أيادي إيران في قطر.. انتهازية سياسية لتوسيع الشقاق الخليجي ‏


٠٣ أكتوبر ٢٠١٧ - ٠٤:١٩ م بتوقيت جرينيتش

حسام السبكي

شكلت زيارة وزير الخارجية الإيراني "جواد ظريف"، الأولى له إلى قطر منذ الأزمة القطرية الخليجية التي اندلعت أحداثها في الخامس من شهر يونيو/ حزيران الماضي، وذلك بقطع كافة العلاقات الدبلوماسية والرسمية من قبل دول المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر مع دولة قطر، نقطة نظام جديدة، باتت أوضح في شكل المعادلة الخليجية، والدور الذي اختارت قطر أن تلعبه في المستقبل، في ظل القطيعة الخليجية والعربية، وانحسار دورها في المنطقة، وهو ما عبرت عنه في أكثر من مناسبة، بالتلويح والتهديد تارة، والإشادة الاستفزازية بـ "العدو الإيراني" تارة أخرى، مما يحمل هوى قطري متفق مع رغبة إيرانية للخروج من النفق العدائي المظلم، الذي تعيشه من قبل دور الجوار الخليجي والعربي، فضلًا عن مستقبل الاتفاق النووي المحفوف بالمخاطر.

في التقرير التالي نسلط الضوء على زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى دولتي عُمان ثم قطر، والدلالات السياسية التي تقف وراءهما، ونحاول استشراف المستقبل السياسي للمنطقة، في ظل تلك التحولات الخطيرة.

وزير خارجية إيران في قطر بعد عُمان




فبالأمس القريب، استقبلت سلطنة عُمان وزير الخارجية الإيراني "محمد جواد ظريف"، وكان في طليعة مستقبليه وزير الخارجية العُماني "يوسف بن علوي"، فضلًا عما حظى به الوزير الإيراني من لقاء السلطان "قابوس بن سعيد"، وقد أوردت وكالة الأنباء العُمانية أن الزيارة جاءت روتينية، حيث استعرض خلالها الجانبان العلاقات والمصالح المشتركة، إلى جانب مناقشة آخر التطورات على الساحتين الإقليمية والدولية.

أما اليوم، فقد استكمل "ظريف" جولته "العبثية" في المنطقة الخليجية، بزيارة الدولة "المثيرة للجدل" قطر، حيث استقبله أميرها "تميم بن حمد"، واستعرضا خلالها علاقات التعاون المشتركة بين الجانبين في شتى المجالات، وتبادلا وجهات النظر بشأن الأوضاع الراهنة في المنطقة والأحداث الجارية.

شق الصف الخليجي.. وتعميق الأزمة




وفي نظرة تحليلية أولى لما وراء زيارة المسؤول الإيراني إلى الدولتين العضوتين في مجلس التعاون الخليجي، يُفهم منها للوهلة الأولى، أنها محاولة إيرانية "خبثية" لشق الصف الخليجي، الذي يعاني بسبب الممارسات القطرية الداعمة للإرهاب، فضلًا عن الموقف العُماني الذي اختار مسلك الحياد والوسطية، إلى جانب الدور الكويتي الوسيط بين طرفي الأزمة الخليجية الأخيرة، والتي ربما تزيد زيارة "ظريف" من تعميقها أكثرها، والذهاب بها على الأرجح إلى نقطة اللاعودة!!.

وقد وصفت أوساط خليجية عدة زيارة الوزير الإيراني لقطر في ذروة خلافها مع السعودية والإمارات والبحرين ومصر بأنها مسعى إيراني لبث المزيد من الشقاق، واستثمار الرغبة والهوى القطري في تدويل الخلاف للتسلّل بالتالي إلى البيت الخليجي، وذكرت تلك الأوساط إن تنقل ظريف من سلطنة عمان إلى قطر قد يوحي للوهلة الأولى أنه في طريقه لكسر الطوق الخليجي، لكنه في الحقيقة يفتقد لقيمته خصوصًا مع وقوف المملكة العربية السعودية ضده.

