بعد فقدانه الدعم الصيني.. هل باتت أيام زعيم كوريا الشمالية معدودة؟


٢٨ سبتمبر ٢٠١٧ - ٠٥:٢٥ م بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

يبدو أن الصين قررت أخيرًا الهروب من قارب كوريا الشمالية الغارق لا محالة، فقد أيقنت بكين أن رهانها على بيونج يانج أضحى رهانًا خاسرًا، وذلك بعد سلسلة من العقوبات الدولية والأمريكية ضد نظام كوريا الشمالية المارق، والساعي إلى إحداث توترات واضطرابات غير مسبوقة في منطقة شبه الجزيرة الكورية، بل على الصعيد العالمي أيضًا.

فعلى الرغم من العلاقات الاقتصادية القوية التي تجمع الصين وكوريا الشمالية، والتي سبقتها علاقات سياسية وعسكرية جمعت البلدين قبل أكثر من 67 عامًا، منذ الحرب بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، فإن بكين أدركت الآن أن كوريا الشمالية أصبحت في معاداة مباشرة، ليست مع كوريا الجنوبية أو حتى الولايات المتحدة فحسب، بل أصبح تعادي العالم كله، وفي القلب المنظمات الدولية والأممية.

في هذا التقرير، نبحث القرار الصيني الجديد بإغلاق الشركات الكورية الشمالية الموجودة على الأراضي الصينية خلال الـ 3 أشهر المقبلة، والتداعيات المحتملة للقرار على سياسات كوريا الشمالية، واحتمال نشوب حرب لإسقاط النظام في كوريا الشمالية خلال الفترة المقبلة.

الصين تقرر إغلاق شركات كوريا الشمالية مطلع 2018

البداية مع القرار الجديد الذي أصدرته وزارة التجارة الصينية، اليوم الخميس، بإغلاق شركات كوريا الشمالية، ومشروعات المشتركة مع الصين، في غضون 120 يومًا، وذلك بعد العقوبات الجديدة التي أقرها مجلس الأمن الدولي بحق كوريا الشمالية.

وأوضحت الوزارة في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، أن المشروعات الصينية المشتركة مع أفراد أو كيانات من كوريا الشمالية في الخارج ستغلق أيضاً، لكنها لم تذكر إطاراً زمنياً لذلك.

كان مجلس الأمن الدولي قد صوّت في 12 سبتمبر/ أيلول بالإجماع لصالح تشديد العقوبات على كوريا الشمالية، ليحظر صادرات المنسوجات ويحد من إمدادات الوقود.

وجاءت العقوبات ردا على إجراء كوريا الشمالية هذا الشهر سادس وأقوى تجاربها النووية، وهذا هو تاسع قرار من مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات على كوريا الشمالية بسبب برامجها النووية والصاروخية منذ 2006.

خسائر اقتصادية صينية كبرى

من الواضح أن المعاناة الاقتصادية، لن تطال كوريا الشمالية وحدها، فالأضرار والأعباء الاقتصادية ستمس حليفتها الكبرى الصين أيضًا، وذلك وفق ما أورده تقرير أعدته وكالة "بلومبرج" الأمريكية.

فقد أشار تقرير الوكالة الأمريكية، أن الاقتصاد الصيني سيتضرر بشدة بسبب العقوبات الدولية المفروضة على حليفتها كوريا الشمالية، حيث أشار التقرير إلى أن المناطق الحدودية بين الصين وكوريا الشمالية، خاصة مدينة "هونتشون" التي يبلغ ‏عدد سكانها حوالى 230 ألف نسمة، قد بدأت تتأثر فعلاً بالعقوبات المفروضة، وخاصة ‏أن هذه المنطقة تستفيد من تقارب الحدود، ويعيش أهلها بفضل التجارة مع كوريا ‏الشمالية.

وقد وقعت الشهر الماضي العديد من الاحتجاجات الشعبية في مدينة "هونتشون"، وذلك بعد موافقة مجلس الأمن الدولي على عقوبات تحظر تصدير المواد البحرية والسلع الأخرى من ‏نظام كوريا الشمالية.
 
وبحسب معدي التقرير، فقد تم إغلاق العشرات من محلات البيع بالجملة، بالإضافة إلى المطاعم وغيرها من المتاجر، حيث يعتمدون على التجارة المتبادلة، وقد تسبب الوضع بإحداث ضربة قوية لاقتصاد هذه المدينة.
 
