من كردستان إلى كتالونيا.. أوجه التشابه والاختلاف


٠١ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٣:٢١ م بتوقيت جرينيتش

رؤية – محمود طلعت

شهد الواقع السياسي الدولي خلال الأسابيع الماضية إجراء استفتاءين هامين، أحدهما في إقليم كرستان العراق، والآخر في إقليم كتالونيا الإسباني.

ولعلها المصادفة وحدها هي التي جعلت أياما قليلة فقط تفصل بين الاستفتاءين الشعبيين في كلا الإقليمين اللذين يتمتعان بالحكم الذاتي.

وتمسك قادة الإقليمين بالمضي قدما في إجراءات الاستفتاء من طرف واحد، رغم رفض الحكومة المركزية العراقية والإسبانية له والتحذير من إجرائه.

أوجه التشابه والاختلاف

ما يجمع بين المشهدين بالتأكيد أكثر من المدخل المتبع للحصول على الاستقلال لكل من كردستان وكتالونيا بعد سنوات من الحكم الذاتي.

كلا الاستفتاءين يجريان دون توافق أو اتفاق مع الدولة المركزية، بل وفي ظل معارضة شديدة، قد تحمل في أحدهما أو كليهما، شكل المواجهة المسلحة.

ثانيا، ورغم أنه من حيث المبدأ يعتبر حق تقرير المصير حقا مشروعا لكل شعوب الأرض إلا أن تطبيقه في كلا الحالتين، لا يقابل بالدعم أو التأييد العلني على الأقل من معظم دول وشعوب الجوار.

استفتاء كتالونيا الإسباني يخص مدن وبلديات الإقليم المحددة إداريا بموجب القانون الاتحادي الإسباني، لا تجاوز ولا أطماع من قبل الإقليم على قرى أو بلديات خارج حدود الإقليم.

وعلى العكس من ذلك تماما فإن استفتاء كردستان يشمل كركوك ومدنا أخرى متنازع عليها بسبب وقوعها تحت سيطرة قوات البيشمركة.

وفي كلا الاستفتاءين النتيجة المعروفة، كما كانت عليها نتيجة استفتاء جنوب السودان، أي بموافقة أغلبية كبيرة على الانفصال والاستقلال.

ربما كان رد الفعل داخل إسبانيا أكثر مما هو خارجها، فلم تعلن أي دولة أوروبية موقفا معارضا أو صريحا ضد استفتاء كتالونيا، على عكس موقف دول جوار العراق، فهناك موقف إقليمي وحتى دولي ضد استفتاء الأكراد.

على الأغلب فإن موافقة الكتالونيين على الانفصال عن إسبانيا ستؤسس لدولة، يشترط عليها الاتحاد الأوروبي، فقط، أن تتقدم بطلب عضوية للانضمام له، لكن موافقة أكراد العراق، لن تؤدي للنتيجة ذاتها، بل ربما إن أي محاولة لترجمة سيادة الدولة الكردية على الأرض ستؤدي لصدام مسلح بين أربيل وبغداد.

ليس فقط لأن بغداد ترفض الانفصال الكردي، بل لأن الأكراد يصرون على أن يشمل الاستفتاء بالتالي دولتهم الكردية الناجم عنها أقاليم متنازع عليها، وهي مناطق شاسعة في محافظة ديالى، فيما الدستور العراقي كان قد نص على إجراء الاستفتاء العام 2007، على أن يقتصر على اربيل ودهوك والسليمانية وحلبجة.

أقاليم تسعى للانفصال

لا يعد إقليم كتالونيا الاسباني، الإقليم الوحيد في أوروبا الذي يسعى للانفصال عن البلاد، فهناك عدد من الأقاليم موزعة في القارة العجوز، تنشط فيها الحركات والاحزاب الانفصالية ولكن بدرجات متفاوتة.

ومن أهم تلك الأقاليم، الباسك ويقع شمالي اسبانيا، وقد سقط مئات القتلى على مدار 40 عاما من العنف الذي تسببت فيه حركة "هيري باتاسونا" الانفصالية، لكنها أعلنت حل نفسها عام 2013، بيد أن النزعة الانفصالية مازالت مستمرة في الإقليم.

