هل اصطدمت أسعار النفط بـ "سقف زجاجي"؟


١٠ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٢:٢٤ م بتوقيت جرينيتش

حسام عيد - محلل اقتصادي

على الرغم من الاضطرابات والتوترات الجيوسياسية التي يشهدها العالم مؤخرًا، مثل أزمة شبه الجزيرة الكورية والأعاصير التي تجتاح الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن أسعار النفط لا زالت تدور في فلك 50-53 دولارًا للبرميل ولم ترتفع كما توقع الكثيرون بل سجلت انخفاضات.

وسجلت أسعار النفط خلال شهر أغسطس الماضي سعرًا يتراوح ما بين 50 إلى 52.5 دولار للبرميل وهو مستوى يعد مرتفعًا بالقياس بأسعار ما قبل اتفاق تخفيضات إنتاج النفط بين دول أعضاء "أوبك" والمستقلون من خارجها.

ولا تزال السوق النفطية تصارع منذ 3 سنوات المخزونات النفطية العالية التي أخرت توازن السوق رغم تحسن ميزان العرض والطلب، وميل هذا العام في بعض الفترات إلى العجز بدلاً من الفائض.

ومن المتوقع أن تتوازن السوق في مطلع العام المقبل عندما ينتهي اتفاق "أوبك" والدول خارجها؛ إلا أن احتمالية التوازن في بداية 2018 لا تزال تحوطها بعض الشكوك، خصوصاً مع زيادة الإنتاج من خارج "أوبك".

الأعاصير تهوى بالنفط

عادة ما تتسبب العوامل الجيوسياسية وأيضا الكوارث الطبيعية في اشتعال أسعار النفط، ولكن إعصاري هارفي وإرما تسببا على العكس في خسائر فادحة في الأسعار بلغت 3% خلال الأسبوع الماضي، بسبب تعطل مصافي النفط الذي أدى إلى تراجع واسع في مستوى الطلب على النفط، إلى جانب عوامل نفسية أخرى تسببت في التخوف من النفط واللجوء للاستثمار في الذهب كملاذ آمن مما رفع أسعار الذهب بشكل كبير.

وحذرت وكالة الطوارئ الفدرالية من التداعيات السلبية لإعصار "إرما" على أنشطة مصافي التكرير.

وكشفت بيانات "بيكر هيوز" للخدمات النفطية عن انخفاض عدد منصات التنقيب عن النفط في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الجاري بمقدار ثلاث منصات لتصل إلى 756 منصة.

أزمة شبه الجزيرة الكورية

حذرت المجموعة العالمية لأبحاث واستشارات الطاقة "وود ماكينزي" في أغسطس الماضي، من تعطل ثلث حركة تجارة النفط الخام العالمية جراء الصراع العسكري المحتمل نشوبه في آسيا، نتيجة تزايد التوتر بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة وحلفائها.

وقالت: إن مثل هذا الصراع سيشل الطاقة الإنتاجية والتكريرية في شمال آسيا، مشيرة إلى تركز 65% من القدرة التكريرية لآسيا في الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وبالتالي فإن آثار الحرب المفتوحة ربما تكون طويلة الأمد.

وبحسب تقرير صادرة عن نشرة "أويل بريس" الأمريكية، يبدو أن بيونج يانج عقدت العزم على توسيع منصتها للصواريخ العابرة للقارات القادرة على حمل رؤوس نووية، وربما يكون ذلك مؤشرا قويا على قرب نشوب حرب نووية في المنطقة.

أسعار النفط بين 50 و55 دولارًا

رغمًا عن كل الجهود التي تقوم بها منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" وبعض كبار المنتجين المستقلين من خارج المنظمة لإعادة توازن السوق ودعم الأسعار، فإن أسعار النفط يبدو أنها اصطدمت بـ"سقف زجاجي" وقد لا تتجاوز 60 دولارًا بحلول عام 2020.

ولا يزال بعض المتفائلين والذين تمسكوا بتفاؤلهم خلال السنوات الثلاث الماضية، يتوقعون عودة الأسعار وارتفاعها إلى 70 أو 80 دولارًا في عام 2020.

السبب في ذلك يعود إلى توقعهم بعدم قدرة الولايات المتحدة على زيادة إنتاجها، مما يعني أن كمية الزيادة في الطلب على النفط في السنين المقبلة ستتجاوز الزيادة في المعروض.

قد يكون هذا الأمر مقبولاً في السنوات ما بعد 2020، لأن سنة 2020 هي السنة التي تتوقع فيها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية للإنتاج الأمريكي أن يصل إلى ذروته.

لكن أسعار النفط ليس من المتوقع لها أن تنمو وتزيد خلال السنوات الثلاث المقبلة حتى 2020.

فيما توقع بعض وزراء "أوبك" أن ترتفع الأسعار مستقبلاً مع تراجع الاستثمارات في إنتاج النفط، مع بقاء الأسعار كما هي عليه الآن.
لكن الواقع قد لا يكون مثل ما يتصوره بعض هؤلاء الوزراء؛ وإن كانت كل الاحتمالات قائمة حتى الآن بصعود الأسعار أو بقائها كما هي عليه.

من جانبه، توقع وزير النفط الكويتي عصام المرزوق أن تستمر أسعار النفط بين 50 و55 دولارًا لبرميل خام برنت المرجعي، وأن السوق ستستعيد توازنها بحلول نهاية العام.

ورجح الوزير أن يتم "بلوغ نقطة التعادل بين العرض والطلب بنهاية 2017، بعد سنوات من الفائض في العرض التي أدت إلى انهيار الاسعار".

ويدعم فرضية بعض وزراء "أوبك" توقعات وكالة الطاقة الدولية هذا العام، حيث قالت إن إمدادات النفط العالمية ربما تجد صعوبة في مواكبة الطلب بعد عام 2020، مع ظهور أثر عامين من نقص استثمارات زيادة الإنتاج، حيث قد تتراجع الطاقة الفائضة لأدنى مستوياتها في 14 عاما مما قد يدفع الأسعار إلى ارتفاع حاد.

اليوان يقود الأسعار إلى 70 دولارًا

توجه الصين لتغيير عقودها الآجلة للنفط، ليكون باليوان الصيني بدلاً من الدولار الأمريكي، مع ربط اليوان بأسعار الذهب العالمية، في بداية 2018، ستكون له انعكاسات قوية على أسعار النفط التي قد تلامس الـ70 دولارا مع بداية تطبيق تلك العقود، وكذلك أسعار الذهب العالمية.

هذه الخطوة تعتبر تغييرا جذريا في قواعد الاقتصاد العالمي وستؤثر في انخفاض جاذبية الدولار نسبياً، كعملة أو كوعاء استثماري، ما يضغط على الفوائد المصرفية صعوداً وزيادة تكلفة الاقتراض في أمريكا، وهذا يمكن أن تكون له بعض العواقب السلبية على تكلفة الإقراض الأمريكي، سواءً الحكومي أو الخاص، الأمر الذي سينعكس سلبياً على الاستهلاك وعلى قطاعات اقتصادية متعددة، مثل قطاع الخدمات.

ومن المتوقع أن تصل أسعار النفط مع بداية تطبيق العقود إلى مستويات عادلة تصل إلى 70 دولارا للبرميل، إلا أنها ستتسبب كذلك في ارتفاع أسعار الذهب لتتجاوز 1850 دولارا للأونصة، أي بزيادة 500 دولار عن سعر اليوم البالغ 1350 دولارا، وهو سعر غير منطقي، ما يضر بالأسواق العالمية ويتسبب في خسارة الدول المستثمرة في الذهب.


اضف تعليق