وكانت الصين، التي تعد مصدر الدعم الاقتصادي الأول لكوريا الشمالية، قد أعلنت في الرابع عشر من أغسطس/ آب الماضي، حظر استيراد الحديد والرصاص ومنتجات البحر من هذا البلد، كما تراجعت الواردات الصينية من كوريا الشمالية بنحو 7% في الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي 2017، بحسب أرقام الجمارك الصينية، بعد وقف الصين شراء الفحم من بيونغ يانغ أواسط فبراير/ شباط.

الصين تقرر القفز من القارب الكوري الشمالي الغارق

القرار الصيني الصادر، اليوم الخميس، لم يكن وليد اللحظة أو المصادفة، فكما ذكرنا في مقدمة التقرير، حيث أيقن نظام شي جين بينج، أن الرهان الطويل على مغامرة كوريا الشمالية، لم تعد في صالحها، فبينما كانت تبحث الصين عن توازن دولي، في مواجهة الهيمنة الأمريكية على العالم، إلا أن نظام كوريا الشمالية المارق، أثبت بعد استعداؤه للمجتمع الدولي بأسره، أنه بات في الكفة الخاسرة.

ففي الثامن من شهر أغسطس/ آب الماضي، أكد وزير الخارجية الصيني "وانج يي"، أن الصين ستدفع الثمن الأكبر على ضوء العقوبات الجديدة التي فرضتها الأمم المتحدة على كوريا الشمالية.

وأشار الوزير إلى أن لبلاده علاقات اقتصادية وثيقة مع كوريا الشمالية، لكنها ستعمل دائما على تطبيق القرارات، مضيفًا "ولكن من أجل حماية النظام الدولي بشأن عدم الانتشارالنووي وحماية الاستقرار والسلام الإقليمي فإن الصين ستطبق على نحو تام وصارم محتويات القرار المشار إليه".

وكان مجلس الأمن الدولي، قد تبنى في الخامس من شهر أغسطس/ آب الماضي، قرارا يشدد العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية، والذي ينص على حظر استيراد بعض المواد من كوريا الشمالية، بالإضافة إلى تجميد أصول مصرف ‏التجارة الخارجية لكوريا الشمالية ومنع السفن الكورية الشمالية التي تنتهك قرارات ‏مجلس الأمن، من دخول موانئ كافة الدول، كما يتضمن القرار عقوبات ضد أشخاص ‏لهم صلة ببرامج بيونغ يانغ النووية والصاروخية.‏

كوريا الشمالية تهدد الصين: نحن نؤمن لكم الحماية !!

يبدو أن مغامرات نظام "كيم جونج أون"، لا حدود لها، فهي تواصل جموحها نحو الصين، مهددة إياه في حال قررت بكين قطع علاقاتها الاقتصادية مع بيونج يانج.

ففي مايو/آيار الماضي، وجهت كوريا الشمالية تحذيرًا شديد اللهجة إلى الصين، مشددة على أن بكين يجب أن تشعر بالامتنان لبيونج يانج التي تؤمن لها الحماية.
 
وكشفت وكالة الصحافة الفرنسية، وقتها، عن تعليق نشرته وكالة الأنباء الرسمية الكورية الشمالية يحذر الصين من "عواقب خطيرة" إذا واصلت اختبار صبر بيونج يانج، وأكدت الوكالة الكورية الشمالية على أن شيئا لن يجعل بيونج يانج تحيد عن مسارها.

وتابعت الوكالة أن كوريا الشمالية "لن تتسول أبدا من أجل الحفاظ على صداقتها مع الصين" كما أنها لن تتخلى عن برنامجها النووي ذي "الأهمية الكبرى"، مضيفة أن الشمال ومنذ الحرب الكورية كان مثابة منطقة عازلة بين بكين وواشنطن و"ساهم في الحفاظ على السلام والأمن في الصين" التي عليها أن "تتوجه إليه بالشكر".
 
واختتمت الوكالة الكورية الشمالية، بالإشارة إلى أن الصين يجب ألا تختبر صبر الشمال "وعليها في المقابل أن تفكر مليا بالعواقب ‏الخطيرة التي يمكن أن تترتب" في حال قيامها بهدم العلاقات بين البلدين.‏
 
وكان التحالف بين كوريا الشمالية والصين خلال الحرب الكورية (1950-1953)، حيث تعتبر بكين الحليف التجاري الأول للشمال وأبرز جهة مانحة له.

الصين تلوح بالتدخل العسكري في كوريا الشمالية !!

