بـ"التابوت الخشبي" و"الدفن العشوائي".. الغرب يصادر حقوق موتى المسلمين


٢٩ سبتمبر ٢٠١٧ - ١٠:١٨ ص بتوقيت جرينيتش

كتبت - أميرة رضا

استكمالًا لمسلسل الاضطهادات الطائفية التي تتعرض إليها بعض الفئات المسلمة في الغرب، لا تزال هناك معاناة حقيقة قد لا يتأثر بها من فارق الحياة وتوقف قلبه عن النبض فقط، بل أصبح ذووه أيضًا يتجرعون مرارة البحث عن مكان لمواره جثمانه، ليبقى السؤال أين تدفن الجاليات المسلمة موتاها في بلاد الغرب؟ وهل بالفعل هو واجب شرعي ما زال حبر على ورق؟.

تعاني أغلب الجاليات المسلمة حول العالم - خاصة في دول غرب أوروبا - من عدم حصولها على حقوقها الدينية بشكل كامل، مع أن هناك قوانين في هذه الدول تكفل مجموعة من الحقوق الدينية، لكنها لا تؤتي بثمارها حتى الآن، ومن بين هذه القوانين عملية دفن الموتى.

التوابيت الخشبية "ملجأ" الجثامين في إسبانيا

في دولة مثل إسبانيا تنص القوانين على دفن جثامين الموتى في توابيت خشبية، وهو ما يتعارض مع تعاليم الشريعة الإسلامية التي تقضي دفن الجسد مباشرة في الأرض دون وضع الجثمان في صناديق إلا في حالات خاصة، وهو ما يحاول المسلمين علاجه من خلال طلب تخصيص مساحات من الأراضي في مختلف الأراضي الإسبانية لتصبح مقابر إسلامية يتمكن من خلالها المسلمون أن يدفنوا موتاهم وفقًا لتعاليم الشريعة.

وعلى الرغم من أن الاتفاقية التي تم إبرامها بين المفوضية الإسلامية في إسبانيا وبين الحكومة عام 1992 قد نصت على أحقية الأقليات الدينية المسلمة في تشييد مساجد وإنشاء مقابر خاصة شريطة أن تكون تابعة للجمعية الكائنة في منطقة سكنهم، إلا أن هذا لم يتم تنفيذه بشكل كامل على أرض الواقع من الجانب الإسباني.

مطالب وحقوق شرعية

في هذا السياق يسعى المسلمون منذ وقت طويل لإقناع الحكومة الإسبانية بتخصيص مقابر إسلامية لهم في البلديات المختلفة، وجاءت هذه التحركات من خلال مطالبة المفوضية الإسلامية في إسبانيا، الحكومة بتخصيص مساحات من الأرض تصلح كمقابر تتناسب مع عدد المسلمين في إسبانيا.

من جانبها عللت وزارة الصحة الإسبانية رفضها إنشاء مقابر إسلامية لتعارضها مع قوانين الدفن في إسبانيا وأوروبا ككل؛ لأن في تطبيقها إضرار بالصحة العامة، مما يظهر حجم التعنت من الجانب الإسباني ضد المسلمين هناك، حيث إن مؤسسات الصحة لم تسجل أية أضرار من قبل نجمت عن دفن الموتى في الأرض مباشرة في أي من البلدان أو الأماكن التي تنفذ الدفن وفقًا للتعاليم الإسلامية.

زيادة أعداد المسلمين.. وأعداد "المقابر" لا يذكر

بالرغم من مطالبات الجميعات الإسلامية المستمرة، لتخصيص مقبرة للمسلمين لدفن موتاهم وفقًا للشريعة الإسلامية، إلا أن عدد المقابر لا يتناسب مطلقًا مع أعداد المسملين حاليًا في إسبانيا، فمع تزايد أعدادهم عامًا تلو الآخر والذي بلغ 1.919.141 مسلمًا بحلول عام 2017، كان من الصعب السكوت على أعداد المقابر التي خصصت لهم بأرقام لا تذكر.