مصالح إيرانية.. والملف النووي




من غير المستبعد أن يكون لإيران رغبة أخرى من التقارب مع دول خليجية، صغيرة في المساحة الجغرافية وفي الوزن السياسي الإقليمي، لكنها كبيرة على مستوى دعم الاضطرابات والقلائل داخل المحيط الخليجي والعربي، والحديث هنا يخص دولة قطر على وجه التحديد، فإيران تسعى لإظهار وجودها على الساحة الخليجية من خلال ذلك الاختراق المقيت للصف الخليجي.

اللافت في الأمر، أن زيارة وزير الخارجية الإيراني، ترمي لأبعد من كونها تبحث عن العلاقات الثنائية مع قطر وعُمان، بل إنها تهدف لإرسال رسائل إقليمية ودولية، تقول أن لإيران قوة خارجية إقليمية لا يُستهان بها، وهو ما ذكره خبراء في الشؤون الخارجية الإيرانية، من كون الدولة الفارسية تسعى لانفتاح خليجي أكبر، فهي ترسل من أجله الإشارات تلو الأخرى في كل حين، وبالتالي لا نستغرب التصريحات المتكررة من المسؤولين الإيرانيين، وفي صدارتهم الرئيس الإيراني "حسن روحاني" ووزير خارجيته "محمد جواد ظريف"، والتي وصفت حينها بـ "المغازلة" للسعودية، والتي ترفضها الأخيرة بشدة.

ويؤكد الخبراء الإيرانيون، أن الموقف السعودي حيال التقارب مع إيران يظل متشددًا للغاية، وقد اتضح هذا من تصريحات سابقة لولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، حيث استبعد إمكانية الاتفاق مع دولة لا ‏تؤمن بـ"المصالح" بل بـ"العقائد"، مؤكدًا أن الرياض "لن تلدغ من إيران مجددًا".

ويرى الخبراء أن الخطوة الإيرانية الدبلوماسية الأخيرة من التواصل مع دولتي عُمان وقطر "الخليجيتين" يسهم في تعزيز الرسائل الإيرانية، التي تلوح بالمساحات التي تملكها الدولة الفارسية داخل مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا فيما بعد الأزمة الخليجية القطرية، مما يشكل نوعًا من "الانتهازية السياسية" المرفوضة خليجيًا وعربيًا.

زاوية أخرى، تبدو أكثر وضوحًا، في التحركات الإيرانية على المستوى الخليجي، حيث يمتلك الإيرانيين شعورًا بالقلق حول مستقبل الاتفاق النووي المُبرم مع الغرب، وتريد طهران من خلال تلك التحركات الإطلالة على العالم أجمع من خلال منابر إقليمية‏، تسعى لتدعيم موقفها من الاتفاق، بغرض كسب الوقت، وإبعاد سهام العقوبات التي كانت مُسلطة في السابق، وكانت خسائرها كارثية على الاقتصاد الإيراني.

قطر.. والرهان الخاطئ




على الجانب الآخر، يرى خبراء ومحللون سياسيون، أن دولة قطر، اختارت مجددًا توجيه بوصلتها إلى الوجهة الخاطئة، من خلال التقارب مع إيران، وقبلها مع تركيا.

ففي رأي عددٍ من المحللين الخليجيين، فإن قطر التي اختارت فتح أبوابها للتدخل الإيراني في الخلاف الخليجي الحاصل، ستكون في المستقبل المتضرر الأبرز من ورائه، فطهران لا تمتلك القدرة على حل أزمة قطر مع جيرانها الخليجيين، فتوريد البعض من شحنات الأغذية - وإن استمر - لن ينهي أزمة قطر التي تحتاج إلى ‏العمق الخليجي اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وأن الاعتماد على أطراف خارجية ‏يحقق حلولا مؤقتة ومحدودة، ولكن مخاطر تحوله إلى ابتزاز مالي وسياسي، تظل قائمة مع خصم إيراني غير مأمون.