ومع تصاعد التهديدات المُتبادلة بين كوريا الشمالية، والولايات المتحدة الأمريكية ومجتمع الدولي، فقد كانت الصين أكثر صرامة في هذا الشأن.

ففي أغسطس/ آب الماضي، توعد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" كوريا الشمالية بـ "نار وغضب لم يشاهد العالم قط لهما مثيلا"، وهو ما ردت عليه الأخيرة بالتهديد بإغراق جزيرة "جوام" والتي تحوي قاعدة عسكرية بحرية وجوية أمريكية ضخمة غرب المحيط الهادئ بصواريخ "هواسونغ-12".

ومع تزايد احتمالات اندلاع المواجهة العسكرية، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبدعم من استراليا وحلف الناتو، فيما وضعت اليابان صواريخ "باتريوت" على أهبة الاستعداد القتالي، فيما دعت ألمانيا إلى ضبط النفس وتجنب نشوب حرب نووية، فقد كان لزامًا على الصين أن تقول كلمتها.

ففي مقالة افتتاحية في صحيفة "جلوبال تايمز"، صرحت بكين بأن "من الضروري أن يفهم جميع الأطراف أنه عندما تهدد تصرفاتهم المصالح الصينية، فإن رد فعل الصين سوف يكون قاسيًا".

وأوضحت القيادة الصينية أنه في حال تهديد كوريا الشمالية الولايات المتحدة بصواريخها، فإن الصين ستقف على الحياد التام، ولكن، ما إن توجه واشنطن وسيول صواريخهما إلى كوريا الديمقراطية، رغبةً في إسقاط النظام الكوري الشمالي القائم، فإن الصين سوف تفعل كل شيء لمنع ذلك.

فالصين على استعداد للدفاع عن كوريا الشمالية بكل الوسائل بما فيها العسكرية منها، ولا حاجة إلى التذكير بأن الصين تصرفت كذلك في الأعوام ما بين 1950-1953 ضد الولايات المتحدة دفاعا عن كوريا الشمالية.

أسباب عديدة لتدخل الصين عسكريًا في كوريا الشمالية

في الأسبوع الماضي، تناولت مجلة ناشونال إنترست الأمريكية الأزمة المتفاقمة في شبه الجزيرة الكورية، ونشرت المجلة مقالا للكاتب "جون ديل غروفر"، تناول فيه الأسباب المنطقية للتدخل الصيني في كوريا الشمالية على المستوى العسكري.

وقال الكاتب إن بكين قد تضطر إلى التدخل العسكري في كوريا الشمالية في حال تعرضها لهجوم أميركي أو انهيارها من تلقاء نفسها، وذلك من أجل حماية الأهداف الصينية المتمثلة في تأمين الحدود وفي منع القوات الأميركية من الاقتراب من نهر يالو ومن أجل منع ظهور دولة كورية ديمقراطية موحدة تكون موالية للولايات المتحدة.
 
وأوضح الكتاب أن أول ما يثير قلق الصين هو احتواء تدفق اللاجئين الكوريين الشماليين عبر الحدود في حال اندلاع الحرب، الذين سيشكلون كابوسا مرعبا للصينيين لما يتطلبونه من موارد هائلة في الغذاء والمأوى والرعاية الطبية، مشيرا إلى ظروف الفقر التي يعانيها شعب كوريا الشمالية الذي يزيد عدده على 25 مليون نسمة.
 
وقال إن مشكلة أخرى تواجهها بكين تتعلق بمن سيسيطر على الأسلحة النووية التي لدى كوري الشمالية في حال انهيار نظام كيم، وفي ظل عدم معرفة مواقعها على الأرض داخل البلاد، لأن العديد منها تحت الأرض أو على منصات إطلاق متحركة.

الخلاصة

تظل التوترات في منطقة شبه الجزيرة الكورية على صفيح ساخن، بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية المدعومة بالمجتمع الدولي، فيما تحاول الصين الوقوف على الحياد حتى آخر لحظة، مع الإبقاء على دعم بات محدودًا مع كوريا الشمالية، وهو ربما الذي ترفض معه الولايات المتحدة الدخول في نزاع عسكري مباشر مع كوريا الشمالية، فهل تنجح الجهود الدولية في حل الأمور دبلوماسيًا، أم تحقق الولايات المتحدة ما تصبو إليه من استمالة الصين وتحييدها خارج الصراع، لحسمه عسكريًا ؟!.. الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة عن السؤال.



اضف تعليق