الذكرى الـ17 لاندلاع انتفاضة الأقصى


٢٨ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٨:٣٢ ص بتوقيت جرينيتش

كتب - محمد عبد الكريم
 
القدس المحتلة - لم يكن تدنيس أرئيل شارون رئيس وزراء كيان الاحتلال الصهيوني في مثل هذا اليوم من العام 2000، لساحات المسجد الأقصى المبارك سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، فكانت الأجواء ملبدة بانتهاكات وجرائم إسرائيلية، فاض بها صبر الشعب الفلسطيني بانتفاضة هي الأقسى بتاريخ نضال الفلسطيني.
 
4412 شهيدا فلسطينيا وأكثر من 48322 جريحًا فلسطينيًا، مقابل 334 قتيلًا من جيش الاحتلال الإسرائيلي و735 قتيل من المستوطنين إضافة لـ 4500 جريح صهيوني وتعطيل 50 دبابة من نوع ميركافا وتدمير عدد من الجيبات العسكرية والمدرعات، سبقها سنوات طويلة من محاولات تسوية سلمية تضمن للشعب الفلسطيني اقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 كما نص اتفاق اوسلو للسلام، وتنكر اسرائيل لتعهداتها بإقامة الدولة الفلسطينية عام 1999 بحسب اتفاق أوسلو.
 
وفي محاولة أخيرة من الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون، لإحياء السلام ومحاولة إقناع إسرائيل بإحلاله على الأرض كما اتفق على الورق، وبعد أسبوعين من المفاوضات التي عقدت في منتجع "كامب ديفيد، وبمشاركة الرئيس الفلسطيني الشهيد الراحل ياسر عرفات، ورئيس وزراء الاحتلال الأسبق إيهود باراك، وفي تموز من العام 2000 وبعد عدم التوصل إلى حل سلمي في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، اندلعت "انتفاضة الأقصى".
 
وبسنين عجاف حبلى بالاغتيالات للكوادر والقيادات الفلسطينية، والاعتقالات والاجتياحات للمدن والبلدات، ورفض الإفراج عن الأسرى، واستمرار، تفجر الغضب والاحتقان السياسي في المسجد الأقصى الذي اقتحمه شارون فاندلعت المواجهات بين المصليين وجنود الاحتلال في ساحات المسجد الأقصى أسفرت عن إصابة 25 عنصرا من قوات الاحتلال وشرطته، بعد قذفهم بالحجارة وعلب النفايات والأحذية من قبل الشبان الذين أصيب منهم نحو 20 شابا بجروح مختلفة.
 
وشهد اليوم الثاني، الجمعة 29 أيلول، مواجهات أكثر عنفا، بعد انتهاء صلاة الظهر، أسفرت عن استشهاد ستة شبان و300 جريح، والشهداء هم: أسامة جدة من القدس، وبلال عفانة من أبو ديس، وحمد فراح من أم الفحم، ويحيى فرج من بيت صفافا، وهيثم عويضة من القدس، أما الشهيد السادس فظل مجهول الهوية حتى اليوم التالي.
 
السبت، 30 أيلول، وهو اليوم الثالث للأحداث، عم إضراب شامل وحداد عام، واتسعت رقعة المواجهات لتشمل كافة المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، مما أسفر عن استشهاد 13 مواطنا وإصابة 623، وكان من بين الشهداء الطفل محمد جمال الدرة بعد أن حاصرته النيران الإسرائيلية بين يدي أبيه وأمام كاميرات التلفاز، فهزت صورته ضمائر البشر في كل أرجاء المعمورة وصار بذلك رمزا للانتفاضة الفلسطينية في كل مكان.
 
وفي اليوم التالي، الأحد، الأول من تشرين الأول، استشهد عشرة مواطنين واصيب 227 آخرين، واستخدم الاحتلال في تلك المواجهات المروحيات وصواريخ اللاو. وخرجت أولى المظاهرات المساندة للشعب الفلسطيني في تصديه لقوات الاحتلال، ورفضه المساس بمقدساته الاسلامية، فكانت مظاهرة مخيم عين الحلوة، تلاها مظاهرة حاشدة في مخيم اليرموك القريب من دمشق، لتمتد لاحقا إلى معظم العواصم والمدن العربية والإسلامية والغربية، حيث شهد بعضها مسيرات مليونية، وبدأت حملات تبرعات ضخمة عبر شاشات التلفزة العربية، حيث تم تخصيص أيام مفتوحة للتبرع لصالح الانتفاضة، وخرج عشرات الجرحى للعلاج في المستشفيات العربية.
 