وعلى سبيل الذكر لا الحصر، نجد أن النظام القطري، قد سعى بكل إمكانياته، إلى خدمة أجندة إيران في المنطقة، والتي بدأت مع بناء علاقة قوية مع ميليشيا حزب الله الشيعي اللبناني، والإنفاق السخي على إعادة إعمار المناطق التي تسيطر عليها الميليشيا، والتي تعرضت لأضرار بالغة إبان حرب يوليو/تموز في العام 2006، مرورا بعقد صفقات ودفع فدى مع جماعات متشددة لإطلاق سراح أسرى الحزب ‏وإظهاره كقوة مؤثرة في الملف السوري.

وعلاوة على ذلك، فقد عملت الدوحة على التأثير على قرار حركة حماس الفلسطينية لتكون مواقفها ‏متلائمة مع "حلف الممانعةط الذي تقوده إيران، وأن تكون تابعة لحزب الله في ‏لبنان، وأن تعمل على تعطيل إنجاز المصالحة الوطنية الفلسطينية، قبل أن تضطر للرضا بها، في ظل تراجع الوعود الإيرانية والقطرية لقطاع غزة، ما اضطر حركة المقاومة الفلسطينية لتقديم التنازلات والقبول بالمصالحة، وتيقنها بضعف التأثير الإيراني والقطري على القضية. ‏

وعلى الرغم من الخدمات القطرية السخية للإيرانيين ومشاريعهم العدائية في المنطقة، فإن طهران لا تبدو على استعداد لتقديم أي دعم لقطر سوى مجموعة من الوعود والمواقف العامة التي لا تؤخر ولا ‏تقدم، وعلى الرغم من ذلك، فإن المسؤولين القطريين يعتمدون عليها للاستمرار بالمكابرة، وامتداح العدو ‏المشترك لدول مجلس التعاون التي ما تزال إلى الآن عضوا فيه‎.‎

ويرى المحللون، أن الدوحة تعيش حاليًا في وضع خطير، يجعلها في مفترق طريق، قد يخرجها من المعادلة الخليجية تمامًا، في ظل رهانات خاطئة وخاسرة، قد تفضي في النهاية إلى نهاية نظام الحمدين، أو الرضوخ إلى الإرادة الخليجية والعربية، بعيدًا عن الانضواء تحت الرغبة الإيرانية العدوانية.

الاتحاد الخليجي




في ظل التقلبات في المواقف، والتحولات الخطيرة التي تشهدها منطقة الخليج العربي، يظل حلم "الاتحاد الخليجي" يراوح مكانه، في ظل الخلافات مع الدولة الخليجية الصغرى، واعتراضات عُمانية لا تنتهي.

فكرة "الاتحاد الخليجي"، كانت ومازالت، حُلمًا يراود الشعوب قبل الأنظمة، بتشكيل جيش خليجي موحد، ووجود جواز سفر موحد، وعملة خليجية موحدة، وفي كل قمة يعقدها القادة الخليجيون، تظل الآمال معقودة على تحقيق حُلم "الاتحاد الخليجي"، والتي كان آخرها مطروحًا على طاولة اجتماعات القمة الـ 37 لدول مجلس التعاون الخليجي، والذي أقيم العام الماضي في العاصمة البحرينية المنامة، وعلى الرغم من السعي الحثيث، وتحقيق بعد التقدم على طريق الحُلم، إلا أن خطوات أخرى مازلت لم تتحقق بعد، فضلًا عن معوقات عدة، أبرزها الخلاف القطري الخليجي المُعقد، والانقلاب الحوثي في اليمن، إلى جانب التدخلات الإيرانية في شؤون دول المنطقة، وكذلك وجود إدارة أمريكية جديدة.

وعن تاريخ دقيق لطرح فكرة "الاتحاد الخليجي"، فإنها ترجع إلى القمة الخليجية الـ 32 التي استضافتها العاصمة السعودية الرياض، قبل ستة أعوام، والتي دعا خلالها خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك "عبد الله بن عبد العزيز" إلى " اتحاد يلبي طموحات شعوب الخليج العربي ويتصدى إلى التحديات التي يواجهها"، وهي الدعوة ذاتها التي وجهها "حمد بن عيسى آل خليفة" ملك البحرين.

