يوتوبيا "طه عبدالرحمن" لعالم بلا عنف


١٨ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٩:٠٦ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - علياء عصام الدين

إن شئنا أن نحلل أحداث العنف الدامية التي يشهدها العالم "فلسفيًا" لابد أن نرتمي في أحضان التفكير السيكولوجي والفلسفي لطبيعة العمل الإرهابي القائم على التطرف والجمود الفكري.

فأصحاب الامتداد الزمني الضيق من الدوجماطيقيين المتطرفين يشاهدون العالم من منظور الشقاء والتعاسة، فلا يترددون في إتعاس من حولهم، فهم لا يرون سبيلًا لتحقيق التقدم إلا بالعودة إلى الماضي، ويسعون لفرضه بالقوة لنشر مبادئ يؤمنون بها ليصبح الجمود الفكري هو الأصل لكل حركات التطرف والإرهاب.

ويصبح التفلسف أكثر شقاءً في ظل المآسي التي باتت الأصولية تضعنا في مواجهتها وجهًا لوجه.

فالدور الذي تلعبه الفلسفة في الحفر المعرفي لمعرفة الأصول وإيجاد الحلول للمشكلات الفلسفية المُلِحّة بات يتلخص في زمن الإرهاب بمواجهة العنف ودوافعه ومقدماته الفكرية، وبذلك تفقد الفلسفة دورها كليًّا بشكل تدريجي.

على مر التاريخ الفلسفي، كانت فكرة "التسامح" وقبول الآخر والحوار هو أحد مقومات التفلسف؛ فالأخذ بمبدأ نسبية الحقيقة وقابلية الخطأ والاعتراف بالاختلاف ومشروعيته، هي إضاءات تجسد الدور الرئيسي للفلسفة في كل العصور والأزمان.

في محاورات أفلاطون، تم ترسيخ الجانب المرن من الفكر الفلسفي، والتي جسدتها مقولة سقراط: “إنني أعرف أنني لا أكاد أعرف شيئًا، وحتى هذا أكاد لا أعرفه”، مرورًا بقول فولتير: “إننا جميعًا من نتاج الضعف؛ لذا دعونا يسامح بعضنا بعضا ونتسامح مع جنون بعضنا بشكل متبادل”.

ولكن السؤال الملح: هل يجوز التسامح مع جنون بعضنا بعضًا، في ظل تصاعد وتيرة العنف والإرهاب؟ أم أن هذا الإرهاب كان وليد تخلي الفلسفة في الأساس عن دورها  الأصيل؟

هل أخفق الغرب في إيجاد منهج حقيقي للتواصل والإصغاء لجنون الآخر؟ وكسب الخصوم والأنداد، أو حتى محاولة احتواء الإرهاب والسيطرة عليه بالفكر، وهل أعطى أفكار فلاسفة أمثال يورجن هابرماس حقهم من الدراسة؟ وهل تغاضى عن أفكار ميشيل فوكو حول مفهوم السلطة؟ وأفكار حنا أرندت حول التفاعل والتواصل في مقابل تبني أفكار ميكافيللي وهوبز حول الفعالية والاستمرارية؟ فأسس لدولة قاهرة ومستبدة لإيقاف الحرب، ولضمان الحياة واستمرارية المجتمع، الأمر الذي ولّد مزيدًا من العنف؟

هل تخلت الفلسفة عن ممارسة النقد، وتحولت إلى إيديولوجيا أحلت المطلق محل النسبية لتتحول من البحث عن الحقيقة إلى تقريرها؛ ليزول بذلك التسامح وينشأ اللاتسامح والتعصب والعنف في السلوك؟

إن تطور آليات الإرهاب بسرعة ودموية وبشكل مغاير، إنما يؤكد أن الآلة الإرهابية قد أضحت أخطبوطًا ينسج شبكته العنقودية ليصبح عابرًا للقارات لا يعترف بجنسيات أو ديانات، ليستوجب في هذه الحالة التخلي عن التفلسف وضرب الإرهاب في معاقله وتفكيك منظوماته العابثة بأمن العالم بأسره.

اعتبرت الفلسفة السياسية الكلاسيكية أن العنف ضمن المساوئ التي يجترها الواقع الإنساني، وسَعَت إلى تجاوزه بطرق متعددة بالعقل تارة وباليوتوبيا, أو بهما معًا, أو انقادت إلى الرضوخ والاستسلام له لما اعتبرته محايثا للوجود البشري.

فهل نجحت الفلسفة في مواجهة الظاهرة أم اكتفت بتحليلها، لقد اهتمت الفلسفة بمعرفة مدى تأثير العنف على الإنسان والمجتمع، ولكن السؤال المُلحّ: كيف يمكن تفسير العنف عندما يصل إلى أقصاه ليكون شرًّا راديكاليًّا محضًا، كما وصفته "حنا أراندت"، والذي يدفعنا بالتالي للوقوف أمام الإبادة والتقتيل الجماعي وقفة ميكافيللي وهوبز من جديد لنجد أنفسنا في عالم يثير الغثيان، وجحيم هو الآخر -على حد تعبير- جان بول سارتر.

