اعتقالات "جمهورييت".. انقلاب أردوغاني على الحريات


١٣ سبتمبر ٢٠١٧ - ١٠:٥١ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت – دعاء عبدالنبي

شهدت الصحافة التركية حملات مُنظمة لتكميم كل من يوجه انتقاداته للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو ما كشفته الحملة التي قادها ضد صحيفة "جمهورييت" العلمانية التي باتت محاكمة صحفييها دليلًا على تراجع الحريات، مستغلًا محاولة الانقلاب الفاشلة للسيطرة على الإعلام واستهداف العديد من الصحفيين الأتراك والأجانب حتى باتت تركيا أكبر معتقل لقمع الحريات في عهد أردوغان.

ماذا فعلت صحيفة جمهورييت؟

صحيفة "جمهورييت" التركية، تعد من أقدم الصحف العلمانية تأسست عام 1924، أثارت أخبارها استياء النظام الحاكم في تركيا.

في 2014،  تعرضت لحملة منظمة من قبل السلطات بعدما فضحت تورط المخابرات التركية في إرسال شاحنات أسلحة للتنظيمات الإرهابية في سوريا فتم توقيف الصحيفة ورئيس تحريرها السابق جان دوندار.

ومنذ أكتوبر الماضي وحتى الآن قامت السلطات التركية باعتقال 17 مديرًا وصحفيًا في صحيفة "جمهورييت"، بموجب حالة الطوارئ التي فُرضَت بعد الانقلاب الفاشل في 15 يوليو 2016، والتي وصفها مراقبون بأنها مصطنعة لتمرير القرارات الأردوغانية .

وتضمنت أسماء المتهمين، كاتب العمود قدري جورسيل، والصحفي أحمد شيك ورسام الكاريكاتير موسى كارت، وصاحب الصحيفة أكين أتالاي ورئيس تحريرها مراد سابونجو، فضلا عن 11 من المتهمين قيد الاعتقال الاحتياطي منذ نحو 9 أشهر.

ويواجه المعتقلون بالصحيفة اتهامات بدعم حزب العمال الكردستاني وحزب التحرير الشعبي الثوري ، إضافة لحركة غولن التي تسميها أنقرة "منظمة فتح الله الإرهابية"، فيما اعتبر أنصار الصحيفة أن الاتهامات الموجهة ضد العاملين فيها تهدف فقط إلى تكميم أفواههم وتضييق الخناق عليهم.

وتخشى الأوساط المعارضة في تركيا من استغلال السلطات لحالة الطوارئ لملاحقة كل من يتحدى نظام أردوغان، وفي حال تمت إدانتهم، فقد يواجه المتهمون السجن لمدد قد تصل إلى 43 عامًا.

محاكمات عبثية

ينظر كثيرون لمحاكمة صحفيي"جمهورييت" على أنها اختبار لحرية الصحافة في تركيا، التي حلت في المرتبة الـ 155 في آخر مؤشر لمنظمة "مراسلون بلا حدود" لعام 2017، أي بعد بيلاروسيا وجمهورية الكونغو الديموقراطية.

وخلال جلسة محاكمته، قال الصحفي البارز قدري غورسيل للقاضي: "سأكون راضيًا مهما كان الحكم، وإن كان شيء من العدالة ما زال موجودًا في بلدنا في هذه الأيام التي يُداس فيها العدل بالأقدام، أعرف حينها أنني سأخرج.

وكتبت الصحفية أصلي إيدينتاشباش أن "محاكمة جمهورييت التي تشكل رمزًا لعصرنا، ستبقى في التاريخ على أنها الصورة الأكثر حقيقة وعبثية لانهيار المؤسسات ومشكلة القضاء".

أما النائب عن حزب الشعب الجمهوري باريس ياركداش فقد هاجم حزب العدالة والتنمية الحاكم. وقال: "إنهم يريدون حبس تركيا في نفق مظلم ولا نعرف متى سنرى النور في نهاية هذا النفق".

