحين على ترك أراضيهم بورًا وعدم زراعتها، بدلاً من عدم تقدير المحاصيل من جانب الحكومة خاصةً بنجر وقصب السكر والقمح وهي من المحاصيل الاستراتيجية، خاصة أن المحصول الأخير للقمح شهد تهديدات من قبل مزارعين بصعيد مصر باستبداله بزراعة الموز الذي شهد ارتفاعه هذا العام إلى 7 جنيهات للكيلو لدى المزارعين، القرار يهدد أيضًا بعدم زراعة محاصيل هامة تقوم على الأسمدة وأهمها البصل، كما اشتعلت أسعار الأسمدة في "السوق السوداء".



كروت "الوقود"

قرار تطبيق منظومة الكروت الذكية على الفلاح المصري- الذي أعلنت الحكومة عن تطبيقه في الفترة المقبلة- جاء بمثابة الصدمة التي ألمت بالزراعة والمزارعين، في ظل عدم وجود حصر دقيق للحيازات الزراعية ولا الميكنة الزراعية، التي على أساسها سيتم صرف المواد البترولية للفلاح، وكذلك وجود الكثير من الأراضي بلا حيازات وزراعتها بالإيجار.

وقال محمد برغش، وكيل مؤسسي حزب مصر الخضراء "تحت التأسيس"، إن قرار الكروت الذكية يعمل على زيادة خسائر الفلاح المصري التي تتزايد يومًا بعد الآخر نتيجة القرارات الخاطئة لوزارة الزراعة التي ستساعد على مزيد من الهجر للأراضي.



أسعار المحاصيل

نص الدستور المصري، على أنه لا أسعار جبرية على المحاصيل الزراعية، وأن تكون الأسعار استراشادية وفقًا للأسواق ونظام العرض والطلب، وبالرغم من ذلك شهدت الآونة الأخيرة شدا وجذبا وتوترا شديدا بين المزارعين والحكومة في تحديد أسعار المحاصيل الاستراتيجية وعلى رأسها القمح وقصب السكر والبنجر.

وما زالت الأزمات شديدة التعقيد قائمة في ظل عدم رفع أسعار توريده إلى المصانع بشكل يتناغم مع حجم النفقات للفدان، الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على رغبة الفلاحين في زراعة القصب والبنجر الموسم المقبل، وهددوا بزراعة محاصيل أخرى منها الموز واللجوء إلى زراعة الورد ونباتات الزينة.


مياه الري

لا تعاني مصر من أزمة في الري فقط ولكن في تنظيم الري ذاته، خاصة أن محاصيل زراعية أوشكت على الانقراض لحاجتها إلى كميات كبيرة من المياه، وفي ظل مخاطر مشروع "سد النهضة" الإثيوبي، والذي سيتسبب في انخفاض منسوب المياه في نهر النيل بنسبة 13 مليار قدم، وأن مصر تفقد 74 مليار قدم في البحر الأبيض المتوسط، و14 مليار في السقط الزراعي، ما يتطلب التوجه للاعتماد على مياه الأمطار وتحلية المياه دون الاعتماد على مياه النيل فقط.

فضلاً عن اعتماد الكثير من الأراضي الزراعية على مياه الصرف الصحي بالزمام الزراعي في الصعيد ومحافظتي القليوبية والجيزة، وهو ما يهدد الرقعة الزراعية في تلك المناطق بالتحجر والتجير، واللجوء إلى المياه الجوفية والآبار التي لا تكفي محاصيل القصب والبنجر والأرز.


الأمن الغذائي

الفلاحون هم أكثر فئة مهددة بالأمن الغذائي المصري، ويعاني 92.5% منهم من النقص الغذائي، رغم امتلاكهم بطاقات تموينية، فالكمية التموينية أقل من خمس احتياجات الأسرة، كما أن 50% منهم يعتمد على النكهات الطبيعية وليس الفاكهة الطبيعية و50% يعتمد على عظام اللحوم، وثلثهم أميون وربعهم يعانون الأمراض، كما أن الفلاح في ظل تهميشه وسوء حالته الاقتصادية بات يبحث عن نوعًا غذائيًا أقل تكلفة.

يأتي هذا في وقت يتلقى فيه الفلاح في أوروبا 200% دعمًا على الزراعة بخلاف دعم المحاصيل، ولا يحاسب على ضرائب أو جمارك على المنتج الزراعي، وعلى النقيض من ذلك يحاسب بنك الائتمان الزراعي في مصر الفلاح الذي يشتري ماشية على أنه مشروع استثماري ويفرض عليه فائدة عالية تصل إلى 5.5% سنويًا، وهو ما يجعله بنكًا تجاريًا وليس داعمًا للفلاح المصري.


الكلمات الدلالية الفلاح المصري

اضف تعليق