ووفقًا للدراسة الي أعدها اتحاد الجميعات الإسلامية في إسبانيا، حتي نهاية 2016، فإن عدد المقابر الإسلامية الموجودة حتى الآن 32 مقبرة فقط على مستوى إسبانيا ككل، أي أن هناك ما يقرب من 95% من الجمعيات الإسلامية تفتقر إلى مقبرة، لذلك يدفن المسلمون موتاهم بمقابر متعددة الأديان أو بالمقابر العامة التابعة للبلديات الإسبانية المختلفة.

تكاليف "باهظة"

من ناحية أخرى أبدى بعض المسلمين عدم قدرتهم على التكاليف الباهظة التي يتكفلونها حال دفن أحد ذويهم خارج إسبانيا، ومن الغريب جدًا أن عدد المقابر الإسلامية خلال الحرب الأهلية الإسبانية كان يتجاوز الثلاثين مقبرة -والتي تم إنشاؤها لدفن العسكريين المسلمين الإسبان الذين لقوا حتفهم أثناء الحرب نظرًا لتزايد أعدادهم آنذاك- لكنها تعرضت للإهمال والنسيان مع مرور الزمن.

لذلك اجتهد المسلمون لإيجاد بدائل وطرق أخرى لمواجهة قلة هذه المقابر، في مثل هذه الأوضاع، حيث أصبحوا يضعوا المتوفي في تابوت خشبي بدون نقوش وفتح عدة ثقوب به حتى يكون الجسد أقرب ما يكون إلى الأرض، في محاولة منهم لتوفيق الوضع بين ما هو متاح وبين تعاليم الشريعة الإسلامية.

وكان البديل لذلك إن لم يتمكنوا، هو دفن ذويهم في مقابر البلدية وفقًا للشروط المحلية بوضع الميت في تابوت خشبي أو من خلال نقل الميت إلى بلده الأصلي، الأمر الذي يتكلف مبالغ باهظة قد تصل إلى أربعة آلاف يورو لكل حالة. 

استجابة بعض البلديات

بعد العديد من المطالبات المستمرة للمسلمين في إسبانيا بضرورة إنشاء مقابر لهم على الشريعة الإسلامية، استجابات لهم بعض البلديات من بينها شروع مجلس بلدية "بلنسية" في تخصيص جزء من المقبرة العامة بمساحة تصل إلى 700 متر مربع للمسلمين، تحتوي على حوالي 120 وحدة دفن، وذلك في نهاية شهر ديسمبر من العام الماضي 2016.

وكذلك سيتم تخصيص مساحة أخرى تبلغ 671 مترًا كمقابر لليهود بحيث تسع حوالي 100 وحدة لدفن الموتى، وذلك وفقًا لقانون أكتوبر لعام 2015 والذي تم تعديله فيما يخص الحرية في تطبيق الشعائر الدينية.

كما خصصت عمدة مدريد "مانويلا كارمينا" مساحة 9500 متر مربع ليصبح مقبرة إسلامية، وذلك بعد اجتماعها مع ممثلي اتحاد الجمعيات الإسلامية في إسبانيا.

وفي نهاية نوفمبر من عام 2016، وافق مجلس بلدية "ساجونتو" التابعة لمنطقة بلنسية بالإجماع على إنشاء مقبرة إسلامية وتم التأكيد على إجراء الدراسات والإجراءات الإدارية اللازمة في أقرب وقت ممكن، امتثالاً لاتفاق التعاون بين مجلس البلدية والمفوضية الإسلامية الإسبانية والذي يُقر بحق المسلمين في تملك قطع أراضي مخصصة لدفن المسلمين في مقابر البلدية.

وتعتبر هذه الخطوات استجابة لمطالبات عديدة يقوم بها المسلمون في كل مناسبة من أجل تخفيف العبء عنهم فيما يخص دفن ذويهم داخل إسبانيا.

وإذا كان هذا الوضع في إسبانيا، التي تمكن أغلب المسلمين فيها من التعايش والاندماج مع بقية شرائح المجتمع المختلفة، وقدموا مجموعة من النماذج المضيئة التي انصهرت في المجتمع وتقلدت فيه مناصب عدة، فماذا عن أوضاع المسلمين في باقي بلدان العالم؟ هل سيحصل كل منهم على حقوقه الدينية كما ينبغي أن يكون أم ستظل هذه الحقوق حبرًا على ورق؟


 


 




اضف تعليق