من جانبه، اعتبر أمين عام منظمة مراسلون بلا حدود كريستوف دلوار أن "الصحافة التركية بأسرها وليست فقط "جمهورييت" هي التي تحاكم"، معتبرًا تلك المحاكمة بمثابة سخرية من العدالة.

وفي آخر جلسات محاكمة صحفيي "جمهورييت"، التي انعقدت، أول أمس الإثنين، أصدر القضاء قراره باستمرار توقيفهم لحين النظر مجددًا في جلسة الاستماع المقررة 25 سبتمبر المقبل، ورفضت التماسًا بالإفراج عنهم خلال إجراءات محاكمتهم .

اعتقالات "جمهورييت" ليست وحدها، فهناك ما يقرب من 166 صحفيًا محتجزًا داخل السجون التركية ، اعتقل معظمهم في ظل حالة الطوارئ ، وهو ما ذكرته مجموعة "بي 24" لحرية الصحافة.

بدوره، اعتبر رئيس منظمة "مراسلون بلا حدود" بيار هاسكي، أن محاكمة صحفيي "جمهورييت" التي بدأت "تختصر كل ما يجري في تركيا التي باتت أكبر سجن للصحفيين في العالم".

تركيا.. معتقل الصحفيين

تعد تركيا من أكثر الدول التي تضع قوانين صارمة للهيمنة على قطاع الإعلام والصحافة ومجابهة أي أقلام تقف بوجه النظام تحت رئاسة "رجب طيب أردوغان"، وحتى لو كانت على سبيل الدعابة كما حدث مع صحفي اعتقل العام الماضي وحكم عليه بالسجن سنتين ونصف لأنه ضغط "لايك" على منشور كان يحوي انتقادات لأردوغان، بحسب صحيفة "لوبوا الفرنسية".

ومنذ 2013، تشهد تركيا حالة من الاعتقالات والتضييق على الصحفيين سواء كانوا أتراك أو أجانب، كما حدث عندما قامت السلطات التركية بتوقيف الصحفي الألماني "فولكر شونيك" ومنعت دخوله من أجل العمل في قناة "ARD" التركية، إضافة إلى توقيف الصحفي الفرنسي "لو بورو" بتهم ارتباطه بميلشيا كردية تصنفها أنقرة تنظيمًا إرهابياً.

ومن ضمن الحالات أيضًا، اعتقال الصحفية الهولندية" أوبرو عمر ليل" بسبب تغريدة انتقدت فيها الرئيس التركي، وكذلك طرد مصور صحيفة "بيلد الألمانية"، فضلًا عن ملاحقة الإعلامي الألماني الساخر "يان بويمرمان" بسبب قصيدته التي سخر فيها من أردوغان في برنامجه الساخر.

وبحسب القانون الألماني، فإن قيام شخص بإهانة رئيس دولة أخرى، تعتبر جنحة وتصل عقوبتها إلى السجن 3 سنوات، وقد يلقى الساخر الهولندي هانز تيوين نفس المصير بسبب سخريته من أردوغان.

وتحت اسم "إهانة أردوغان"، هناك أكثر من 2000 دعوى قضائية مرفوعة ضد صحفيين وإعلاميين أجانب ، وجميعها تقود إلى السجن.

ومؤخرًا، دعا رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ، تركيا إلى الإفراج عن الصحفيين المسجونين لديها و"الكف عن إهانة" القادة الأوروبيين، والتي قد تؤثر بدورها على مساعي تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي.

يمكن القول أن حرية التعبير وحرية الصحافة في عهد أردوغان بدأت تتلاشى بشكل ملحوظ ، ففي عهده تمت مصادرة صحف وقنوات تليفزيونية، واعتقل عدد كبير من الصحفيين، وأغلق موقع "تويتر" للتواصل الاجتماعي، وألقي القبض على المتظاهرين والمحتجين على إدارته وفُرضت الحراسة القضائية على صحيفة "زمان" المعارضة له.. إجراءات قمعية متعددة طالت صحفيين ومؤسسات والتهمة واحدة انتقاد نظام أردوغان ومعارضته... فهل حانت نهاية حرية الصحافة في تركيا؟




اضف تعليق