هل رسّخت فلسفات الغرب ذاتها لفكرة العنف؟ لقد وعد المشروع الحديث -الذي ظهر في القرن السابع عشر- الإنسانية بالسيطرة على الطبيعة وتحقيق السعادة للإنسان، ولكنه انتهى بإفراز حركات احتلالية، رأت فيها دول العالم المحتل كل أنواع الشرور، وأنتج المشروع الحديث حربين عالميتين وحروبا عرقية وإثنية، وأدى إلى صعود الحركات الفاشية والنازية، لينتهي بنا في عالم مرعب يواجه الوحش الإرهابي الرابض في جسد العالم.




الفيلسوف المتصوف

طه عبد الرحمن فيلسوف معاصر تخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق وهو مغربي الأصل من مواليد 1944.

يعد طه أحد أبرز الفلاسفة والمفكرين في العالم الإسلامي منذ سبعينات القرن الماضي.

تلقى دراسته الابتدائية في مدينة "الجديدة"، وتابع دراسته الإعدادية بالدار البيضاء، ثم بجامعة محمد الخامس بالرباط حيث نال إجازة في الفلسفة.

حصل على إجازة ثانية في الفلسفة ودكتوراه السلك الثالث عام 1972 في موضوع " اللغة والفلسفة: رسالة في البنيات اللغوية لمبحث الوجود من جامعة السوربون بفرنسا.

حصل على دكتوراه الدولة عام 1985 عن أطروحته "رسالة في الاستدلال الحِجَاجي والطبيعي ونماذجه".

وطه عضو في "الجمعية العالمية للدراسات الحِجَاجية" وممثلها في المغرب، وعضو في "المركز الأوروبي للحِجَاج"، وهو رئيس "منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين" بالمغرب.

حصل على جائزة المغرب للكتاب مرتين، ثم على جائزة الإسيسكو في الفكر الإسلامي والفلسفة عام 2006.

تتميز ممارسته الفلسفية بالجمع بين "التحليل المنطقي" و"التشقيق اللغوي" والارتكاز إلى إمدادات التجربة الصوفية، وذلك في إطار العمل على تقديم مفاهيم متصلة بالتراث الإسلامي ومستندة إلى أهم مكتسبات الفكر الغربي المعاصر على مستوى "نظريات الخطاب" و"المنطق الحجاجي" و"فلسفة الأخلاق"، الأمر الذي جعله يأتي بطريقة في التفلسف يغلب عليها التوجه "التداولي" و"الأخلاقي".

ولقب طه عبد الرحمن بعدة ألقاب منها "فقيه الفلسفة" و"الفيلسوف المتصوف" وله عدة مؤلفات منها "العمل الديني وتجديد العقل"، "من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر"، "دين الحياء.. من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني"، و"بؤس الدهرانية.. النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين"، "سؤال العمل بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم" وغيرها .

يوتوبيا العالم الهابيلي


"حيثما وجد العنف فلا دليل، وحيثما وجد الدليل فلا عنف" وكذلك أنه "حيثما وُجد العنف فلا حوار، وحيثما وُجد الحوار فلا عنف"، تلك هي المسلمات التى انطلق منها طه عبد الرحمن في تحليل ظاهرة الإرهاب ومرتكبها.

في آخر كتبه الصادر مؤخرًا عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع تحت عنوان" سؤال العنف -بين الائتمانية و الحوارية" وفي عالم يعج "بالانقتال"، وهو مصطلح استبدله طه عبد الرحمن بالإرهاب: يصحبنا الفيلسوف في جولة داخل شخصية "العنيف" لنتعرف على تركيبته الاعتقادية والخلقية والنفسية.

يتخيل عبد الرحمن عالمًا مثاليًا لا عنف فيه ويستخدم في ذلك مفاهيم من روح الثقافة الإسلامية والتجربة الإنسانية.

ويطلق فيلسوفنا على هذا العالم المثالي، الذي يخلو من العنف، اسم "العالم الهابيلي" نسبة إلى هابيل، الابن الثاني لآدم عليه السلام، أما العالم الواقعي الذي يعج بالعنف فيصفه بـ"العالم القابيلي".

يرى عبد الرحمن أن أبرز أسباب انتشار ظاهرة العنف هي فقدان الحوار والأخلاق على السواء، وهذا الفقدان يجعلنا نواجه أبشع صور العنف.

حب التسلط قد استبد بالبشر حتى أضحى مشهد فتك المسلم بأخيه المسلم مشهدًا عاديًا.

وتساءل الفيلسوف عن السبيل للخروج من هذا التسلط والابتعاد عن شرور العنف؟ وسارع إلى الإجابة بأن "من يقرأ التاريخ لا يمكن إلا أن يجيب بالنفي، فالتسلط قائم في البشر منذ أن تسلط قابيل على هابيل فسفك دمه بغير حق".