وفي ذات اليوم الأول من أكتوبر/ تشرين أول، امتدت المواجهات داخل "الخط الأخضر"، حيث نفذ الفلسطينيون هناك إضرابا شاملا وقاموا بالاحتجاج والاشتباك مع وحدات الشرطة الإسرائيلية التي اعتقلت 18 من المشاركين وقتلت عمر أحمد جبارين (21 عاما) قرب أم الفحم، ليكون شهيد الانتفاضة الأول في الداخل المحتل، وأصابت سبعة متظاهرين بالرصاص الحي، وثلاثة وخمسين بالطلقات المطاطية. وبعدها بعدة أيام استشهد نحو 13 مواطنا من الداخل المحتل خلال مواجهات مع شرطة الاحتلال في عدد من البلدات والمدن العربية، في أوسع مشاركة لفلسطينيي الداخل في التصدي للاحتلال.
 
وفي اليوم الخامس للانتفاضة، الإثنين الثاني من تشرين الأول، استشهد ثمانية مواطنين في مواجهات في الداخل المحتل، وفي يوم الثلاثاء، سادس أيام الانتفاضة، استشهد 9 مواطنين في الضفة وغزة وكفر مندا.
 
في الثاني عشر من أكتوبر/ تشرين أول قتل جنديان إسرائيليان بعد أن دخلا بطريق الخطأ إلى مدينة رام الله، بأيدي الشبان الغاضبين، وردت إسرائيل بشن هجمات صاروخية بالطائرات العمودية على بعض مقار السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
 
في 15/10، وبحلول اليوم الثامن عشر للانتفاضة استشهد الشاب رائد حمودة متأثرا بجروحه، مسجلا الرقم 100 في سجل شهداء الانتفاضة.
 
وتعرضت مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الانتفاضة لاجتياحات عسكرية وتدمير آلاف المنازل والبيوت، وكذا تجريف آلاف الدونمات الزراعية،  وعمل شارون على اغتيال أكبر عدد من قيادات الصف الأول بالأحزاب السياسية والحركات العسكرية الفلسطينية، في محاولة لإخماد الانتفاضة، ولإضعاف فصائل المقاومة وإرباكها، وفي مقدمتهم مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين، وعدد من كبار مؤسسي الحركة، وأبو علي مصطفى (مصطفى الزبري)، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
 
وشهدت الانتفاضة الثانية تطورا في أدوات المقاومة الفلسطينية، مقارنة بالانتفاضة الأولى التي كان أبرز أدواتها الحجارة والزجاجات الحارقة.
 
وعملت الفصائل الفلسطينية على تطوير أجنحتها العسكرية، وخاصة كتائب القسام الجناح المسلح لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، التي توسعت بشكل كبير، عُدّة وعتاداً، وباتت تمتلك صواريخ تضرب بها المدن والبلدات الإسرائيلية.
 
وكانت مستوطنة "سديروت"، جنوبي إسرائيل، على موعد مع تلقي أول صاروخ فلسطيني محلي الصنع، أطلقته كتائب القسام، بعد عام من انطلاق انتفاضة الأقصى يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول 2001، لتطور الكتائب بعد ذلك وعلى نحو متسارع من قدراتها في تصنيع الصواريخ.
 
وفي السابع عشر من تشرين أول/ أكتوبر اتفق ياسر عرفات وباراك على وقف إطلاق النار وسحب القوات الإسرائيلية، وذلك خلال قمة عقدت في منتجع شرم الشيخ المصري بإشراف كلينتون. ولكن استشهاد تسعة مواطنين وجرح أكثر من مائة آخرين في مواجهات عنيفة في الحادي والعشرين من أكتوبر/ تشرين أول جدّد المواجهات التي ازدادت وتيرتها كما ونوعا بانفجار سيارة مفخخة في أحد أسواق مدينة القدس في 2/11 مما أدى إلى مقتل عدة إسرائيليين.
 