وتبدو الاعتراضات والتحفظات العُمانية معوق حقيقي في طريق إنجاز "الاتحاد الخليجي"، إلا أن بعض الأصوات عرضت إعلانه حتى بدون انضمام عُمان، معتبرين أن هذا "لا يفسد للود قضية"، مشيرين إلى أنه " لا يوجد ما يفسد الود بين عُمان ودول الخليج، فعُمان لها رأي في مسألة الاتحاد ‏خاصة لدورها التصالحي بين مختلف الأطراف، وهو رأي محترم"، فـ " عُمان والسعودية وجميع المجلس خنجر في قلب كل حاسد وحاقد.. تربطهم صلة الدم ‏والرحم".

وعلى رغم استطاعة موطني الدول الخليجية التنقل بين دول المجلس باستخدام بطاقة الهوية الوطنية فقط من دون الحاجة إلى جواز سفر، إلا أن بعض الخليجيين طالبوا بإصدار جواز سفر خليجي موحد، وبطاقة هوية موحدة، والتنقل بين دوله على غرار الاتحاد الأوروبي، إذ يرى البعض أن "التنقلّ يتم بين دول الاتحاد الأوروبي من دون الحاجة إلى جواز السفر أو بطاقة هوية، لكن ليس لمواطني دول الاتحاد فحسب، بل لكل من يدخل إحدى دوله".

عُمان وإيران والخليج




تظل السياسة العُمانية الخارجية محيرة للكثيرين، فهي تسعى لإمساك العصا من المنتصف، والحفاظ على علاقات متوازنة مع دول المنطقة، تجنبها الصدام المباشر وغير المُحتمل، أو الانحياز إلى طرف على حساب الآخر.

وإذا أردنا إلقاء نظر على شكل العلاقات العُمانية الإيرانية، نجد أن مسقط سعت دومًا للحفاظ على علاقة قوية ومستقرة مع طهران، على الرغم من العلاقات المتوترة بين إيران ودول الخليج، فقد اختار عُمان كما ذكرنا سياسة "إمساك العصا من المنتصف".

فعُمان دولة خليجية صغيرة وهامشية، في وسط كتلة قوية محيطة بها، كما أنها تتمتع بموارد محدودة‏ نسبيًا إذا ما قورنت بدول الجوار الخليجي، وهو ما يدفعها إلى تأسيس المزيد من العلاقات الودية في المنطقة، البعيدة عن الصدام المباشر أو الانحياز لطرف على حساب الآخر، فقد نجحت مسقط بفضل سياستها الخارجية التي تتميز بالحيادية والاستقلالية، في لعب دور الوسيط بنجاح، ليس على المستوى الإقليمي فحسب، بل ووصلت إلى الساحة الدولية أيضًا.

فخلال الحرب التي اندلعت بين العراق وإيران، كانت عُمان الدولة الوحيدة التي حافظت على ‏علاقاتها مع إيران، دون أن يؤثر ذلك على دور الوساطة في عملية وقف إطلاق النار، وفضلًا عن هذا، ففي الفترة ما بين عامي 2010 و2011، نجحت عُمان، من خلال مشاركتها في المفاوضات، في تسهيل عملية إطلاق سراح 3 ‏أميركيين كانوا محتجزين في إيران‏، وفي العام التالي 2012، استضافت مسقط المحادثات الثنائية بين إيران والولايات المتحدة، والتي أدت في ‏النهاية إلى بداية مسار المفاوضات النووية، ثم إبرام "الاتفاق النووي" في عام 2015.‏

الخلاصة

وختامًا نؤكد، أن التقارب الإيراني من بعض الدول الخليجية، يُفهم على أكثر من منحى، فهو يرمي إلى إرسال رسائل تحمل معاني القوة السياسية والتواجد الإقليمي الذي لا يمكن إنكاره، فضلًا عن انتهازية سياسية للخلافات الخليجية والعربية، وكذلك الاستعانة بالمحيط الإقليمي في مواجهة خطر دولي متنامي على مستقبل الاتفاق النووي، وهو ما يبدو جليًا في محاولات "المغازلة السياسية" المتكررة للسعودية، فهل تجني إيران ثمارًا إيجابية من وراء تلك المحاولات، أم تفشل كل مساعيها وتكون في مواجهة الرفض الدولي وتعود إلى عزلتها القديمة من جديد؟!.


اضف تعليق