لكن من ينظر إلى الإمكانات يحيل أي شيء حتى ولو أثبت التاريخ استحالته فقدرة الإنسان أوسع من التاريخ.

والشخص العنيف عند طه عبد الرحمن هو الأسوأ بين البشر على الإطلاق ولا ينازعه أحد في شره فهو يحمل وزرَ وصفات العالم القابيلي ضد أخيه من العالم الهابيلي.

بين "العنف" و"القوة"




ويعتبر "الفكر الائتماني"، الذي نظّر له عبد الرحمن، أن العنف صفة بشرية تخص الإنسان وهي وصف أخلاقي لا يقوم به الحيوان على الرغم من توحشه ولا الطبيعة حتى مع قوتها التدميرية الكبيرة.

ويفرق عبد الرحمن بين مفهومي القوة والعنف ويرى أن مصطلح العنف يحمل معنى أخلاقيًا في حين أن مصطلح القوة لا يحمل معنى أخلاقيًا وقد يحمل معنى إيجابيًا.

وبالتالي مهما أضيف لكلمة العنف كلمات لتجعلها مشروعة فهي لن تقبلها بأي شكل من الأشكال.

فتعبير "العنف المشروع" تعبير متناقض وكأننا نقول "الشر المشروع" ولا يمكن للشر أن يكون مشروعًا بأي حال من الأحوال.

وعليه يرى أن استخدام مصطلح "العنف" في حق الدولة ضرره أكبر من نفعه ويرى أن استخدام مصطلح "القوة" مع الدول أكثر موضوعية، فسلطة الدولة تكون قوة متى التزمت بصراط العدل وتكون عنفًا متى حادت عنه.

وفي النظرية الائتمانية يدافع طه عبد الرحمن عن كون العنف مراتب مختلفة، فليس الفعل فقط هو العنيف بل إن القول أيضًا بما له من قوة تغييرية وتأثير حقيقي يكون بمنزلة الإرهاب الفعلي، ويرى أن هذا هو الحال مع هؤلاء المتطرفين المسعورين الذين أطلقوا حملاتهم ضد الدين الإسلامي وطعنوا في العقيدة وشككوا في رسالة الرسول الكريم وشوهوا التاريخ، غير أنهم يزعمون أنهم لا يمارسون إلا حريتهم في التعبير.

بين نموذجين "الأمري" و"الشاهدي"



ويمكن اعتبار كتاب طع عبد الرحمن الأخير متخصص في موضوع "العنف"، فيه وضح طه عبد الرحمن مفهوم العنف، وفرّق بينه وبين القوة، وميّز بين عنف الفرد وعنف السلطة، وحلل شخصية العنيف بناءً على النموذج الائتماني الذي يدخل فيه تجاوزات العنيف ضد الإنسانية من جانب وتجاوزاته ضد الذات الإلهية من جانب آخر.

يقسم طه عبد الرحمن العالم إلى "ملك وملكوت"، ويفرق ما بين "النموذج الأمري" السائد المتفرع عنه "الفقه الأمري" الذي ينظر للدين باعتباره أوامر ونواهي ويتجاهل ما وراءها، وبين "النموذج الشاهدي" الأخلاقي الذي يدعو له.

ويرى، أن "النموذج الأمري" في الفقه هو الذي أدى إلى ظهور "العنيف" إلى جانب عوامل أخرى.

يدعو عبد الرحمن إلى استبدال النموذج الأمري بما أطلق عليه "النموذج الشاهدي" الذي يراعي القيم الأخلاقية ولا يتعاطى مع الدين باعتباره أوامر ونواهي مجردة  ويقدم رؤية لعلاج العنف، قائمة على الحوار مع العنيف، وترسيخ قيم أخلاقية، تعالج قابليته للعنف.

يحلل طه عبد الرحمن المشهد الديني الذي يؤدي إلى غرس القابلية للعنف، ويرى أن العنيف "متجبر" ، وأنه يأتي من الأفعال ما يوقعه في نسبة الكمالات الإلهية إلى نفسه؛ ذلك أنه يتماهى مع معتقداته واجتهاداته "الشاذّة"، فيؤمن بأنه يمثل في الناس إرادة الله".

أما مظاهر هذا "التجبّر"، فيراها في ظهور رغبة كبيرة عند العنيف بالسيادة وقيادة الآخرين والتكفير والتقتيل والتعذيب، ولا يوجد ما هو أقرب شبهًا من هذا التحليل لمظاهر التجبر من تلك المقاطع المصورة التي ينفذها تنظيم داعش وفيها إعدامات تجمع بين التسيد والتكفير والتقتيل والتعذيب.

يرى طه عبد الرحمن أن التشدد الديني وما ينتج عنه من إيذاء ناتج عن أمرين "فساد فهم النص" و"فساد فهم الواقع"، فالعنيف حسب طه قد تعامى عن مقاصد الشرع وأسراره.





اضف تعليق