وهناك جزيرة كورسيكا الفرنسية، التي تقع في البحر المتوسط.، وقد شهدت عمليات مسلحة شنتها "جبهة التحرير الوطني" في الجزيرة، لكنها تخلت عن العمل المسلح عام 2014 واتجهت لتعزيز العمل السياسي، غير أن باريس ترفض استقلال الجزيرة.

وأيضا هناك، إقليم اسكتلندا في المملكة المتحدة، ورغم رفض سكانه الاستقلال بالأغلبية، في استفتاء عام 2014، فإن الحركة الانفصالية مازالت قوية، خاصة بعد تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهناك توجه في الإقليم لإجراء استفتاء ثان لتحدد مصير الإقليم.

وفي بلجيكا هناك إقليم الفلاندرز، الذي يقع شمالي البلاد ويتحدث سكانه اللغة الهولندية، ويسعى حزب التحالف الفلمنكي  إلى قيام الجمهورية الفلمنكية، والاستقلال عن باقي مناطق بلجيكا.

أما جزر فارو، فهي تقع شمالي المحيط الأطلسي وتتبع للدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي، ومن المتوقع أن تنظم استفتاء لاقرار دستور جديد العام المقبل، الذي من شأنه منحها حق تقرير المصير.


رؤية تحليلية

وتحت عنوان "كردستان وكتالونيا يصوتان على الاستقلال.. مرحبًا بعصر الانفصال"، كتب ريان جريفيث المحاضر بجامعة سيدني تحليلاً حول استفتاء استقلال كل من إقليم كردستان العراقي وإقليم كتالونيا الإسباني.

وذكر الكاتب أن الأكراد والكتالونيون يتابعون نفس الاستراتيجية الشاملة للانفصال، وبشكل استراتيجي، كل الحركات الانفصالية، هي نفسها، إنهم يحتاجون لعمل تبديل لإجبار الآخرين على الاعتراف بهم كدول مستقلة.

وأوضح أنه بالنظر من زاوية متسعة، كتالونيا وكردستان ليستا فريدتين؛ فهما يستعملان نفس قواعد اللعبة ونفس التكتيكات مثل الحركات الأخرى المماثلة.

وأشار إلى أن الحركات الانفصالية تستطيع أن تأخذ نهجين لتحقيق الاستقلال؛ الأول يتم باستهداف حكوماتهم المركزية، والتي تعتبر العقبة الرئيسية أمام أي حركة لتحقيق الاستقلال، فلو سمحت الحكومة بالاستقلال كما فعلت صربيا مع الجبل الأسود في 2006، فإنَّ الطريق إلى دولة ذات سيادة يكون مضمونًا بالتأكيد.

أما النهج الثاني يتم بشكل أساسي بالتحايل؛ حيث تلتف الحركة حول الحكومة المركزية لجلب المجتمع الدولي إلى اللعبة، كما هو الحال في جنوب السودان. ويمكن للمجتمع الدولي إما الضغط على الحكومة المركزية للسماح بالاستقلال، أو كما في كوسوفو، يمكنه أن يتجاوز الحكومة المركزية تمامًا بالاعتراف بالمنطقة الانفصالية، ومعظم الحركات الانفصالية تستعمل كلا النهجين.

ويرى سياسيون أن الفرق بين استفتاء كردستان وكتالونيا، هو أن تشكيل كتالونيا لجمهورية جديدة لن يحمل الكثير من المتغيرات، فسيعني بقاءها ضمن منظومة الغرب، فلن تسقط كتالونيا في فلك روسيا أو الصين مستقبلا، وقد تفتح الباب أمام قوميات أوروبية أخرى نحو الاستقلال، لكنها ستبقى بدورها في فلك الغرب.

وقد يقع العكس في حالة كردستان، فاستقلال الإقليم وتشكيل دولة جديدة ستكون مصدر توتر حقيقي في منطقة الشرق الأوسط، لأنه سينقل العدوى إلى باقي دول المنطقة من سوريا وتركيا وإيران.


اضف تعليق