الاحتلال من ناحيته صعد في نوعية المواجهة، فقتلت طائراته الناشط البارز في حركة فتح حسين عبيات، وذلك بتاريخ التاسع من تشرين الثاني، بعد قصف سيارته بالصواريخ في مدينة بيت لحم، لتكون بمثابة الفاتحة في سلسلة الاغتيالات الاسرائيلية للنشطاء الميدانيين وقادة الفصائل والعمل الوطني، حيث كان أمين سر حركة فتح في مدينة طولكرم ثابت ثابت، الهدف الثاني للاغتيال بعد عبيات.
 
لاحقا ازدادت وتيرة الاغتيالات الإسرائيلية، وشملت معظم الفصائل الفلسطينية وقادتها، وأبرزهم اغتيال ياسر عرفات بالسم بعد محاصرة مقره في رام الله، واغتيال الزعيم الروحي لحركة حماس الشيخ أحمد ياسين، وخلفه عبد العزيز الرنتيسي، اضافة الى اغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى، ومئات النشطاء البارزين من مختلف التنظيمات.
 
يُذكر أنه في 18 أيار 2001، دخلت طائرات إل إف 16 المقاتلة معترك الانتفاضة، وقصفت مقرات للشرطة الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، مما أسفر عن استشهاد عشرة مواطنين، وجاء ذلك بعد أن نفذت عملية تفجير في مركز تجاري سياحي بمدينة نتانيا الساحلية وأسفرت عن مقتل خمسة اسرائيليين واصابة آخرين.
 
ولعل من أبرز أحداث الانتفاضة اجتياح العام 2002، والتي أطلق عليها جيش الاحتلال عملية "السور الواقي"، حيث بدأت الدبابات الإسرائيلية بدخول مدينة رام الله في 29-3-2002، ومحاصرة مقر الرئيس ياسر عرفات، وكنيسة المهد وابعاد المقاتلين الذين تحصنوا فيها الى غزة والأردن ودول اوروبية، وأعادت فيها اسرائيل احتلال جميع مدن الضفة الغربية.
 
في ساعات فجر يوم الأحد 31/3/2002، جرى اجتياح مدينة قلقيلية، وفي اليوم التالي اجتاحت مدينة طولكرم، و2-4-2002 اجتاحت بيت لحم، وفي 3-4-2002 اجتاحت سلفيت وجنين ونابلس، وارتكب الاحتلال خلال الاجتياحات العديد من المجازر بحق المدنيين أبرزها مجزرة مخيم جنين، الذي صمد لأكثر من أسبوعين في وجه آلة القتل والخراب الاسرائيلية، ودمر الاحتلال البنى التحتية وقطع أوصال المدن والمناطق الجغرافية بالحواجز والسواتر الترابية التي زاد عددها عن 600 حاجز، ووصلت أعداد الشهداء إلى المئات والجرحى الى الالاف، ودمرت مئات المنازل والمنشآت والمركبات.
 
وفي عام 2002 بدأ الاحتلال من القدس بناء الجدار العازل لمنع دخول الفلسطينيين من محافظات الضفة الغربية داخل الخط الأخضر ومدينة القدس المحتلة.
 
وكان من أشد نتائجها خرابا على الضفة الغربية، بناء جدار الفصل العنصري، والذي يبلغ طوله 728 كم،  ويلتهم 23% من أراضي الضفة الغربية، خاصة في مناطق جنين وقلقيلية وسلفيت والقدس، ويفصل 36 تجمعا سكانيا "72000" مواطن عن أراضيهم الزراعية. ويقسم الضفة الغربية الى كنتونات منفصلة، ودخول 11 تجمعا سكانيا فلسطينيا "26 ألف نسمة" الى أراضي الداخل، اضافة الى حرمان الفلسطينيين من 50 بئرا من المياه الجوفية توفر 7 ملايين متر مكعب من المياه تقع ضمن الأراضي المصادرة.
 
وفي الثامن من فبراير/شباط 2005 اعلن عن اتفاق هدنة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في قمة "شرم الشيخ"، إلا أن مراقبين يرون أن الانتفاضة الثانية لم تنته لعدم توصل الفلسطينيين والإسرائيليين إلى أي حل سياسي ولاستمرار المواجهات بمدن الضفة، ولم تعلن أي جهة، رسمية أو غير رسمية عن نهايتها. وعلى الرغم من استئناف المفاوضات الجزئية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وانتظام الحياة العامة بشكل شبه روتيني؛ وعلى الرغم من انخفاض وتيرة المواجهات الحربية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي إلا أن تداعيات الانتفاضة لا زالت ماثلة حتى اليوم.
 
 



اضف تعليق